في حفل زفاف بهيج، وسط حضور الأهل والأقارب تزوجت “وفاء” من “بدر” الذي يكبرها بـ11 سنة، زيجة لم تدم طويلا، خلافات متكررة وصل معها قطار الزوجين محطته الأخيرة، اتخذ الاثنان قرارا بالانفصال، ليبدأ كل منهما حياة جديدة، إلا أن شمعة الحب لم ينطفئ لهيبها داخل قلب الرجل الثلاثيني، ظل يطاردها حتى أجبرها على الرجوع لعصمته دون أن يدري بأن فعلته قد تنتهي به مكبلا بالأصفاد أعلى “طبلية” الإعدام.

منذ 5 سنوات، استقرت “وفاء” وأطفالها مع زوجها الثاني في مسقط رأسه بعاصمة الصعيد “أسيوط”، أملاً في غد أفضل ومستقبل مشرق يحمل معه الرخاء والسعادة التي فقدتها في كنف طليقها الأول “بدر”، تلك الصفحة التي طوتها دون أن تمزقها من كتاب حياتها.

بالانتقال إلى مركز أطفيح أقصى جنوب محافظة الجيزة، لم ينس “بدر” سائق التوك توك “حب العمر” رغم مرور 4 سنوات على انفصالهما، صورة “وفاء” لم تغادر المضغة المستقرة في جانبه الأيسر، ذكريات ومواقف عالقة في ذهنه، باتت ضيفا دائما في أحلامه الوردية، ليقرر البحث عنها بعدما تنامى إلى علمه تركها البلدة الصغيرة.

“وفاء اتجوزت وعايشة في أسيوط” كلمات وقعت كصاعقة على “بدر” أسئلة عدة يتردد صداها بداخله، لم يتردد في قطع نحو 390 كيلو مترًا للظفر بمحبوبته، حتى لو اضطره الأمر إلى اصطحابها معه عنوة رغم أنف الجميع.

مشاعر السائق الثلاثيني اصطدمت بواقعية طليقته “كل حاجة نصيب.. أنا ست متجوزة” ليستشيط الثاني غضبًا ترجمه إلى تهديد صريح بإيذائها وأبناءها حال عدم انصياعها لأوامره.

مطلع العام الجاري، تركت “وفاء” منزل زوجها بقرية “عرب بني صالح”، اصطحبت أولادها حيث منزل طليقها الأول “بدر” خشية تعرضها وفلذات أكبادها للضرر، حتى أنهما عاشا تحت سقف واحد دون عقد زواج شرعي.

كعادتهما مساء كل يوم، تعد “وفاء” كوبا من الشاي لـ”بدر” لدى عودته من الخارج بعد عناء يوم شاق يتجول خلاله بين الشوارع قائدا مركبته ذات الثلاث عجلات بحثا عن الرزق، يتبادلان الحديث في شؤون حياتهما والأطفال إلا أن مطلع الأسبوع الجاري جاءت الملابسات مختلفة جملة وتفصيلا.

نوبة بكاء هستيرية دخل فيها صاحب الـ37 سنة شاخصًا ببصره نحو شاشة هاتفه الجوال وتحديدًا صورة أحد أبناء قريته متغيب منذ نهاية عام 2016، فبادرت السيدة بسؤاله عن السبب فرد “منصور مختفاش.. قتلته غصب عني ودفناه بإيدينا”.

صمت ممزوج بدهشة سيطر على ذات الـ26 سنة، كررت سؤالها أملا في إيجاد تفاصيل تكتمل معها الصورة غير واضحة المعالم ليجهش “بدر” في البكاء بصوت عالٍ لتهدأ من روعه مطالبة إياه التقاط أنفاسه وأن يقص عليها حقيقة الأمر.

لحظات سكوت اختلسها “بدر” محاولاً استرجاع تفاصيل ما جرى خلال تلك الأمسية المشؤومة وتحديدا شهر ديسمبر من عام 2016، جمعته جلسة “مزاج” مع الشخص المُبلغ بتغيبه “منصور” 27 سنة، عامل، و3 آخرين حال قيامهم بحراسة عقار عليه نزاع بمنطقة زهراء مدينة نصر.

“كنت أحمل بندقية ممسكًا بها كما اعتدنا أن نلهو، فخرج منها عيارًا ناريًا عن طريق الخطأ فاستقر في جسد منصور الذي لفظ أنفاسه الأخيرة بيننا”.. يتذكر “بدر” وقائع الحادثة بينما راحت يداه ترتعشان وكأنهما تذكرتا معه ذلك الموقف المهيب.

حاول “بدر” أن يستجمع شتات نفسه ويستعيد قدرته على الحديث مستطردا “أحضرنا سيارة ونقلنا الجُثة لنخفيها بقطعة أرض بالقرب من مسجد المشير بمدينة نصر (مقابر حالياً)” وأشاعوا في البلدة أن صديقهم سافر للعمل في إحدى الدول العربية وارتكب مخالفة قانونية زجت به خلف القضبان لتبرير عدم تواصله مع ذويه.

انتظرت “وفاء” شروق شمس اليوم التالي، وأسرعت إلى شقيق “منصور” بعدما أخبرته هاتفيا بحضورها لأمر هام بشأن أخيه، وقصت عليه حديث زوجها “بدر” ليتسمر “محمود” 35 سنة، في موضعه فاقدا القدرة على الحركة والنطق للحظات من هول ما سمع للتو.

داخل مكتبه بالطابق العلوي لقسم شرطة أطفيح، يجلس الرائد أحمد يسري رئيس وحدة المباحث، يفحص قضية قيد التحقيق، يقطع انهماكه صوت طرق الباب أعقبه حديث شرطي “في راجل وست عاوزين يقابلوا حضرتك ضروري يا فندم”.

للوهلة الأولى ظن الرائد يسري أن حديث “محمود” درب من الخيال، شئ أقرب للأعمال السينمائية، توجه بالسؤال إلى “وفاء” حول مصدر تلك المعلومات فأجابته “جوزي كان بيقلب في الموبايل ولما شاف صورة منصور قعد يبكي.. ولما سألته قالي كل حاجة”.

فور إخطاره، وجه العميد عاصم أبو الخير مدير المباحث الجنائية بالجيزة، بتشكيل فريق بحث قاده العقيد محمد علي مفتش مباحث شرق الجيزة، بالتنسيق مع قطاع الأمن العام برئاسة اللواء علاء الدين سليم، والذي أكدت صحة البلاغ.

بالعودة إلى أروقة القسم، حركة غريبة تسود الأجواء خاصة وحدة المباحث التي تحولت إلى ما يشبه غرفة عمليات، يراجع قائد فريق البحث اللمسات الأخيرة للمأموريات تنسيقا مع قطاع الأمن العام انتظارا لـ”ساعة الصفر”.

عقب تقنين الإجراءات واستصدار إذن من النيابة العامة، تمكن الرائد أحمد يسري ومعاونه النقيب هشام موسى من ضبط المتهمين وهم كل من: “بدر” ٣٧ سنة سائق، و”محمد” ٣٧ سنة نجار مقيم أطفيح، و”أبو ضيف” ٣٥ سنة سائق، جميعهم يقيمون في أطفيح، و”عادل 38 سنة سائق مقيم “أبشنا” بني سويف.

أمام اللواء محمود السبيلي مدير الإدارة العامة لمباحث الجيزة، أقر المتهمون بارتكاب الواقعة، وقرر الأخير ببيعه السلاح الناري المستخدم لتاجر مواشي مقيم بذات القرية، محبوس على ذمة قضية (شروع في قتل).

وبمناقشة الأخير قرر أنه بوضع السلاح المستخدم وأسلحة أخرى طرف نجل عمه (عاطل 28 سنة) ومقيم بذات القرية”، أمكن ضبطه، أرشد عن السلاح المستخدم بندقية خرطوش و12 طلقة من ذات العيار وبندقية آلية و15 طلقة من ذات العيار وفرد خرطوش.

“منصور اتقتل ومطلعش محبوس في الخليج” هزَّ النبأ العاجل أرجاء القرية ذات الطبيعية الزراعية، انتهت حالة الجدل بعد حصولهم على إجابة قاطعة بشأن اختفاء ابن بلدتهم، ليسدل الستار على جريمة عمرها 3 سنوات كشفتها صورة وضمير امرأة.​

مصراوي