* هي بالقطع (خطوة تاريخية) باتجاه تقوية العلاقات الثنائية بين السودان، والولايات المتحدة الأمريكية مثلما وصفها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، لأن إعادة مستوى التمثيل الدبلوماسي الأمريكي إلى درجة سفير بعد ثلاثة وعشرين عاماً من التخفيض إلى درجة قائم بالأعمال في سفارة الولايات المتحدة بالخرطوم تعني الكثير بالنسبة إلى بلدٍ عانى الأمرَّين من سلوك نظامه السابق، الذي أدخل البلاد في أتون قطيعة دولية موجعة، انعكست سلباً على كل أوجه الحياة في السودان.
* الخطوة الموفقة تحمل رداً مفحماً على من حاولوا تبخيس مخرجات زيارة حمدوك إلى واشنطن، بالحديث عن أنها تمت في توقيتٍ غير مدروسٍ، وأن رئيس الوزراء لن يستطيع مقابلة أي من مسؤولي الصف الأول في الإدارة الأمريكية، بسبب سفر ترمب بمعيّة وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي للمشاركة في اجتماعات حلف الناتو في لندن، وغير ذلك من أحاديث التبخيس.
* صحيح أن خلو الوفد السوداني من اسم وزيرة الخارجية أثار تساؤلات موضوعية حول مسببات عدم سفر السيدة أسماء إلى واشنطن، لأن غيابها غير مبرر ولا مفهوم الدوافع، مثلما يشكل سابقة غير معتادة في مثل هذه الزيارات المهمة.
* الطبيعي أن تتولى الخارجية ترتيب كل مراحل الزيارة، وتنظم لقاءاتها، وتجتهد لفتح الأبواب المغلقة، وتتابع تفاصيل كل حركات وسكنات رئيس الوزراء، بإشراف مباشر من الوزيرة التي احتجبت عن مرافقة الوفد بلا مسوغٍ مفهوم، لكن ذلك لا يلغي ولا يقلص قيمة المكاسب التي حصدتها الزيارة، سيما وأن الأمريكان ظلوا يرددون منذ فترة أن رفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب يتطلب وقتاً وخطوات عديدة.
* يمكننا بكل اطمئنان أن نجزم بأن مشوار الألف ميل باتجاه رفع العقوبات بدأ فعلياً بخطوة مهمة، يتم بموجبها تطبيع العلاقات الدبلوماسية، وعودة السفير إلى مقره الحصين بضاحية سوبا في الخرطوم.
* المؤكد أن العلاقة التي شابها التوتر، وعابتها الشكوك، وافتقرت إلى الثقة، وربما الرغبة في التعاون دخلت مرحلة جديدة، ينتظر أن يذوب فيها الجليد تدريجياً، بالشروع في مناقشة متطلبات رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية السوداء، بجهدٍ دبلوماسي نتمنى له أن يشهد عملاً متقناً، وجديداً مفيداً، بتفاوض مباشرٍ ومثمرٍ، يكون نهجه مخالفاً لحوار الطرشان الذي إدارته أمريكا مع النظام السابق في خواتيم أيامه، عبر لجنة المسارات الخمسة، التي حددت فيها الإدارة الأمريكية مطالبها ومآخذها على السودان في ذلك الوقت.
* صحيح أن دخول الإدارة الأمريكية في أتون الانتخابات قد يعطل حركة التطبيع، مثلما قد تؤثر إجراءات محاكمة ترمب أمام الكونغرس سلباً على مساعي الحكومة الرامية إلى رفع اسم السودان من القائمة السوداء، لكن ذلك لا يعني أن الخطوة غير مثمرة، كما يزعم من ينظرون إلى كل جهدٍ تبذله حكومة الثورة بعين السخط التي تبدي المساوئ.
* المهم حقاً أننا انتقلنا من مرحلة (أمريكا تحت جزمتي والمتغطي بأمريكا عريان) إلى مستويات جديدة، قوامها التفاهم المشترك، والنقاش الموضوعي، وتطبيع العلاقات الدبلوماسية، وإزالة شوائب التوتر وأشواك الشكوك المتبادلة منها، سعياً إلى تمتينها بما يكفي لإزالة العائق الأكبر في طريق الاقتصاد السوداني المتأزم، تبعاً للمصاعب الجمة التي فرضها عليه الحظر الأمريكي الممتد أكثر من عقدين، عانت فيها الحكومة ونظامها الاقتصادي وجهازها المصرفي مصاعب جمَّة، دفع ثمنها الشعب السوداني غالياً.
* مطلوب من وزارة الخارجية أن تجتهد في إكمال ما بدأه حمدوك في زيارته الناجحة لواشنطن، حتى ولو لم تشهد الوزيرة ما تم فيها، لتستثمر في الخطوة الموفقة، وتصطحب معها المقولة القديمة التي تشير إلى أن طريق التصالح مع أمريكا يمر بجيبها واستثمارات شركاتها، وأنها لا تمتلك صديقاً أو عدواً دائمين بقدر ما تمتلك مصالح راسخة، تحدد مسارات علاقاتها مع الآخرين.