سنار – محمد غلامابي
إذن هي 24 عاماً ونحن لا نزال نحتفي بذكرى الإنسان مصطفى سيد أحمد المقبول، الذي من طينه، ومسام روحه خرج الفنان.
24 عاماً منذ أن دفنا بذرة مصطفى بقريته بالجزيرة؛ قريباً من النيل، فتعهدها بالسقاية والرعاية، فخرجت ثمارها لكل جهات السودان، هي ثمار ياصديقي تجدها تبحث بصبر وجسارة عن أفواه الفقراء والجوعى والمعدمين.
لقاء الأشباه:
في هذا العام 2020م، ببساطته وعمقه في أرقامه ومعانيه يلتقي مصطفى بمحبيه، بجيل نخطئ حين نصفه بالجيل الذي ولد ونشأ في رحم الإنقاذ، فرحمها عقور، وعقلها كذلك، وأرضها بور، هو جيل ولد ونشأ وتربى على أغنيات مصطفى، أو على أغنياته هو لدى مصطفى، فهما ليسا غريبين، بل قريبين جداً جداً، فليس بمستغرب إذن أن ينجز هذا الجيل أعظم ثورة، مشت، وستمشي بها الركبان من العالمين، بشعاراتها العظيمة في الحرية، والسلام، والعدالة، فكانت _ ربما _ ذكرى رحيل مصطفى هذا العام الأكثر إشارة لحضوره، فقد هزم شعبنا الليل والخوف ببسالة نادرة، ووضع اسمه بفخار على صفحات التأريخ، هو لقاء الأشباه بين مصطفى وشعبه، لقاء المؤمنين بالحياة في صيغتها الإنسانية، وإذا كانت الإنقاذ تطارد جسده المسجي، والملفوف بعلم السودان، ومحبيه بمطار الخرطوم في السابع عشر من يناير للعام 1996م، حتى مرقده، فإن الجماهير هذا العام، وفي ذات التأريخ شدت أوتار الغناء، وانطلقت الحناجر في القرى والبنادر بلحن مصطفى، بينما انزوت بعيداً بعيداً تلك الأيادي المستبدة، المستعدة، مرتعدة، وخائفة.
في الكاملين .
اتلاقينا مكتملين
لا خايفين ولا وجلين
ومكان المدفع الخازوق
نشوفوا مكن
نعم، فعند الثالثة بعد الظهر كانت مدينة الكاملين بالجزيرة محطة تلتقي فيها وفود من كل جنس ولون في طريقها للاحتفاء بذكرى مصطفى في السابع عشر من يناير الجاري بكل من قريته بود سلفاب، ومدينة سنار، كان العناق حميماً، كان عيداً بحق، وذراعين تفلت منهما بصعوبة، لتجد يدين تشدان عليك بقوة، ولسان وعقل يتبع كل ذلك قائلا ” كل مصطفى وأنتم بخير”.. ثم يفترق الجميع على كلمة السر ” مدنياااااو”.. وعيون، وقلوب وجله، خائفة، مرتعده، ومنزوية هناااك تراقب كل ذلك.
في العودة إلى سنار:
كانت صحيفة ” اليوم التالي” تستجيب لدعوة أهل نادي الشعلة بسنار، بمعية الفنانين الهادي حامد ” الجبل”، وشمت محمد نور، وآخرين، بينما ينتظر في سنار بوفاء وشوق عظيمين الشاعر قاسم أبزيد، كنا نعود اليوم إلى سنار التأريخ، والحاضر، والمستقبل، حيث يستقبلنا أهلنا، نستقبل جميعا مصطفى سيد أحمد المقبول، فنجده قد سبقنا إلى هناك.
في نادي الشعلة:
هل لهذا النادي من اسمه نصيب؟ أقول مطمئناً نعم، فقد حمل شعلة الحياة دوماً، متحملاً نارها، مؤمناً بنورها، ففي أشد لحظات العسف كانت داره مفتوحة لتحتفي بأكتوبر، وإبريل، ومحجوب شريف، فكيف هو الحال اليوم؟
زحف عدد كبير من الناس ومنذ وقت مبكر صوب النادي، أجيال، وأعمار، وأجناس مختلفة لكنها تتفق جميعها على حب مصطفى، على حب ما اصطفى.
رئيس النادي السيد أنور تور الدبة، ورفاقه، ورفيقاته كانوا مثل أهل العرس، بل كانوا أهل عرس حقاً، يتقافزون مثل حملان جزلة مسرورة، مثل عصافير ما خطر ببالها صياد.، قال تور الدبة: لذكرى رحيل مصطفى سيد أحمد هذا العام طعم ولون مختلفين، فهي اول ذكرى تصادف ثورة السودانيين الباسلة ” ديسمبر”، وبلادنا تتطلع للرواكيب الصغيرة لتصير أكبر من مدن، تتطلع للعيش في كنف السلام، والحرية، والعدالة، أما الفنان شمت محمد نور فغنى بطريقته لمحجوب شريف:
كفك..كفك
تلقاني معاك في صفك
ما دام الصدق حليفك
وكتاب الحق في رفك
و” يابا مع السلامة”
ولقاسم أبزيد:
نقطة دم شهيد
ما بتقع واطا
ويقاطعه، لا بل ويدفعه الهتاف ” الدم قصاد الدم.. ما بنقبل الدية”.
نعم غنى الهادي الجبل في تلك الليلة، ولظرف تقني لم يغن مرثية الشاعر حسن القدال:
رحل ماكمل المشوار
حليلو فاقد البعيد والجار.
أفل بدرا زمان وقاد
رحل من البلد ماشي
مقناع العروض فقاد
قشاش دمعة الآسي
ولي كل المحاسن قاد
وعند ساعة الدرق قاسي
أسدا للثغور سداد
قضاي للقروض راسي
بكت عين الصدق والنم
يارواكيب البيوت والدار
فقد لون الغناوي طعم
لو كان الدموع بتجيب
ما جفت عيونا نهار
رحماك ياكريم رحماك
راضين نحنا بالأقدار.
وحين هم والي سنار بإلقاء كلمته في الحفل تعالت الأعناق، وارتفعت الحناجر بالهتاف في وجهه: ” مدنياااااو”، فردد معها ” أنا أيضاً مع الحكومة المدنية”، ثم أعلن عن تبرعه للنادي بمائة ألف جنيه، فعلت الهتافات من وين؟ أي من مالك أم المال العام؟.. ثم انتظمت الهتافات مرددة ” المستشفى..المستشفى.. المستشفى” ليعد الوالي بدعمها بخمسين ألف جنيه، وما تحتاجه من كوادر ومعينات للعمل، والوالي في طريقه للخروج قبل نهاية الحفل ارتفعت الحناجر بهتافات الثورة، وضج بها المكان، وليحمل جملة المشهد ” مشهد أن يكون الوالي بين الجماهير ” بعد الثورة، الكثير من الدلالات والعبر والدروس، أكثرها وضوحاً ورسوخاً عندي أن هذا هو وقت الجماهير بامتياز، فيه الوالي موظفاً لدى الشعب، وليس العكس، خادماً له، وأي خدمة؟ إنها من بعد محفوفة ومسورة بالأسئلة والمساءلة، والمحاسبة.
وتمت العام الجميلة:
نعم، التقى عيد مصطفى بعيد الثورة، التي أكملت عامها الأول، فقرأ قاسم أبزيد شعراً، وغنى الهادي حامد ” تمت العام الجميلة” .. هذا رغم أن قاسم بضع السادس من إبريل القادم موعداً لعامها الأول:
تمت العام الجميلة
نيل وضفة
سهل أخضر
دنيا تصفى
وبكرة أنضر
وتمت العام بالعديلة
*************
دفقت شروقا ومنظرا
صفق العالم سلام
وقفت الأمواج قيام
والنهر غادر ضفتيهو وانطلق.
************
حلوة وجميلة ومقدرة
ياقبلة التأريخ كلام
والناس توحد وانسجام
يارجعة الزمن الجميل الاتسرق.
*********
تاتي وبروقا الممطرة
رغم الرعود أنا انتظام
والخير سيول
فتح المسارات
واندلق
وتمت العام الجميلة
وتمت العام بالعديلة.