ما لم تعترف قوى الحرية والتغيير بأنها سجلت فشلاً ذريعاً في إدارة شؤون الدولة والناس خلال الفترة الماضية من عمر الحكم فإنها لن تستطيع إصلاح الحال، لأن الاعتراف بالمشكلات هو بداية الطريق لالتماس الحلول.
من يحرر الحكام والشارع من وهم (الكيزان) الذين حملتهم (حكومة قحت) حتى مسؤولية السيول والفيضانات، واتساع ثقب الأوزون وزيادة معدلات الأمطار وكل ابتلاء حاق بالشعب السوداني منذ سقوط الرئيس المعزول عمر البشير، وجد الحكام الجدد شماعة يعلقون عليها التقصير والأخطاء، واستمرأوا تخدير المواطن بشائعات الدولة العميقة وأوهام سيطرة الإخوان ( الفلول) على مفاصل الدولة ، درج ( القحاتة) على الاستمتاع بـ(خير) السلطة وإدخال (شرها) في حساب الكيزان لتغذية رصيد كراهيتهم في (بنك الشارع) ، هذه أكبر (عملية استهبال) يشهدها التاريخ السياسي أن تحتفي بكل صحيح في كراستك، وتحمل الآخرين فاتورة أخطائك التي اقترفتها يداك. ، أن ترد فعلك (المخجل) إلى من سواك بطريقة طفولية فاضحة، تفعلها على( نفسك والمرتبة) ، ثم تنهض سريعاً وتأتي بأحد الأبرياء النائمين لوضعه في مكانك الذي ملأته (لينا وقذارة وحاجات تانية) .
الحقيقة التي ينبغي أن يواجهها (أهل قحت) أنهم أضاعوا التغيير وحمدوك وحكومته بإصرارهم على التشاكس والتناقض وممارسات الكيد المتبادل، بينهم المؤتمر السوداني، والحزب الشيوعي الذي يدير خلافاته داخل السلطة التي دخلها آخرون بشريحتي الحكم والمعارضة .
مازالت الحرية والتغيير تفاوض شركاءها في الحركات المسلحة خارج السودان ، اختلط الحابل بالنابل في تشكيلة حكم رايناها أشبه بحملة هكس التي أبيدت في شيكان وقال المؤرخون أنها كانت تحمل عناصر فنائها في نفسها، تخبط وتعدد في اتخاذ مراكز القرار، تشاكس، شلليات، لوبيهات والنتيجة ضياع التغيير وهيبة الحكم وهشاشة واحتضار أجهزة الدولة.
لا أعتقد أن (للكيزان) ودولتهم العميقة يد في كل ما حدث داخل قوى الحرية والتغيير، فشل السيد عبدالله حمدوك وحكومته بات مهماً لبعض واجهات قوى الحرية والتغيير اكثر من كيزان النظام البائد، انظروا لخلافات الموازنة بين (مكونات التغيير)، المعتقون داخل (الشيوعي) يرون في (حكومة قحت) دولة لمرافيد الحزب العجوز ما نقل الصراع من مركزه في( الخرطوم اتنين) إلى أروقة مجلس الوزراء ومفاصل مؤسسات الدولة.
هل تذكرون عندما أعلن الدكتور عبد الله حمدوك من السعودية بعد ثلاثة أشهر من تسمية حكومته، أنه لم يتسلم من قوى الحرية والتغيير البرنامج الإسعافي للفترة الانتقالية، قلنا حينها إن هذا أخطر تصريح ينطق به الرجل منذ تسنمه مهام قيادة الجهاز التنفيذي في أخطر مرحلة يمر بها السودان، في ذلك الوقت وحرصاً على تفادي أي التهاب في الجسد السياسي عقم حمدوك تصريحه بعبارة غاية في التهذيب : (لا أريد أن أوجه اللوم إلى أحد).
أذكر أنني كتبت يومها: (سيدفع حمدوك قبل الشعب السوداني وقوى الحرية والتغيير ثمناً باهظاً لغياب برنامج حكومة الفترة الانتقالية التي تتآكل أيامها وتتناقص يوماً بعد يوم، بينما كافة الملفات (محلك سر)، وفي وقت تتفاقم فيه الأزمات وتتزايد المشكلات على الشعب والحكومة..
إذا استمر الوضع هكذا سيجد الرجل نفسه وحكومته مشيعين باللعنات وستفقد قوى الحرية والتغيير قدرتها على المبادرة وامتلاك زمام الشارع وستضيع الفترة الانتقالية والثورة وأحلام التغيير.
أداء ضعيف لوزراء فقدوا البوصلة وظلوا يغردون خارج السرب هؤلاء هم الذين أضاعوا حمدوك، اهتماماتهم وتصريحاتهم ظلت تثير حفيظة وتندر الرأي العام ، انصرفوا لقضايا البل والتمكين و(سيداو) وجدل العلاقة بين الدين والدولة وعودة اليهود ووضعية (المريسة) في الثقافة السودانية، ومحاربة القرآن في المناهج الدراسية، ومكافحة اللغة العربية، وبيع أصول المؤتمر الوطني لحل الأزمة الاقتصادية، وبل المؤسسات والأفراد وصفقة الفاخر الفاسدة، فعلوا كل هذا ولم يعيروا الخبز والوقود وارتفاع الأسعار وهموم المواطنين اليومية وتأمين احتياجاتهم الاهتمام اللازم والمطلوب.
من أضاعوا حمدوك هم الذين استمرأوا دق الأسافين بين المكونين المدني والعسكري وظلوا يحرضون الرجل ضد العسكر، والدعم السريع وبقية القوات المنوط بها حراسة الفترة الانتقالية وتسيير دفة الحكم إلى حين قيام الانتخابات، الذين فعلوا ذلك هم من أضاعوا التغيير وحمدوك وأدخلوه في دوامة حكم لا تنتج إلا الخيبات والأزمات.