تحقيق: بهاءالدين قمرالدين
يجلسون على الرصيف وينامون عليه، وأحياناً يقتاتون من براميل القمامة، أو تجدهم تائهين في طرقات المدينة، هم شيوخ مسنون وأطفال وشباب بعضهم تحرر من قيود العقل، فباتوا يتصرفون تحت اللا وعي، تحرق أجسادهم الشمس، وينخر البرد عظامهم، وحين يشتد عليهم جحيم الطريق ينتهون داخل المستشفيات مرضى أو جثثاً، تُكتب على ملفاتهم في سجلات الشرطة والمشافي (مجهول الهوية). كيف يتعافون إن كانوا مرضى داخل المستشفيات، ومن يواري أجسادهم الثرى حين يفارقون الحياة؟؟
(اليوم التالي) دخلت المشافي والمشارح ونقبت أرصفة الطرقات عن المجهولين القابعين في جحيم النسيان عبر هذا التحقيق.
معاناة الرصيف!!
أسوأ أنواع المعاناة التى يعيشها الإنسان هي أن يكون وحيداً، بلا عون أو سند يتألم، يصرخ دون أن يسمعه أحد، تجف دموعه لتترك على وجهه خطوطاً باهتة كرسم سريالي يختزل معاناة إنسان على الرصيف، ذلك المشهد يتم إنتاجه بين الحين والآخر ويعرض دون توقيت محدد في مستشفيات العاصمة السودانية الخرطوم، فيرجع المشهد خطوات المواطنين إلى الوراء لقساوته، فهم مجهولو هوية قذفت بهم ظروف غير طبيعية إلى الشارع فاتخذوه ملاذاً لهم!
ياسلام لو شفتو ميري!!
وفي داخل عنبر العظام بمستشفى الخرطوم التعليمي رصدنا حالة صبية أبنوسية تعرضت لحادث، وهي تلهو في شوارع الخرطوم.. تم العثور عليها ملقاة على الأرض أحضرتها إحدى دوريات الشرطة لتلقي العلاج بالمستشفى الكبير، وبعد إجراء اللازم لها من ضمادات جروح وجبيرة لليد، تُركت لحالها وحيدة تجلس على السرير تصرخ من شدة الوجع ولا تعلم شيئاً عن تفاصيل حياتها سوى أن اسمها (ميري)!!
تعاني الصبية ذات الـ (13) عاماً تقريباً، قساوة الوحدة وهي بدون سند أو عون في محنة المرض، لم تجد المسكينة من يأخذ بيدها ويساعدها في (قضاء حاجتها)، وأضحى حالها يفطر القلب.. تبكي وتنادي (حبوبة).. ذوو المرضى من حول الصبية حاولوا مساعدتها فى حدود ما هو متاح لهم بعد أن فاحت رائحتها وملأت العنبر نتانة.
الرجل القمامة!!
وفي مستشفى إبراهيم مالك أمام عنبر المخ والأعصاب يستلقي رجل مسن على الأرض مرتدياً ملابس رثة لا يتحرك وعامل النظافة من حوله يكنس المكان، وكأن الرجل جزء من القمامة، سألنا عن هوية الرجل وماذا حل به ولكننا لم نجد سوى إجابة واحدة فقط أنه مجهول هوية أحضرته دورية الشرطة وتُرك هكذا أمام باب العنبر على الأرض لأنه مجهول هوية.
تراجيديا الوجع ثابتة!!
مرت السنوات وتراجيديا المرضى مجهولي الهوية لم تتغير، وأثبتت حادثة مستشفى بحري مؤخراً قساوة أن لا يجد المريض “مجهول الهوية” الرعاية الصحية أو الاهتمام ، فما حدث في المستشفى وبقاء جثة أحد المجهولين لساعات على النقالة كافية ليوضح قتامة الواقع الذي يعانيه هؤلاء ..
صور مأساوية!!
وأثناء جولتنا بحثاً عن مجهولي الهوية في الطرقات عثرنا على رجل مسن يفترش رصيف أحد الشوارع الواقعة شرق وزارة العدل في منتصف النهار.. حاولنا التحدث إليه، ولكنه كان يغط فى سبات عميق وحوله أغراضه وضعها بجواره في المأوى الذي اختاره. الرجل يعطف عليه المارة ومن يجاوره ولكن السؤال ماذا إذا مرض وكيف يكون مصيره؟؟
قاطنو الرصيف !!
لم تنتهِ جولتنا داخل شوارع الخرطوم وفي وسطها النابض بالحركة، فالمشاهد متشابهة بمختلف مناطق العاصمة، وفي مسيرة البحث هذه عثرنا على رجل آخر يبدو أن عمره تجاوز السبعين عاماً ولكنه قوي البنية يفترش قطع الكرتون مستغلاً غرفة مبنى تحت التشييد في شارع مدرسة علي عبد اللطيف، لا يبرح مكانه يضع له الخيرون الطعام والماء بجواره، ذات السؤال نعيد طرحه هنا ماذا يحدث له إذا مرض؟
مجهول الهوية والمصير!!
هذا السؤال كان لا بد لنا من البحث عن إجابته داخل المستشفيات وعلى مدى بحث متواصل عن مصيرهم عثرنا على أحدهم فى عنبر حوادث مستشفى أمدرمان، قسم الرجال، وجدناه رجلاً مسناً يبدو أنه في شبه غيبوبة لا يرتدي شيئاً سوى (سروال) داخلي ويتدثر بغطاء رث، وعلى ملفه كتب محل الاسم (مجهول هوية)، الرجل وحسب المعلومات التي رواها المسؤول عن مجهولي الهوية بدرالدين عمر لـ(ليوم التالي) أنه عثرت عليه دورية الشرطة في وقت متأخر من الليل في أحد مجاري مدينة أمدرمان، وهو في حالة إعياء تام ومغمى عليه، تم إحضاره للمستشفى وأجريت له الفحوصات اللازمة وتبين من الفحص أنه يعاني من ارتفاع السكر في الدم، وحتى مغادرتنا المستشفى لم ينطق ببنت شفة بكلمة واحدة ؛المريض يشرف على علاجه شاب يدعى يوسف التوم عينته إدارة المستشفى لرعاية تلك الحالات (مجهولي الهوية) بالمستشفى، قال لنا إن تردد مجهولي الهوية غير ثابت ويصادف أحياناً أن يستقبل المستشفى في اليوم الواحد (7) حالات، ومرات يمضي أسبوع كامل دون استقبال حالة واحدة.
100حالة ووجع!!
وأضاف التوم “وقد بلغ عدد حالات المرضى مجهولي الهوية من الجنسين في شهر واحد حوالي (100) حالة وبأعمار متفاوتة”. وقال إنهم يقومون بعلاج المريض على نفقة إدارة المستشفى التي أنشأت قسماً معيناً بتلك الحالات تفادياً للمواقف الإنسانية الحرجة التي تواجههم فى رعاية تلك الشريحة المهمة، ويعمل القسم بنظام ورديات مقسمة على ثلاثة أشخاص يتناوبون عليه.
وتابع التوم “هناك خيرون يساعدونهم في توفير العلاجات والملابس، ويقومون برعاية المريض رعاية صحية وشخصية حتى يتعافى، وبعد ذلك تكون المشكلة الأساسية فى خروج مجهول الهوية وعودته للشارع مره أخرى لأن المستشفى غير مسؤول عن إيواء المرضى بعد تعافيهم، وهنا يكون الدور على الرعاية الاجتماعية التي تترك المسنين والأطفال في الشارع”.
وأكد المشرف أن المريض مجهول الهوية إذا توفى يتم تسليم جثته للمشرحة وبدورها تتبع الإجراء اللازم في مثل تلك الحالات.
استمرار البحث
من مستشفى أمدرمان الذي يخصص قسم لرعاية المرضى مجهولي الهوية انتقلنا لمستشفيات أخرى بالعاصمة فوجدناها تخلو من أية جهة مسؤولة عن مجهولي الهوية أو تقدم لهم رعاية ، كما حاولنا التحدث لمدير إدارة المستشفيات بوزارة الصحة حول القضية ولمعرفة دور الوزارة في حل المشاكل المتعلقة بهم داخل المستشفيات، ولكن حتى كتابة هذه السطور فشلنا في مقابلة الجهة المختصة. نسبة لانشغال المسؤول حسب رده.
مقطوع من شجرة!!
من حديث المشرف نستشف أنه من الطبيعي طالما أن هناك مرضى مجهولي هوية حتماً تكون هناك جثة مجهولة أيضاً معنى ذلك أن رحلة الرصيف القاسية لهؤلاء الشريحة قد تنتهى فصولها داخل المشرحة فى انتظار من يتعرف عليها أو يتم قبرها جثة نكرة عاش صاحبها على طريقة المقولة القاسية (مقطوع من شجرة )!!
من المشرحة أبت تطلع!!
المشهد الأخير من فصول معاناة مجهولي الهوية هو المشرحة، التي كان لا بد لنا من طرق أبوابها لمعرفة كيفية التعامل مع مجهولي الهوية.
يقول مدير مشرحة مستشفى أمدرمان التعليمي، بروفيسور جمال يوسف، إن هناك نوعين من مجهولي الهوية وهما مجهول هوية ومجهول الأقارب، والأخير هو من يكون معروفاً بالاسم فقط وهذا يسهل العثور على ذويه، وأضاف “في الحالتين يتم التعامل مع هذه الشريحة وفق إجراءات قانونية معروفة، حيث يتم الاحتفاظ بالجثة لفترة أقلاها شهر وتترواح المدة من شهر إلى ثلاثة وفي تلك الفترة إن لم يتم العثور على ذويهم يتم قبرهم وتحفظ بيانات المتوفى برقم وتحتوى البيانات على تاريخ الوفاة وأسبابها ومكان الدفن”، وأكد أن المشرحة لديها طاقة تمكنها الاحتفاظ بالجثث أطول فترة ممكنة.
من المسؤول!؟
وذهب جمال في حديثه إلى أن الإشكال الحقيقي في القضية ليس إشكال جثث مجهولة الهوية وإنما هي مشكلة تطرح سؤالاً واحداً وهو مسؤولية من هذه الشريحة (مجهولي الهوية) وكيف انتهى بهم الأمر لتلك المرحلة. وكشف أن عدد حالات الجثث المجهولة الهوية خلال عام بلغت تقريباً حوالي (300) جثة.
بلاهوية حياً وميتاً!!
وزاد “هناك مشكلة لم يراعيها المواطنون ولم تتبع فيها إجراءات حاسمة من قبل الجهات المسؤولة وهي تنقل المواطنين بدون هوية و البيانات التي ترشد للوصول لأقاربهم إذا حدث لهم مكروه، ولكن تجد كثيراً منهم إن لم يكن معظمهم بلا هويات.
الرقم المتسلسل
وأوضح أن الرقم الوطني لم يتبع طريقة الرقم المتسلسل والذي يكون بمثابة رقم واحد لكل العائلة وفق تسلسل الأب والأبناء وهكذا، مردفاً “لأن الرقم المتسلسل يمكن من العثور على بيانات الشخص بسهولة لأنه بمجرد إدخاله في جهاز البيانات تجد معلومات الشخص وعائلته، تماماً مثل طريقة البطاقة العلاجية كل أفراد الأسرة برقم واحد، هذه الطريقة متبعة فى الدول”، وزاد “أن تكون هناك بصمة وراثية dna بدلاً من البصمة العادية، وهى أقل تكلفة خاصة وأن السودان به معمل متطورة ومتقدمة جداً فى الأدلة الجنائية”.
جثث مجهولة في المقابر!!
في مقابر فاروق التقينا عوض فاروق المسؤول عن المقابر حدثنا عن مجهولي الهوية قائلاً: إن الجثث مجهولة الهوية زادت نسبتها ..في السابق لم تكن ظاهرة بهذا الحجم حتى فترة التسعينيات حيث تجد بعد شهر أو شهرين تكون هناك جثة مجهولة هوية. وهذا يشير إلى حجم التفكك الذي أصاب المجتمع وارتفاع نسبة حالات التشرد.
لن ينقطع العشم!!
ويظل السؤال قائماً من المسؤول عن هذه الشرائح والجثامين المجهولة!؟والتي قد تكون لأعزاء وأحباب لنا جميعاً ؛لا شك أن غيابهم يوجع فؤادنا ولكن الانكأ من ذلك أنهم يقبرون مجهولي هوية لا يعرفهم احد ؛وربما يظل الكثيرون في انتظارهم عسى أن يعودوا مجدداً يوماً ما ويطرقون الأبواب (فيسبقنا الشوق قبل العينين)كما يقول الفنان الكبير محمد الأمين؛طال أمد غيابهم لكن لم ولن ينقطع الأمل والعشم في عودتهم ؛بيد أنهم قد يكونون فارقوا الحياة مجهولي وجثثاً على قارعة الطريق!!