الخرطوم- آدم محمد أحمد
عندما ظهرت الإحالات في صفوف القوات المسلحة وما تلاها من تداعيات، قال البعض أن الأمر خلفه الدولة العميقة، وقبلها حفلت الأسابيع الماضية بحديث كثير في الاسافير مفاده أن اغلاق خط انابيب النفط القادم من هجليج خلفه الدولة العميقة، والأمر اصبح روتين يومي تتداوله افواه الناس وتلتقطه مسامعهم، و يظن كثيرين أن الدولة العميقة حقيقة موجودة وستشكّل تحدياً أمام حكومة عبد الله حمدوك، بينما يعتقد آخرون أن المصطلح مجرد خيال أو شماعة تعلق عليها الحكومة فشلها في الخدمات أو القضايا التي ينبغي عليها إنجازها في الفترة الانتقالية.
(1)
والحقيقة أن مصطلح ‘الدولة العميقة’ كواحدة من إفرازات النظام السابق في السودان، ظهر بعد نجاح الثورة التي أطاحت بنظام البشير، وحملت تصريحات لقادة إعلان قوى الحرية والتغيير آراء مختلفة ومتضاربة في ذات الوقت، حول الموضوع، ففي 24 من سبتمبر الماضي، نفى المتحدث الرسمي باسم قوى التغيير وجدي صالح في تصريحات نقلتها عنه صحيفة ‘آخر لحظة’، وجود دولة عميقة، معترفاً في الوقت ذاته “بوجود ما أسماه بالدولة الخفية المتواجدة في بعض مؤسسات الدولة”.
(2)
مخالفا لهذه التصريحات، قال وجدي يوم 30 سبتمبر في تصريحات لصحيفة الانتباهة “إنّ الدولة العميقة موجودة ويجب حسمها لجهة أنّها تعبث بالاقتصاد”، كذا اتهم وزير المالية، إبراهيم البدوي، عناصر من الثورة المضادة بالتسبب في ارتفاع أسعار الدولار عبر زيادة الطلب على العملات الأجنبية، وقال البدوي: “هنالك عمل تقوم به الثورة المضادة في مشتريات الدولار والعملات الأجنبية بوتيرة عالية ومتسارعة”
(3)
كل ذلك كان في بواكير الثورة من واقع أن المعطيات لم تظهر بعد وأن اشياء كثيرة عالقة في غبار السياسة السودانية ، ولكن ثمة تفسيرات مختلفة يسوقها الكثيرون حول هذا المصطلح، لكنها تصب جميعها ربما حول أن الدولة العميقة أفرادا ومجموعات من عناصر النظام السابق، تربطهم مصالح مشتركة يعملون على المحافظة عليها، يقول بروفيسور إدريس الدومة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة أمدرمان الإسلامية، إن “‬أساتذة السياسية يعتقدون أن مصطلح الدولة العميقة خطأ”، والصحيح حسب الدومة “الحكومة العميقة”، يؤكد الدومة في حديثه مع ‘موقع الأضواء’ أن “النظام السابق موجود في مؤسسات الحكومة ويصر على منع استمرارية الدولة”.
(4)

وحسب حمزة عوض الله، أستاذ الإعلام في الجامعات السودانية والمذيع المعروف في حديث سابق “لإذاعة هلا” فإن “الدولة العميقة عبارة عن أفراد ومجموعات تربطهم مصالح مشتركة ويعملون سويا لتقويض الثورة وإفشالها”، فيما يقول حاتم اليأس المحامي والناشط السياسي وامين عام مجلس المصنفات الأدبية، إن “الدولة العميقة تتمثل في المصالح التي أوجدها النظام السابق بين الناس الموالين له”، يوضح إلياس أن “الدولة العميقة هي دولة المصالح الطبقية لفئات بعينها استفادت من جهاز الدولة، وهذه موجودة في الاقتصاد وجهاز الأمن”.
(5)
ربما وزير الصناعة مدني عباس مدني، كان من أكثر قيادات الحكومة الانتقالية حديثا عن الدولة العميقة، فالرجل نشط جدا في مواقع التواصل ويحاول من الفين للأخرى نشر بعض المنشورات التي توضح الموقف العام فيما يتعلق بمسار الحكومة الانتقالية، وفي منشور سابق على حسابه بفيس بووك يقول مدني “الدولة العميقة ليست مجرد تنظيم سياسي ولكنها أيضا مجموعة علاقات ومصالح تشابكت خلال الفترة الماضية داخل الخدمة المدنية وخارجها، ونمط سلوك في الخدمة المدنية يستسهل الولوغ في المال العام، ويتسم بعدم الكفاءة والفعالية”.
(6)
ومع أن الحكومة الانتقالية تجاوز عمرها الستة أشهر، ومضت في طريقها، الا ان أثر ذلك كأنه لم يظهر وفقا ما يبث في الأسافير، أو ربما المواطن العادي لا يزال يبحث عن حقيقة المصطلح للقضاء عليه، وهنا يقول حاتم إلياس إن “الموضوع لا ينبغي أن يشكّل قلق للناس، لأن الدولة العميقة فيها جانب كبير تعرى وفقد تأثيره وذلك فيما يتعلق بعقيدة الإسلاميين المشتركة، التي تفككت وحصل لها اهتراء”، لكنه في نفس الوقت، يحذر اليأس من إمكانية “عداء الدولة العميقة للديمقراطية، فهي لا تستطيع أن تعمل إلا في أجواء غير ديمقراطية”، هذا ويشير د. حمزة عوض الله إلى أنه “لا ينبغي أن تكون الدولة العميقة شماعة تعلق عليها الحكومة أي شيء، حتى وإن كان تقصيرا في الخدمات”.
(7)
ولكن بعد قرار تشكيل لجنة تفكيك وازالة اثار نظام الانقاذ، شعر البعض بان الأمور تمضي في أتجاه التخلص من “فوبيا” المصطلح الذي يشكل للبعض مدخلا للخوف على الثورة ومكتسباتها، لانه كان هناك إقرار بضعف محاربة أو القضاء على الدولة العميقة وآلياتها، واعترف مدني عباس سابقا بهذه المعاني عندما “أقر بوجود إحساس بضعف عملية تفكيك هذه الدولة” وأضاف”إذا كان هنالك إقرار بعمق سيطرة النظام البائد على مفاصل الدولة واستباحتها خلال الثلاثون عاماً الماضية، فلن يكون من المنطقي الظن بتفكيك هذه البنية خلال أيام معدودة”، وأكد مدني أن “مسار تفكيك سيطرة عناصر النظام البائد هو مسار عمل يومي، يمضي في توازي مع مسار بناء دولة تنسق وطموحات الثورة دولة الحرية والعدالة والمساواة”.
(8)
“نظام الإنقاذ السابق يعمل جاهدا لتعطيل الحكومة الانتقالية ويحاول إقناع الرأي العام بان هذه الحكومة فاشلة”، هكذا يقول بروفيسور إدريس الدومة، الذي أشار إلى أن “الدولة العميقة موجودة في دول كثيرة، من بينها مصر التي نجحت فيها لكنها فشلت في مناطق ودول أخرى”، يؤكد الدومة أن التعامل مع الدولة العميقة ينبغي أن “يكون من خلال محاسبة حقيقة وتفكيك النظام وحل المؤتمر الوطني ومصادرة ممتلكاته وأن يؤول جهاز الأمن إلى رئاسة الوزراء”.