قد لا يختلف اثنان على أن أسوأ فترة يُمتَهن ويُحتَقر فيها القانون ويُدَاس بالأرجُل، هي هذه الفترة التي نشهدها اليوم، عندما تُستباح مؤسسات الدولة بواسطة كوادِر حزبية لا صِلة لها بالدولة لتُخاطِب وتعمل من داخل مؤسسة الرئاسة أو الوزارات، في أمور هي من اختصاص الجانب الرسمي فقط، وأكبر خطأ تم ارتكابه في ما اصطُلح عليه لجنة تنفيذ تفكيك النظام، هو الخليط والمزيج الغريب بين جهات حكومية وأخرى حزبية سياسية، وما تُمارِسه يطعن مباشرة في نزاهتها وحيْدتها وكفاءتها، فلا يُعقل أن يظهر منسوبو الحرية والتغيير وهم بلا أية صفات رسمية في عمل الدولة الرسمي، ويتحدثون في المؤتمرات الصحفية التي تُعقد في القصر الجمهوري مقر المجلس السيادي، وهو أرفع مؤسسات الدولة الرامِزة لكل السودانيين وليس محل أي عمل تنفيذي مُباشر .

وما يُثير الاستغراب هو أن الحرية والتغيير استمرأت هذا الوضع الشاذ المُناقِض لكل النظم والأسس التي يقوم عليها هيكل الدولة وعملُها الديواني، يمكن لأطراف خارج مؤسسات الدولة أن يكونوا أعضاء في لجان مُختلفة بصفاتهم الشخصية أو العلمية أو العملية وليس بصفاتهم السياسية ليخوضوا في مسائل ذات صبغة قانونية محضة مثل تنفيذ قانون تفكيك النظام، وهو القانون الذي لم نره حتى لحظة تنفيذه في “الغازيتا” الرسمية، ولم يُولَد من رحم وزارة العدل، ولم يُناقَش في إداراتها ولجانها مثله مثل أي قانون آخر .

هذه اللجنة التي يتحدث باسمها ويعتلي منابرها ويفتي في شؤونها هولاء الحزبيون وهم ليسوا محل ثقة أبداً بهذه الصفات ولا يُعبّرون إلا عن ذواتهم السياسية، وهي شبهة تدرأ أي حجية يتعلّقون بأهدابها عندما يتخذون قراراتهم، وليس من العدالة في شيء أن يُسند أمر خطير لابد أن تتوفّر فيه روح الإنصاف والعدل وحكم القانون، إلى مُتحيّز وخصمٍ وحكمٍ، وليس مقبولاً لا أخلاقياً أو سياسياً أن تقبَل هذه الوجوهُ الحزبيةُ هذا الدور الذي تقوم به، وهي تعلم أنه لا يجوز لها ذلك، ولا يوجد من يُسوّغ لها هذا الفعل غير الديمقراطي ولا القانوني، لأنها تكون في محل شك وظن وريبة، ولا يؤسَّس على رأيها الفاسِد من حيث المبدأ والمُلابسات حكم يُحدّد مصير جهات مختلفة .

الأوفق بالطبع لهذه اللجنة من البداية أن تتشكّل من الجهات العدلية القضاء والنيابات وقوات الشرطة وبعض الجهات الرسمية ذات الصلة، حتى تؤدي واجبها بكفاءة وعدالة واستناداً إلى قيم وروح القانون ومراعاة قطعياته، لكن أن يُحشَر في اللجنة سياسيون يسعون إلى ما يسمونه بالتفكيك لصالحهم هم كأحزاب سياسية وليس لصالح الدولة، فهذا هو الخطل والفساد السياسي والإداري بشحمه ولحمه ودمه، وستُرسِي هذه الممارسة الخاطئة سابقة في تاريخ البلاد تكون ضحيّتُها الأولى نُظُم الدولة ونسقها، وتفتح الباب على مصراعيه للفوضى والفساد وانحدار الممارسة السياسية إلى القاع ! ويكفي أننا الآن نرى ونسمع ونًتابع كيف هُمّش دور القضاء في القانون المُعَد للتفكيك، وإنهاء دوره الطبيعي حتى في مراحل الاستئناف وأطوار التقاضي المعروفة .

وكصحفيين لا ندري ما صلة هؤلاء الذين يتحدثون عن مؤسسات العمل الصحفي والإعلامي المُصادَرة، وعن أي حرية صحفية وإعلامية، يتحدثون، وبأي حقٍّ يُفتون في شأن لا يفقهونه ولا يعرفون أبعاده الخطيرة على صورة البلاد وضميرها الحي، هؤلاء الذين يذبحون الصحافة بسكاكينهم الدّكماء، سيُحاسبهم التاريخ وستتصدى لهم أسنّةُ أقلامنا وستفضح مؤامراتهم وكيدهم، ومزابل التاريخ ونفاياته إنّما صُنعِت لمثل هذه الصنائع… وبيننا وبينهم المِداد والقرطاس والقلم …

The post في ذمّةِ التاريخ appeared first on الصيحة الآن.