المفاوضات أم الحرب؟

القاهرة: صباح موسى

اقترب الموعد المحدد الذي أكدت فيه أديس أبابا أنها ستقوم بالملء الأول لسد النهضة في يوليو القادم بقرار أحادي، ومازالت الاتصالات تجرى بين السودان وكل من القاهرة وأديس أبابا للترتيب لاستئناف المفاوضات مرة أخرى، في وقت يجرى فيه سجال مختلف على وسائل التواصل الاجتماعي يبدو منه أمران إما أن القاعدة العريضة في البلدان الثلاثة قد ضاقت ذرعا بالمسار السياسي والدبلوماسي حول السد، وبدأت تعلو نبرة استخدام القوة، أو أنها مجرد تشويش مقصود غرضه جر الأمور إلى مستنقع الحرب، وسط تردد أنباء عن موافقة حكومة جنوب السودان باقامة قاعدة عسكرية على أراضيها، وسرعان ما تنتشر أخبار مضادة حول إقامة قاعدة عسكرية تركية على الأراضي الإثيوبية، فإلى أي مدى سينتهي الطريق إلى سد النهضة هل سينجح الحوار ويرتفع صوت العقل والدبلوماسية عن أي صوت آخر أم أننا أمام سيناريوهات مفتوحة وسريعة جدا هذه المرة؟

الترتيب للعودة

وزير الري والموارد المائية البروفيسور ياسر عباس والوفد التفاوضي السوداني عقد أمس (الأربعاء) اجتماعاته الافتراضية مع نظيريه الإثيوبي والمصري، كلا على حدة للترتيب لاستئناف المفاوضات الثلاثية حول سد النهضة المتوقفة من فبراير الماضي، وبحث ياسر عباس مع نظيريه، كلا على حدة بمشاركة أعضاء من وفود المفاوضات، وضع جدول للمفاوضات الثلاثية المرتقبة، بجانب وضع تصور للقضايا العالقة المتبقية من مفاوضات واشنطن، ويعد هذا اللقاء هو الثاني والذي يأتي بعد تكليف من اجتماعات الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء مع نظيريه في مصر وإثيوبيا. وبعد تأكيد السودان لموقفه الثابت من ضرورة الحفاظ على مصالح مصر وإثيوبيا والسودان واستئناف المفاوضات.

خطاب السودان

الخارجية السودانية أيضا أرسلت قبل يومين رسالة إلى رئيس مجلس الأمن الدولي، تضمنت شرحاً لموقف السودان من التطورات المتصلة بمفاوضات سد النهضة، وطالبت مجلس الأمن بتشجيع كل الأطراف على الامتناع عن القيام بأى إجراءات أحادية، قد تؤثر على السلم والأمن الإقليمي والدولي. وكشف ياسر عباس محتوى الرسالة وقال إنها طالبت مجلس الأمن بحث جميع الأطراف على الامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أحادية قد تؤثر على الأمن والسلم الإقليمي والدولي، وأن الرسالة أكدت حرص السودان التام على استئناف التفاوض الثلاثي بحسن نية للتوصل إلى اتفاق شامل ومرض.

موقف ثابت

جاءت الرسالة السودانية بعد أسابيع من رسالة للقاهرة لمجلس الأمن بنفس الخصوص، وهنا يرى الخبراء أن الخرطوم كان بإمكانها إرسال رسالة موحدة مع القاهرة لمجلس الأمن إلا أن العاصمة السودانية تريد أن تثبت دائما موقفها الثابت بعيدا عن مصر وإثيوبيا، ودائما تؤكد على هذا المعنى، وجاء ذلك واضحا في نفي ياسر عباس أن تكون المذكرة المرفوعة من الخارجية السودانية لمجلس الأمن تصعيداً للأوضاع المتعلقة بسد النهضة ضد أي طرف من أطراف التفاوض، أو انحيازا لطرف دون آخر، وقال إنها إثبات لحق السودان الأصيل في هذا الملف المهم خاصة، وأن مصر وإثيوبيا رفعتا مسبقا خطابات مماثلة لمجلس الأمن فى شهر مايو الماضي.

رسالة معيبة

الدكتور أحمد المفتي الخبير في القانون الدولي اعتبر أن رسالة السودان لمجلس الأمن معيبة من حيث الإجراءات والموضوع والقانون. وقال المفتي في منشوراته عن سد النهضة إن السودان يحث على تشجيع أطراف سد النهضة الإثيوبي على تجنب القيام بأي إجراءات أحادية قد تؤثر سلبا على السلم والأمن، بالإضافة إلى دعم جهود السودان الهادفة لاستئناف التفاوض بحسن نية، وصولا لإتفاق شامل ومرضٍ لكل الأطراف، مضيفا أن الرسالة شددت على التزام السودان بقواعد القانون الدولي المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، وأن من أبرز تلك القواعد حسب الرسالة الاستخدام المنصف والمعقول للمصادر المائية، والامتناع عن التسبب في أخطار جسيمة للدول الأخرى والتسوية السلمية للنزاعات، وتابع: من حيث الإجراءات كان ينبغي أن يقدم الطلب أولا لإثيوبيا ، بصورة للاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن لأن تجاوب مجلس الأمن مع الطلب يتطلب إثبات رفض إثيوبيا القيام بما طلبه السودان من مجلس الأمن، وفشل الاتحاد الأفريقي في إقناعها، وزاد: من حيث الموضوع كان ينبغي الإشارة إلى المطلوب من إثيوبيا علي وجه الدقة، وهو وقف التشييد والملء كشرط لبدء المفاوضات، وليس تشجيع الأطراف على عدم القيام بإجراءات أحادية، وقال إنه من حيث القانون فإن ترك إعلان مبادئ سد النهضة لسنة 2015، الذي وقع عليه الرئيس السوداني والقفز للحديث عن القانون الدولي للمياه ليس سليما لأسباب الحديث عن التزام السودان بالقانون الدولي للمياه بما في ذلك عدم تسبيب ضرر ليس سليما لأنه لا أحد يتهم السودان بتسبيب ضرر، والمطلوب مطالبة إثيوبيا بذلك، وكذلك الحديث عن القانون الدولي للمياه بتلك الصورة ليس سليما، لأن التوقيع على إعلان هو تنازل مكتوب عن الحقوق التي يكفلها القانون الدولي للمياه للسودان، ولذلك كان ينبغي الانسحاب أولا من الإعلان بطرق قانونية، وهي متوفرة لأن إثيوبيا قد خرقت ذلك الإعلان عدة مرات، كما فعلت بمطالبتها في وقت سابق بضم دول حوض النيل للمفاوضات كشرط مسبق لعودتها للمفاوضات ثم بعد ذلك الاستناد للقانون الدولي للمياه.

ترحيب مصري

على الصعيد المصري رحب عدد من الخبراء المصريين بالخطوة التي اتخذها السودان بإرسال خطاب إلى مجلس الأمن الدولي حول سد النهضة. وأكد الدكتور عباس شراقي الخبير المصري في المياه أن هذه خطوة إيجابية نحو توحيد الصف المصري السوداني خلال الأيام المقبلة لإرغام إثيوبيا على عدم اتخاذ قرار أحادي، واحترام الاتفاقيات والأعراف الدولية. وقال شراقي لـ(اليوم التالي) إذا استمرت إثيوبيا في التحدي وبدء الملء الأسابيع القادمة فقد تتحول خطابات مصر والسودان إلى شكوى وطلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لوقف بناء سد النهضة إلى أن ينتهى الخلاف، مضيفا أنه عندما رفض السودان منذ أكثر من أسبوعين عرضا إثيوبيا بعقد اتفاق جزئي، أكدنا أن هذا ليس دليلا على تغير فى الموقف السوداني، وإذا كان قد تغير فعلا فعليه عمل أحد الأمرين إما إرسال خطاب إلى مجلس الأمن بنفس مطالب مصر لأنها مطالب دول المصب، أو توقيع إتفاق واشنطن، وتابع: السودان اليوم يرسل خطاباً إلى مجلس الأمن بعد 35 يوما من الخطاب المصري.

تغيير نوعي

أما الدكتور أيمن شبانه مدير معهد الدراسات الأفريقية جامعة القاهرة فيرى أن السودان قد طرأت على سلوكه تغيرات في الفترة الأخيرة بخصوص سد النهضة. وقال شبانه لـ(اليوم التالي): هذا التغيير بدأ برفض السودان التوقيع الجزئي مع إثيوبيا، وبإخطار مجلس الأمن في رسالته له ويعتبر هذا تغيرا نوعيا في موقف السودان، مضيفا أن هذا التغيير ليس معناه وقوف السودان بجانب مصر، وإنما يدل على أن السودان أصبح شريكا أصيلا في الأزمة وأنه لم يعد متماهيا مع الموقف الإثيوبي، وأنه بدأ النظر في مصالحه، لافتا إلى أن الرسالة الإثيوبية لمجلس الأمن هي نفس الصيغة التي تحفظ عليها من قبل في الجامعة العربية، وقال: أما عن إثيوبيا فتحركاتها مازالت تؤكد استمرار موقفها، بطلبها استئناف المفاوضات بواسطة الاتحاد الأفريقي، وهي مراوغة منها لأن الاتحاد ليست لديه خبرة وغير متابع للموضوع مثل أمريكا والبنك الدولي، مضيفا أن إثيوبيا أعلنت بأنها غير ملزمة بالإخطار عن الملء الأول، علاوة عن حديثها بعدم الاعتراف بالحقوق التاريخية في مياه النيل ومناوشاتها الحدودية مع السودان، مؤكدا أن كل ذلك يدل على سوء نية واستمرار للتعنت الإثيوبي، وقال: ليس معنى قبول إثيوبيا بالرجوع إلى التفاوض أنها غيرت موقفها، والأهم هو نيتها في الوصول لحل، موضحا أن إثيوبيا تريد توظيف الأمر سياسيا في الداخل من أجل الانتخابات وفي الخارج للضغط على مصر، وعن تداول وسائل التواصل الاجتماعي لإقامة قاعدة عسكرية في جنوب السودان قال إن تلك مزايدات الغرض منها جر الأمور إلى مسار مختلف، مؤكدا أن مثل هذه الأقاويل لن تفيد وأنها تصب في غير المصلحة العامة.