جميل للغاية أن تقرر وزارة الداخلية السودانية تمديد صلاحية جوازات سفر السودانيين بالخارج لمدة عام مراعاة لظروف الاغلاق الشامل بسبب فيروس كورونا.. لكن الصورة تتحول إلى “عرضحال” يبين وجه الخطل في ادارة الدولة منذ الاستقلال وحتى اليوم.
وردتني اتصالات عديدة من مغتربين في الامارات يشكون أنهم وبعد انتظار طويل لوصول “الختم” لتمديد صلاحية جوازاتهم، أصبحت المشكلة كيف يستطيعون انجاز المهمة ووضع الختم داخل مقر القنصليات السودانية.. ووردتني صور فيديو للمشهد.. أمر لا يصدقه عقل لولا شهود العيان..
مئات بل ربما آلاف السودانيين في قاعات القنصليات بعضهم فوق بعض من فرط الزحام في عز انتشار الفيروس والاحترازات التي تشترطها كل دول العالم.. والمصيبة ليست في الزحام والاهانة والعنت الذي يتعرض له المواطن السوداني للحصول على خدمة حكومية لا تزيد عن وضع ختم على جوازه.. لا.. المصيبة الأكبر أنها تكشف منهج وعقلية ادارة دولة كاملة تتطلع لمستقبل في حضن عالم يتغير كل يوم بل كل ساعة..
أصدرت السفارة بيانا للمواطنين السودانيين يبين شروط الحصول على الختم ومواعيد العمل، وحتى هنا عادي، لكن “السطر الأخير” يكشف وجه الأزمة الحقيقي.. يقول السطر الأخير من اعلان السفارة (لا يشترط حجز موعد)!! للحضور والحصول على الختم!
في السفارات الغربية من يتقدم للحصول على تأشيرة الدخول يملأ طلب التقديم الكترونيا، ثم يحدد موعد لمقابلة القنصلية، يختاره المتقدم حسب ظروفه، باليوم والساعة والدقيقة.. عندما يصل القنصلية يساوره احساس أن كل الموظفين كانوا في انتظاره، لأنه يتقدم مباشرة إلى النافذة ويحصل على الخدمة المطلوبة.
بالله ماهي العبقرية المطلوبة – حتى ولو تجاوزنا عن تطبيق كمبيوتر- لو خصصت القنصلية رقم هاتف يتلقى الاتصالات ويمنح المواطن موعدا لا ليجد نفسه وحده أمام النافذة، بل فلنقل تجاوزا أن تضمن به القنصلية العدد المناسب في القاعة بدلا من الزحام؟
الأمر لا يحتاج إلى تكلفة اضافية أو عبقرية او موهبة ادارية، فقط يحتاج لإعادة تعريف (المواطنة)!!
يشنّف الساسة اذاننا بالحديث عن (دولة المواطنة) ويفسرونها بأنها مساواة المواطنين في الحقوق والواجبات.. و الممارسة العملية تثبت أن (المواطنة) هي حيثما كنت (مواطنا) فأنت مجرد (أوراق ثبوتية) أمام أي موظف أو سلطة.. ونفس هذا الموظف لو ذهب للحصول على خدمة أخرى في ادارة حكومية أخرى فهو يتحول إلى (مواطن) ينال الكدر ذاته الذي كان يمارسه ضد (المواطن) الذي وقف أمامه لنيل خدمة حكومية!
العقيدة الادارية في كل دواوين الدولة تؤمن بأن ألق السلطة يزداد ويرتفع منسوبه بقدر انحناءة ظهر المواطن أمام نوافذ الخدمة الحكومية.. انحناءة تتناسب طرديا مع الاهانة والهوان الذي يحس به المواطن في مواجهة السلطة الادارية الحكومية..
وعلى رأي مجنون صديقنا البوني.. (ما أسوأ أن تكون شعبا)..!!