عثمان ميرغني يكتب : لا أعرف ما سر احتفاء الأمطار دائما بأي والي يأت إلى الخرطوم جديدا، ففي السيرة السابقة ومع تدشين عهد كل الولاة يبدأ الوالي برحلة الطواف على المتأثرين بالسيول والأمطار وأحيانا الفيضانات في شتى أنحاء الولاية.. خاصة شرق النيل التي بدأ بها أمس الوالي الجديد أيمن خالد “خوض” مهامه العاجلة.
والعام الماضي (2019) في غياب والي للخرطوم تحول الترحيب إلى د. عبد الله حمدوك الذي دشن رئاسة الوزراء بأمطار كثيفة في منطقة الجيلي.
رحلة الوالي الجديد الأستاذ أيمن خالد إلى منطقة شرق النيل لا تختلف في توقيتها وتفاصيلها عن سابقيه سوى تجنبه منح الكاميرات اللقطة المحببة للإعلام والتي صارت مثار سخرية الوسائط، صورة الوالي يرفع بنطلونه وهو محاط بمرافقين يشمرون أيضا ملابسهم ويخوضون في مياه الأمطار، من أجل عيون الاعلام لا أكثر.
ولكن المشكلة ليست في الأمطار، بل في تكرار هذا الأمر بصورة مستمرة وثابتة، صورة روتينية ، امطار في شهر أغسطس بالتحديد، تدمر المناطق ذاتها بل ربما البيوت نفسها.. وحكومة الولاية تعقد الاجتماعات فتتمخض عن بعض اغاثة وخيام للإيواء وحديث ممجوج عن اجراءات لمنع تكرار انهيار البيوت.. ولا اعتقد أن الوضع سيتغير ولو بعد مائة عام إلا إذا تغير المناخ وتوقفت الأمطار.
هذا الأمر (وربما تلاحظون حرصي أن لا أسميه كارثة، فهي أمطار خير وبركة مهما كانت توابعها)، يمنح مثالا ولا أروع لمنهج عمل الحكومة في مختلف مستوياتها ،الاتحادية والولائية.
كتبت هنا وكررت كثيرا أن الحكومة لا يجب أن تنشغل بالطوارئ مهما كانت، والأجدر أن تلتزم بالمسار الرئيسي ، تماما مثل السيارات في الطرق السريعة، تعمل الحكومة على الخطط طويلة ومتوسط المدى وتترك لجهة خاصة ومتخصصة التعامل المباشر مع مثل هذه الطوارئ..
اقترحت تكوين “خلية إدارة الأزمة” أو فلنسمها غرفة أو حتى هيئة، تخصص فقط في مواجهة الطوارئ بأنواعها كافة، من امطار أو فيضان أو أوبئة للإنسان أو الحيوان أو النبات بل وحتى النزاعات والاحتكاكات الاهلية. مهمة غرفة الأزمة أن تكون جاهزة تماما بالخبرة المناسبة لـ(إدارة الأزمة).. مع التأكيد أن “إدارة الأزمة” لا تعني أن تتولى هي حل ومعالجة الأزمة، بل تحريك المطلوبات مهما كانت مادية او ادارية للتعامل بكفاءة ناجزة مع الطوارئ بحسب نوعها ودرجتها ومداها الجغرافي أو السكاني المتأثر بها.
هذه الفكرة توفر درجة عالية من الكفاءة في معالجة الطوارئ مع السرعة، لتوفر الخبرة والجاهزية لدى غرفة ادارة الأزمة.
لكن أهم من كل ذلك أنها تمنح الحكومة التفرغ الكامل للمعالجة على المدى المتوسط والطويل، او بعبارة أخرى مشروعات تمنع تكرار الطوارئ.. فمثلا في حالة الامطار ، تتولى “غرفة/خلية/هيئة ادارة الأزمة” التعامل مع الواقع الميداني على الأرض، بينما تعكف أجهزة حكومة ولاية الخرطوم على خطة متوسطة وبعيدة المدى تعالج جذور الأسباب التي انجبت الطوارئ. مثلا بمشروعات حصاد المياه، او الخطط الاسكانية في المناطق الآمنة أو البيوت والأحياء المخططة والمشيدة بمواد ثابتة غير قابلة للانهيار او الذوبان.
اشغال الوالي وحكومته بمثل هذه الطوارئ لن يحل الأزمة ولن يترك لهم وقتا وجهدا لتنفيذ المشروعات الكبيرة.