آخر كتاب قرأه عبد الرحيم محمد حسين وسر هجوم مرفعين الليل وبماذا علق علي عثمان على مصادرة بيته لصالح “نفير” .. مشاهد حصرية من محكمة انقلاب الـ٣٠من يونيو
عزمي عبد الرازق
صباح الثلاثاء، ابتلع النيل اليابسة قبل ذلك وقفل راجعاً إلى مجراه القديم، رجال المرور يتصيدون السيارات في الشوارع القفر الكئيبة، حملات الضبط المتواترة تجاوزت المخالفات المعتادة إلى الأنفاس المخمورة، اعتصام المكفوفين أضاء مصابيح شارع الجامعة لليوم الرابع دون مجيب، أشجار اللبخ بمحاذاة النهر العنيد رقصت رقصتها الأخيرة وسقطت كسقوط نظام الثلاثين من يونيو، مرة وإلى الأبد، ولكن هل سقط بالفعل؟ هل أبيد؟ يا ترى لماذا إذاً يعتصم الناس ويصطفون في المخابز وطلمبات الوقود؟ لماذا يوجد بعد أسر ونساء فقيرات لا زلن في انتظار معجزة الإحسان الرسمي والغوث الخارجي؟
السيارات التي رأيناها في الجلسة السابقة، قابعة في حرم معهد التدريب القضائي، والكلاب البوليسية، يا لها من كلاب تفتش بأنوفها المدببة في أنقاض العظمة، والرجل نفسه الذي ألفنا ملامحه لكثرة ما أطل علينا عبر التلفاز، معلق بهيئة أخرى في رداء السجن الأبيض.

كانت الجلسة مخصصة لإستكمال بيانات المتهمين، والرد على مطالب هيئة الدفاع بخصوص الاحترازات الصحية، والأعمار الحرجة لبعض المحتجزين، وقد تقرر، من القاضي بعد مشاورات مع الأجهزة العليا، نقل وقائع الجلسات المقبلة إلى قاعة الصداقة، كما رجح، لتحتضنهم مجدداً، دون حاشية وبساطٍ أحمر هذه المرة، وإنما كمتهمين، أو متهومين بتدبير الانقلاب الذي طالما تغنوا به كمعجزة وطنية، وجندوا له خيرة شبابهم، حتى أن الموت في الأدغال أضحى حلمهم، قبل أن ينشقوا إلى قصرٍ ومنشية مفاصلتئذٍ، لتجمعهم الأقدار اليوم داخل قفص وقصيدة للطيب سيخة، مناجياً بها سبدرات” لا أركع للصنم المدعو كندي أو لينين، وطريق خطانا ومنار هدانا ياسين” .
كان اللواء الطيب إبراهيم محمد خير هو الأكثر حماساً، حد أنه خيط متن السياج الحديدي بأقدامه، مصراً على شرح ما فاتنا من لقب تبرع به في الجلسة السابقة، «أبو تاجا مرفعين الليل هجام الدهاليق » واصفاً نفسه، وأشياعه الناطقين بالفصحى وعامية الحريرة والضريرة، حد تعبير ” علي المك” .

قبل نصف ساعة جاء أحمد عبد الرحمن يُتوكّأ على عصاء التاريخ، فهو يبدو أكبر من كل الرجال الذين هم في القاعة، ومن الفيضان الأول المسجل للنيل، ومن كل الثورات والانقلابات العسكرية بعد رحيل السير روبرت هاو، أخذه الضامن وصعد به للدرج الأخير، على مهلٍ، وجلس عم أحمد كما ينادونه، ينظر لإخوته وللقاضي والكتبة وكاميرات التلفزة والملفات الستة، من علوٍ منخفض، قبل أن يتلو علينا بطاقته التعريفية، ” الإسم: أحمد عبد الرحمن محمد، مسلم والحمد لله. العمر ٨٧ عاماً، الجنسية سوداني، أسكن الرياض. المهنة مدير إدارة” كان يتلقى سماع الأسئلة بصعوبة، إذ ضعف سمعه، وأجريت له عمليتي قسطرة، ويعاني من أمراض مزمنة عديدة، ولا زال يتلقى العلاج، لدرجة تقدم فيها موكله بطلب مشفق يسمح بغيابه في الجلسات المقبلة، وقد اعترضت هيئة الاتهام على الطلب من غير أخذ البيانات وارفاق التقرير الطبي وإقرار أحمد عبد الرحمن في البداية بالتهم الموجهة ضده، وبالتالي فإن استثناء المتهم من الحضور قبل تلاوة أقواله في التحري يعتبر سابقاً لأوانه، لكن سبدرات لم يستسلم فتلا عليهم آية ولا تقربوا الصلاة، لتبيان المعنى المبتور، وانتهى السجال بموافقة القاضي عصام الدين محمد إبراهيم على طلب هيئة الدفاع بغياب أحمد عبد الرحمن من جلسات محاكمة مدبري انقلاب ٣٠ يونيو لظروفه الصحية، دون أن يغيب كلياً، لأن ثمة من ينوب عنه .

في الخارج كان همس الصحفيات قبل الجلسة الرابعة يشير إلى امرأة زعمت أن البشير كان يعولها وانها تعرضت لمتاعب بعده، فوقفت على مقربة تنشد السماح لها بالدخول دون فائدة، كانت تخالط ملامحها مسحة أسى وعدسة طبية مرتبكة، وتحاصرها التكبيرات، أمام المعهد، ربما لأن البيت الذي كانت تقصده صار اليوم لا سُلطة فيه ولا نفوذ.

في وقتٍ بدا الخوف يتربص أيضاً بأنصار الانتقالية التي تكالبت عليها الكوارث، وتداعت على قصعتها الأكلة، حتى أن المشقة وصلت بالبعض للصراخ ” ولا يوم من أيامك يا بشة” ولكن بالمقابل سدنة للتغيير، مجبولون على المنافحة، تشدهم مرثية مريد البرغوثي لرضوى عاشور في عام فقدها ” لم يأخذها اليأس إلى وضوحه المغري، لأنها تعلم أن الثورة لا تنتصر، إلا بعد أن تستكمل كل أشكال الخيبة” .

بعد نحو أربعة جلسات وأكثر من انتظار عام، أعادتنا المناسبة للتساؤل الساخر: متى ستبدأ المحكمة؟
في قفص الاتهام، أبدى رفيق المعزول كظله وفي محبسه وأشهر وزير دفاع في الحقبة إياها، عبد الرحيم محمد حسين رغبة في الحديث، فهو كان يلتصق بالسياج، يتفرس في وجوه أهله، سألناه عن ما يفعلونه داخل السجن، فقال أنها فرصة للعبادة، وعن الكتاب الذي يطالعه حالياً، صمت لبرهة قليلة وأجاب « دارفور من أزمة دولة إلى صراع القوى العظمى» لمؤلفه عبده مختار موسى. وأردف أنه أيضاً يراجع مخطوطات في تاريخ السودان ليوسف فضل.

رأيت عوض الجاز يسأل عن امتحانات الشهادة السودانية، ويطمئن على أحد أفراد أسرته، وكان بكري حسن صالح أشاره بعصاه لنافع علي نافع ودخل معه في حديث هامس.

وعندما اقتربت من علي عثمان، طرحت عليه بعض الأسئلة فرفض الإجابة، قال مبتسماً كعادته” شكلكم صحفيين عاوزين تجرجروني” لكنني وجهت له سؤلاً محدداً، ما رأيك في استخدام منزلك لصالح حملة نفير، صمت قليلاً وأجاب باقتضاب:” لا نرفض العمل الطوعي وندعمه، ولكن الإجراء الذي تم غير صحيح” .

عزمي عبد الرازق

2020/09/15