ابراهيم الصديق

(1) قال ألبرت أينشتاين “الجنون هو تكرار الأمر ذاته مرة تلو أخرى وتوقع الحصول على نتيجة مختلفة”.. وهذا ما يحدث الآن في بلادنا، وكأن بعض القوى السياسية قد تبلدت في فكرها وتجمدت عندها خاصية التجديد والتطوير وإبتكار الأساليب والطرائق..
و لتنشيط الذاكرة نشير لبعض الوقائع التاريخية ونقارن مشهد اليوم بما حدث في أكتوبر الأولى، ففي ٣١ أكتوبر ١٩٦٤م أدت حكومة رئيس الوزراء سرالختم الخليفة القسم، مشكلة من (١٤) وزيرا اغلبهم من الشيوعيين واليساريين، فقد كان ممثل العمال محمد الشفيع احمد الشيخ وزير رئاسة الوزراء، وممثل المزارعين الأمين محمد الأمين وزيرا للصحة، وضمت الحكومة عابدين إسماعيل وزيرا للحكم المحلى وعبدالكريم ميرغني وزيرا للتجارة وخلف بابكر وزيرا للإستعلامات وإثنين من الجنوب هم أقرب لليسار(كلمنت امبورو، ازبوني منديري، ولإن هذا التيار قرين الفشل فقد تداعت الحكومة وتعددت منابرها، ولم يجدوا بدا من تفتيت المشهد وإثارة الإحتقان، فأذاع وزير الإستعلامات خلف بابكر يوم ٢٧ فبراير ١٩٦٥م بيانا هاجم فيه شركاءه في الحكومة ( حزب الأمة والوطني الإتحادي وجبهة الميثاق) ووصفهم بالرجعية والخيانة ودعا (الجماهير) لثورة تصحيحية، لقد كان هدف اليسار، إحداث البلبلة وتأجيل الإنتخابات وتمديد الفترة الإنتقالية.. وما حدث بعد ذلك كان عكس ذلك تماما..
وفي اليوم الثاني بينما خلف بابكر في أعلى بناية وزارة الإستعلامات (مبنى هيئة البريد) إنتظارا للحشود والموكب اكتشف ان الهتاف كان :
إستقيل يا عميل.. الخرطوم ليست موسكو..
وسقطت الحكومة تشكلت أخرى ذات كفاءات وطنية معبرة عن القوى السياسية والواقع..
ويبدو ان هذه الوقائع غائبة عن ذهن الحزب الشيوعي وبعض تيارات اليسار وهي تسعى لإختطاف المشهد مرة أخرى، وقد تأهب الشارع لمسيرة في ٢١ أكتوبر ٢٠٢٠م.. ومن الغباء عدم إدراك الحزب الشيوعي وأتباعه، إن ما يحدث من معاناة ومسغبة هو غرس يدهم وبؤس فكرهم وقصور نظرهم، وأن فرصة إستغلال الظرف لوضع بصمة قد فلتت منهم وعليهم مسايرة الواقع..إن دعوة الحزب الشيوعي وبعض القوى اليسارية للمشاركة في مسيرة ٢١ أكتوبر ٢٠٢٠م تصرف ساذج وتغطية للوجه بأصبع وأحد، فالحقيقة المؤكدة ان الموكب ضد ممارسات قحت وضد الإقصاء والمحاصصات والفشل وسوء الحال.
(2)
قد تحل الحكومة في اي وقت، فهذا أمر محسوم، فالبلاد في حالة جمود منذ التعديل الوزاري في يوليو الماضي، كما أن الأداء الباهت والفشل قد لازم أغلب الوزراء، وتعيش البلاد أزمة حقيقية في كل مجال وابسط الضروريات، وفوق ذلك مقتضيات إتفاقية السلام.. ولكن ذلك ليس حلا، لإن سياسة (الترقيع ) هذه لا تجدي نفعا مع تعقيدات الواقع، فلابد من ذهاب كل الحكومة برئيس وزرائها وحاضنتها السياسية، وما شهدناه من الفشل خلال العام الماضي هو نتاج برنامج (إعلان قوي الحرية و التغيير)، وتغيير الوجوه أو المسميات لا يجدي نفعا، و محاولة الإلتفاف لن تنتج حلولا والتسويف قد يؤجل الأمور ولكن لا ينجز عبورا.. ولابد ان تعلو الأجنبية الوطنية على اي خيارات أخرى، لقد طرحت قوي سياسية أمس السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٠م برنامجا قد يصلح الحوار حوار وإستصحابه وتبني اجندته فهو أكثر واقعية.
(3)
ودون الدخول في معالم فشل هذه الحكومة فهي أبلغ من أن يتم التعبير عنها بالكلمات ويحسها الناس في معاناة العيش والأمن والصحة ، وفي انعدام كل شيء حتى معايير العدالة والحس السليم والإستقالة، فإن الحل هو تحقيق مهام الإنتقال وغاياته بالوصول للرأي الشعبي وتقرير مستقبل البلاد، ويتم من خلال :
. توسيع الحاضنة السياسية وإشراك القوى الوطنية وفصائل إتفاقات السلام وإبعاد الأجندة الخبيثة بكل مسمياتها.
. تكوين حكومة كفاءات وطنية ذات مهمة محددة(إجراء إنتخابات َفق آجال محددة، إستمرار مفاوضات السلام، حفظ الأمن وتماسك المجتمع، إهتمام بمعاش الناس) . جبر ضرر كل (خطرفات) وترهات حكومة حمدوك من فصل العاملين أو تشريد المستثمرين ورجال الأعمال وتهيئة بيئة لمساهمات القطاع الخاص و(الهدر) المالي والإنهيار الإقتصادي ووقف محاولات مسخ هوية الأمة وثقافتها والمستقر من عاداتها ومؤسساتها الأهلية والمجتمعية..
(4)
وبالتأكيد هناك صعوبة في إحداث ذلك، واولها: ان د. حمدوك يعتبر خيارا لبعض القوى الدولية والإقليمية، ولديه داعميه من فاعلين في المجتمع الدولي ويقف لجانبه في ذات الجانب السفير عمر مانيس والوزير مدني عباس مدني وبدرجة اقل عمر قمر الدين.
وثانيا: إن مواقف الحاضنة السياسية غير رشيدة أدت لتقوية العلاقة بين د. حمدوك و المكون العسكري، وخاصة في قضية مفاوضات السلام، حيث تعارضها اغلب أطراف قحت، وشكل ذلك له إسنادا آخر.
وعليه فإن استمر د. حمدوك فإن أول القرارات تنقيح قائمة مستشاريه.
وثالثا: فإن خيارات لقوى اليسارية – غالبا- ذات طبيعية صفرية ، فأما خيارهم أو الحريق ، ومع شعورهم بأي إنفلات للأمور من سطوتهم سيكون خيارهم إحداث (فرقعة)، وهو أمر لابد أن تتحسب له المؤسسات والأجهزة الأمنية.
لقد كان خيار إعتماد طرفي المعادلة عام ٢٠١٩م بيد المكون العسكري وعليهم الآن إدارة حوار شفاف مع القوى السياسية ومع مواطنيهم لإعادة التوازن وإنقاذ البلاد من الهاوية
د. إبراهيم الصديق على

2020/10/18