ضياء الدين بلال

-١- الأمر واضحٌ ليس فيه غموضٌ ولبسٌ، إذا السيدة وداد بابكر حرم الرئيس المعزول، اقترفت أيِّ جُرمٍ على النيابة تقديمها لمحاكمة عادلة وعلنية، لتلقى الجزاء المُستحق.
قبل ذلك لا بُدّ من طرح سؤال مُهم:
هل بعد ثمانية أشهر من الاعتقال مع تحقيقات مُستمرّة وبحث مكثف، ألم يتم الحصول على أدلة أو قرائن تُوفِّر بيِّنات تصلح لتقديم ملف (وداد) للقضاء؟!
العجز عن الحصول على أدلة دامغة أو قرائن قوية، ترقى لتقديم الملف للمحكمة بعد ثمانية أشهر، يعني واحداً من اثنين لا ثالث لهما:
الأول/ وداد فاسدة، وكل ما يُقال عن ثروتها صحيح، ولكن المحققين معها عاجزون – لضعف الكفاءة – عن إثبات ذلك.
الثاني/ ما يقال ويردد عن (وداد) مُجرّد شائعات أو معلومات مُضخّمة ومضللة، مثل ما حدث مع السيدة بثينة خليل حرم الرئيس السابق جعفر نميري، عقب انتفاضة أبريل!
-٢-
أما أن تكون النيابة عاجزة وقاصرة عن بناء قضية متكاملة ضد (وداد بابكر) وتلجأ لمُعاقبتها عبر إجراءات تعسفية، ذات نزوع انتقامي فذلك عين الحيف والظلم.
الصور التي راجت في الأسافير للسيدة وداد داخل محتجزها، وأُريد بها إظهار الإذلال، أكسبت المرأة تعاطفاً واسعاً، ترتّب عليه إطلاق سراحها للمرة الثانية في أقل من ٢٤ساعة.
صور اقتحام المنازل وضرب النساء وقتل الشباب أثناء ثورة ديسمبر هي التي أسقطت النظام السابق، وليس بيان ابن عوف!
المزاج السوداني العام، مُناهضٌ للتطرُّف في المواقف والتعبير عنها، ومُناهضٌ للظلم والجور بالأفعال والأقوال، وله حساسيَّةٌ عاليةٌ في التقاط عدوى الاستفزاز والإساءة.
-٣-
في أحد المساجد الأم درمانية، وعقب الصلاة، تم القبض على لصٍّ قام بسرقة حذاء.
تكالب المصلون على اللص بالتوبيخ، وبعضهم اعتدى عليه بالضرب المُخفَّف.
تطرَّف أحدهم وخلع حذاءه الثقيل لضرب اللص على رأسه.
كانت المفاجأة، أن المُصلِّين تركوا اللص وتوجّهوا بغضبهم لصاحب الحذاء المرفوع، لإسرافه في العقاب.
المُصلُّون في ذلك المسجد، كما غالب السودانيين في كل زمان ومكان، يمتلكون مقياس عدل فطري، يُحدِّد لهم نوع الذنب ومدى العقوبة، ويُشير إلى أن الظُّلم كتجاوز أعظم من السرقة كسلوك إجرامي.
-٤-
ما حدث مع (وداد) هو حلقة من حلقات المُمارسات السيئة في السياسية السودانية، حين يستبد أهل الحكم بسلطتهم، ويزين لهم شيطان السياسة صنائع الشر.
نكلت الإنقاذ بخصومها، واليوم الخصوم يفعلون بها ما فعلت بهم.
وغداً سيأتي من يسومون حُكّام اليوم سُوء العذاب ليشربوا من ذات الكأس.
وكأنّنا في مسرحية دائرية عبثية، تتكرَّر فيها الفصول بذات الأحداث والوقائع، مع اختلاف أدوار المُمثلين وتغيُّر الأسماء.
نعم، ما أكثر العِبَر وأقل الاعتبار!
في أيّام سطوة الشيخ الترابي 1993 اعتقل السيد الصادق المهدي وعُومل مُعاملة خشنة – على غير العادة – حيث أجلس على مقعد بثلاثة أرجل، لساعات طوال.
صلاح قوش، الذي أجلس المهدي على ذلك الكرسي واعتقل الترابي في منزل كافوري، هو كذلك اعتقل في ذات المنزل!!
والدكتور الحاج آدم الذي طارده قوش من قبل باتهامات المُحاولة التخريبية عبر الصحف والجوائز.
جاء يوم صعد فيه أعلى مؤسسات السلطة، وفي مؤتمر سياحي هدد مدير المخابرات السابق بسيف الحسم!!
لن تكسر هذه الحلقة الدائرية اللعينة، إلا بإرساء قيم الإنصاف والعدل، وسيادة حكم القانون على الجميع.
-٥-
السياسة السودانية ابنةُ المُفاجآت، لا تثقْ في الرَّاهن ولا ما في يدَيك، ولو كنت تظنُّ أنك تُحكِم الإمساك به.
الدنيا قلبٌ والأيَّام دُولٌ، فما تملكه الآن قد تفقده في ارتداد الطرف.
-أخيراً-
على الذين يسرفون في ظلم خُصُوهم اليوم، أن يعوا جيداً: أعين التاريخ لا تعرف التثاؤب.
وعين الله لا تأخذها سنة ولا نوم، والبر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، فكونوا كما شئتم، فكما تدينون تدانوا..!

ضياء الدين بلال

2020/10/18