“marketplace of ideas”

هي تلك الفرضية التي تتناول حرية التعبير في إطار المنافسة “السوقية”، وتقوم بتشبيه الأفكار بالمنتجات الاقتصادية التي تباع بصورة حرة، حيث نجد أن المنتجات الجيدة والمتفوقة تجد رواجا أكثر في السوق وتباع بصورة أفضل، تقول الفرضية بأن الدولة يجب أن لا تلعب دورا رقابيا على الأفكار، بل يجب أن تتركها تتدفق بصورة حرة حتى تشتعل المنافسة بينها، وفي النهاية سوف تتفوق “الحقيقة” و”الأفكار الجيدة” على غيرها.

من الخطأ أن تقوم جهة حكومية ما بتحديد الأفكار وماهية الحقيقة لدولة كاملة، مثلا في تركيا في عام 1915 تم قتل آلاف الأشخاص من ذوي العرق الأرميني، وتحت قوانين خطاب الكراهية في تركيا تمت محاكمة وإدانة العديد من الكـتاب الذين تحدثوا عن هذه المجزرة وأطلقوا عليها صفة “إبادة جماعية”، أما في سويسرا فقد تمت محاكمة أحد السياسيين الذين أنكروا أن الأرمينيين كانوا ضحية إبادة جماعية، فأين هي الحقيقة؟، هل تمت إبادة الأرمينيين أم لا؟، كيف تختلف الحقائق من دولة إلى أخرى؟.

هذا ما يحدث عندما تتبنى الدول “حقائق” معينة من وجهة نظرها السياسية وتقوم بتحديد كيف يجب أن يفكر الشعب بدلا عن “تحرير سوق الأفكار” وترك الفرصة للمجتمع ليتناقش بصورة مفتوحة في المواضيع التي تخصه، وهنا تظهر بعض مزايا فرضية سوق الأفكار، حيث إن اعتناقها يفتح الفرصة للجميع لعرض “بضاعتهم الفكرية”، الصالح منها والطالح، مما يؤدي إلى إثراء النقاش واشتعال المنافسة وبروز الأفكار الأفضل.

إن فرضية سوق الأفكار تبدو في ظاهرها فرضية ممتازة، لكنها للأسف لا تخلو من العيوب، وأحد هذه العيوب هي أنها تفترض أن فرص النقاش وطرح الأفكار مفتوحة للجميع بصورة متساوية ومتكافئة، وهذا للأسف غير صحيح.

مع تقدم التكنولوجيا وانتشار الإنترنت، تبدلت طرق التواصل بين الناس بصورة كبيرة واختلفت طرق حصولهم على المعلومات، ففي الماضي، كانت المعلومات تسري بطريقة هرمية من الرأس إلى القاعدة، حيث تجد أن هناك قلة من الأشخاص في رأس الهرم يصنعون المواد الإخبارية، الصحفية، والبرامجية وينشرونها للناس عبر الراديو، التلفاز، والصحف، أما الآن فقد صار الهاتف الجوال في يد الجميع وصار بإمكان أي شخص أن يكون “صانعا للخبر”، أدى هذا إلى اكتظاظ مواقع الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بالأخبار المزيفة والمضللة، وصار انتشار الأخبار والأفكار لا يعتمد على مدى صحتها، بل على مدى مقدرتها على جذب تفاعل الناس والحصول على عدد كبير من نقرات “الإعجاب” و”المشاركة” و”إعادة التغريد”، وفي وسط هذا الكم الهائل من الأفكار المضللة والأصوات العالية، قد تواجه الحقيقة صعوبة في البروز.

المشكلة الأخرى في فرضية سوق الأفكار تكمن في أننا كائنات تنجذب لا شعوريا إلى الأفكار التي تتوافق مع افتراضاتها المسبقة، وهي ظاهرة تُـعرف بـ”الانحياز التأكيدي”، والذي يعني البحث عن المعلومات بطريقة تتوافق مع معتقدات الفرد، مع تجاهل المعلومات المناقضة لها، فإذا كنت من مناصري الإسلام السياسي مثلا، سوف تحيط نفسك بالعديد من الأشخاص الذين يشاركونك الفكرة، وستتابع العديد من الشخصيات العامة التي تدعم الإسلام السياسي، وسوف تشترك في مجموعات (مغلقة أو مفتوحة) تتحدث عنه، وسوف تقرأ المقالات التي تناقشه، وبعد فترة من الدوران في نفس المحيط ستعتقد أن جزءا كبيرا من الناس يشاركك الرأي، وأن فكرة الإسلام السياسي لها رواج غير مسبوق، في حين أن هناك جزءا آخر من المجتمع قد لا يشاركك الرأي، أنت فقط لم تسمع عنه ولم تعرف بوجوده.

أن ظاهرة الانحياز التأكيدي تجعل من سوق الأفكار سوقا غير متكافئ، ولا تباع فيه إلا منتجات (أو أفكار) من نوع معين، حيث إننا ننجذب إلى سماع الحجج التي توافق مبادئنا وما نؤمن به، ونبتعد عن تلك المواقع التي تقدم حججا تخالف توجهتنا.

كل هذا لا يمنح الحق للحكومات في أن تلعب دور “بوليس الأفكار”، وتقوم بإجهاض جميع الأفكار المخالفة قبل أن ترى النور وتترك فقط تلك التي تتفق معها، بل ما يجب عليها فقط هو تنظيم عملية عرض الأفكار، التأكد من عدم حصرها عند مجموعة محددة، ومراعاة أن يمتلك جميع المواطنين حقا متساويا وقدرة على الوصول إلى المنابر التي تتيح لهم التعبير عن آرائهم بصورة متكافئة.

إن بعض الحقائق تمتلك قوة تمكنها من إثبات نفسها في جميع الظروف، ولازلنا نذكر كيف كان يغرق “الجداد الإلكتروني” مواقع التواصل في عهد البشير بالكثير من الإشاعات والأكاذيب، لكن حقيقة الثورة كانت أقوى وأكبر من كل الأفكار المعادية، أما هذه الأيام فقد صار الوصول إلى الحقائق صعبا، رغم أن اكتظاظ سوق الأفكار السوداني بكل هذه التوجهات والأيدلوجيات هو شيء جيد، لكن علينا أن نتذكر الانحياز التأكيدي وأن نتجنب الانجراف وراء قناعاتنا الشخصية، فالنظر إلى جميع ما يتم طرحه بصورة حيادية سوف يمكننا من العثور على الأفكار الجيدة في وسط هذا الزحام.

صحيفة السوداني