حوار/ رشا عوض

رغم كل ما وضعناه أمامه من اوجه ضعف وتفكك الحاضنة السياسية وفشلها في تشكيل المجلس التشريعي ، بدا إبراهيم الشيخ الرئيس السابق  لحزب المؤمر السوداني والقيادي بتحالف”الحرية والتغيير” ووزير الصناعة في التشكيل الوزاري الجديد متفائلا بمستقبل الائتلاف الحاكم، وإزاء كل نواقص الأداء السياسي التي واجهناه بها في هذا الحوار كان يعترف بالمسؤولية ولكنه يطالب الشعب السوداني  بتفهم التعقيدات.

هل صحيح ان قوى الحرية والتغيير تتجه لمزيد من التفكك والتشرذم ومن الراجح ان لا ينعقد مؤتمر إعادة الهيكلة الذي تأخر كثيرا؟

الحرية والتغيير كيان واسع ومتعدد فيه كثير من الأحزاب والقوى المدنية وتجمع المهنيين، هذه القوى المؤتلفة أنجزت الثورة عبر تنسيقية قوى الحرية والتغيير ثم المجلس المركزي، في التدافع اليومي حول القضايا المختلفة  والتحديات التي جابهت الفترة الانتقالية حدث النزاع والصراع والاختلاف الذي  أفضى إلى خروج بعض المجموعات  مثل الحزب الشيوعي، ثم وقع الانقسام  في تجمع المهنيين بعد الانتخابات التي عقدت ولم تكن هناك ضرورة لها، ثم تجميد حزب الامة، لا شك أن كل ذلك عرض “الحرية والتغيير” لهزة عنيفة ،  حزب الامة عرض العقد الاجتماعي كخيار للإصلاح، ولكنه  لم يكن محل رضا وقبول من كل الأطراف، رغم  إيمانهم بالحاجة للإصلاح من  حيث الرؤية والبناء التنظيمي..

كل المكونات الرئيسية في الحرية والتغيير مثل حزب الأمة والمؤتمر السوداني والحزب الشيوعي والاحزاب البعثية ظلت تكرر الحديث عن ضرورة الإصلاح في حين ان هذا الاصلاح من واجبها هي ، فما دامت مؤمنة به لماذا لم تنفذه عمليا حتى الآن؟

واقع الحال معقد جدا، وطبيعة الإشكالات التي اعترت عمل الحكومة او الحرية والتغيير نفسها اقتضت هذا التأخير بسبب انفجار المشاكل التي حولت عمل “الحرية والتغيير” الى  إطفاء الحرائق، جائحة كرونا والفيضانات والصراعات التي نشأت في الأقاليم، كل ذلك أعاق الأداء العام، بالإضافة لعملية السلام في جوبا والتي استغرقت وقتا طويلا جدا، وكنا نتطلع ان تكون الجبهة الثورية طرفا في عملية الإصلاح، تشكلت لجنة تحضيرية منذ وقت باكر للشروع في الإعداد للمؤتمر العام ، وعقدت كثيرا من الاجتماعات مع المجموعات التي فشلت “الحرية والتغيير” في أن تستوعبها في الجسم المركزي، وبدأ التفاكر حول خارطة طريق وصولا للمؤتمر العام، داخل اللجنة التحضيرية نفسها وقعت كذلك بعض التباينات، مثلا، هل يقود عملية الإصلاح المجلس المركزي الراهن وهو أصلا طرف في الخلاف أم يجب أن تتشكل لجنة من خارجه.

إرادة صميمة

هل اللجنة التحضيرية شكلها المجلس المركزي؟

نعم شكلها من أطراف مختلفة وهو مكون أصيل فيها إضافة إلى  أطراف عملية السلام في جوبا، وكنا بعثنا وفدا برئاسة عمر الدقير وكمال بولاد مقرر المجلس المركزي، التقى  بكل هذه المجموعات وطلب منهم تسمية أفراد لعضوية اللجنة التحضيرية، وهناك كذلك تجمع الأجسام المطلبية تام وهو من الاجسام المشاركة في الثورة ، كان هناك تباينات حول شكل اللجنة نفسها وهناك خلاف حول خارطة الطريق، وعملية تشكيل الحكومة عطلت التقدم في هذا المسار،

هل معنى ذلك أن مجهودات إعادة الهيكلة ما زالت في طور الخلافات على التحضيرات؟

ما أود قوله، الآن هناك مجهودات جارية لأن يفك حزب الأمة تجميده سريعا، خصوصا بعد مشاركته في الحكومة الانتقالية الراهنة بهذا العدد من الوزراء ، نناقش عودة حزب الامة للمجلس المركزي “للحرية والتغيير”، كذلك هناك مشروع لائحة جديدة لإدخال كل الأحزاب المختلفة بشكل منفرد وليس عبر تمثيل الكتل، فكان لدينا كتلة “نداء السودان” وكتلة “قوى الإجماع” وكتلة “تجمع المهنيين” و “قوى المجتمع المدني” و”التجمع الاتحادي”، مثلا “نداء السودان” مكون من 12 حزبا، تقرر أن تكون كل هذه الأحزاب ممثلة في المجلس المركزي، في الفترة السابقة كانت كتلة نداء السودان ممثلة بخمسة أحزاب فقط وهذا من أسباب الصراع الكبير ، فلا يمكن ان ينوب حزب عن بقية الأحزاب ، فليس هناك رضا عن تمثيل عدد محدود من الأفراد للكيان الكبير، فكل الكتل كانت غاضبة وساخطة لأنها غير ممثلة في الجسم المركزي ، تقرر تمثيل كل هذه الهيئات داخل الجسم المركزي الذي ستنبثق منه هيئة للقيادة ، تُذوِب التنسيقية السابقة ولجانها المتخصصة في هذا المجلس، “الحرية والتغيير” لها ارادة صميمية لبناء نفسها وهذا له علاقة بالحكومة الراهنة وتركيبتها، لا بد ان يكون الجسم المركزي “للحرية والتغيير” على صلة وثيقة بالحكومة باعتباره حاضنتها السياسية ، الوزراء في هذه الحكومة يعلمون تماما انهم قادمون من هذه الحاضنة وبالتالي لا بد ان يخضعوا لإرادتها وسياساتها ويخضعوا لرقابتها.

كانت “الجبهة الثورية” جزء من “الحرية والتغيير” عبر عضويتها في كتلة نداء السودان، ولكن منذ ان تولى مجلس السيادة  بقيادة المكون العسكري عملية التفاوض في جوبا باتت الجبهة الثورية توجه الانتقادات الحادة “للحرية والتغيير” وكأنها جسم مستقل عنها، وهي الآن تشارك في الحكومة   ومجلس الشركاء باستقلالية تامة، فماذا ستكون وضعية “الجبهة الثورية” بعد إعادة الهيكلة؟

تاريخيا “الجبهة الثورية” مكون أصيل “للحرية والتغيير” وكنا على صلة وثيقة عبر “نداء السودان” ، بعد الثورة مباشرة التقينا بهم  للتفاكر حول عملية السلام وعودتهم للداخل، في لقاءات أديس أبابا والقاهرة  حدثت خلافات وسعت الشقة بين “الحرية والتغيير” والجبهة الثورية ثم توسعت الخلافات حول المشروع السياسي الذي أبرمته الحرية والتغيير مع المكون العسكري ثم الوثيقة الدستورية.

ما هي أبرز نقاط الخلاف ؟

في البداية في أديس أبابا توصلنا مع “الجبهة الثورية” لاتفاقية سلام بمحاور مختلفة ، هم كانوا يعتقدون ان نصوص ذلك الاتفاق السياسي معهم يجب ان يسود على نصوص الوثيقة الدستورية التي يجري التفاوض حولها مع “المجلس العسكري” في ذلك الوقت، كان هناك مسارات للتفاوض ، مسار حول عودتهم الى الداخل وفق محاور اتفاقية السلام، وهنا كان التفاوض جاريا حول الوثيقة الدستورية التي سبقها الاتفاق السياسي، فحدثت الجفوة بعد “الوثيقة الدستورية” إذ اعتقدوا  أننا خدعناهم بإبرام اتفاق هم ليسوا طرفا فيه، الان الوثيقة الدستورية أصبحت هي المرجعية ، والاتفاق السياسي لا يذكره احد، مجلس الشركاء تشكل بموجب المادة 80  من الوثيقة الدستورية المعدلة لحل النزاعات  التي يمكن ان تنشأ بين الأطراف الثلاث: المكون العسكري وأطراف عملية السلام وقوى “الحرية والتغيير” وطبعا الخلاف وارد وله نماذج في الفترة البسيطة التي سبقت تشكيل الحكومة مما استدعى تدخل مجلس الشركاء لحسم الخلافات حول تشكيل الحكومة أو تشكيل المؤسسات القادمة سواء مجلس السيادة او المجلس التشريعي او اي مؤسسة يمكن ان تنشأ

نحن الأعلى صوتا في مجلس الشركاء

هناك فرضية سائدة في الاوساط الاعلامية والسياسية بأن مجلس الشركاء سيكون له دور في الحكم وسيكون طرفا جديدا في معادلة توازن القوى ولن يقتصر دوره  على التنسيق فقط، بدليل انتقاء شخصيات بالاسم لهذا المجلس بدلا من ان يتكون من ممثلين بصفتهم الاعتبارية ـ وفي الذاكرة الحديث عن أن دور مجلس السيادة سيكون تشريفيا ولكنه الان يمارس أدوارا تنفيذية كاملة الدسم.  

ليس صحيحا انه تم باختيار أشخاص بأسمائهم فالحرية والتغيير كانت تعتقد في أهمية وجود مثل هذا الجسم ليضم كل الشركاء ،  “الحرية والتغيير” ممثلة في “مجلس الشركاء” باربعة عشرة شخصا بمن فيهم رئيس الوزراء نفسه، وتم تمثيل الكتل المختلفة وذهبت بكامل ارادة “المجلس المركزي” نحن الأعلى تمثيلا والأعلى صوتا داخل هذا المجلس .

تشكيل الحكومة التي تتكون من 25 وزيرا استغرق كل هذا الوقت بسبب الخلافات فكم من الزمن سيستغرق تشكيل المجلس التشريعي الذي  تحدد تاريخ إعلانه مرات عديدة ولم يتم ذلك، هل من اللائق ان تحكم سلطة أعقبت ثورة تنشد التحول الديمقراطي دون برلمان يمارس الرقابة والمساءلة ؟ هل هناك تواطؤ على ان لا يتشكل المجلس التشريعي؟

الحرية والتغيير جادة جدا وحريصة على تشكيل المجلس التشريعي ، ولكن حجم التشابك المؤسسي في قيادة الفترة الانتقالية هو أحد أسباب التأخير، فلدينا مكون عسكري ومجلس وزراء و”الحرية والتغيير” و”الجبهة الثورية” هذه الأطراف الاربعة تعمل بالحد الأدنى من التنسيق وكلهم “مهجسون” من بعض، فلا توجد ثقة بين هذه الأطراف في بعضها البعض، وكل طرف منها  باستثناء “الحرية والتغيير” يرى ان تكوين هذا المجلس سيكون خصما عليه ، “الحرية والتغيير” هي الأكثر حرصا على قيام المجلس التشريعي لانها اقترحته في الوثيقة الدستورية وحددت له الصلاحيات وكانت هذه تجربة جديدة في الحياة السياسية، أي وجود جسم تشريعي في فترة انتقالية ، فبعد ثورتي اكتوبر وابريل لم يكن هناك مجلسا تشريعيا ولكننا أردنا توسيع المشاركة والرقابة

الهواجس وأزمة الثقة عطلت  المجلس التشريعي

من بالتحديد  عرقل قيام المجلس التشريعي، هل المكون العسكري ام الجبهة الثورية ؟

لا نستطيع القول ان هناك من عطل، ولكن الهواجس هي التي  عطلت هذا التكوين، ولكن لا توجد جهة لديها رغبة في عدم قيام هذا المجلس ، بل هناك مخاوف لا بد من مخاطبتها و طمأنتها ، استغرقنا وقتا لمخاطبة هذه المخاوف ، وعندما أتينا لمسألة توزيع نسب المشاركة في المجلس 67% للحرية والتغيير و33% بالتشاور بين الحرية التغيير والمكون العسكري ، بعد اتفاق السلام  أصبحت الجبهة الثورية واطراف عملية السلام اشبه بالكتلة المستقلة وتريد حصتها في الهياكل المختلفة، والتفاوض معها استغرق وقتا طويلا كذلك ، حتى وصلنا لخمسة وسبعين مقعدا لأطراف عملية السلام، الجبهة الثورية ومسارات الشرق والشمال والوسط ، و165 ستختارهم “الحرية والتغيير” و60 مقعدا سيتم الاتفاق عليها بين “الحرية والتغيير” والمكون العسكري من الأطراف التي لم توقع على إعلان الحرية والتغيير، هذا التشابك والحرص على استصحاب كل مكونات السودان من ادارات اهلية وقوى مدنية وأحزاب وشخصيات وطنية مستقلة ولجان المقاومة. و“مجلس الشركاء”  تنبع قيمته من خلق الثقة بين الأطراف المختلفة لتعمل بصورة متناغمة مع بعضها.

ولكنكم في “الحرية والتغيير” تتحملون مسؤولية مرور كل هذا الوقت دون مؤسسة تشريعية، اليس كذلك؟  

نحن كحاضنة سياسية لا ننكر مسؤوليتنا عن ذلك، ولكننا نرغب من الشعب ان يتفهم تعقيدات الواقع القائم،  وتعدد مراكز السلطة من مكون عسكري قابض على جزء كبير من السلطة، ومجلس وزراء، هناك أسبابا موضوعية جدا وحيثيات أخرت المجلس التشريعي، حتى داخل “الحرية والتغيير” هناك خلافات  حول كيفية الاختيار ومعاييره، فاختيار 300 عضو يمثلون كل التنوع السوداني صعب جدا.

على ذكر المعايير هناك اتهامات لكم في “الحرية والتغيير” بأن الاختيار لكل المناصب الدستورية في الفترة الانتقالية تحكمه الشلليات والعلاقات الشخصية وليس الكفاءة، وان هناك عدم شفافية بل غموض حول كيفية اختيار الوزراء، وعدم وجود منهجية واضحة للتعيين، وهناك تخوف من ان ينتقل هذا العيب الى تكوين المجلس التشريعي، لو سألنا من الذي اختار وزراء الحكومة الحالية وهل صحيح ان عملية رفع قائمة الترشيخات لم تتم بصورة مهنية فلم تكن هناك سير ذاتية مرفقة وهكذا؟

لو تحدثنا عن الحكومة السابقة ، اختارها “المجلس المركزي” للحرية والتغيير بهيئته الاولى قبل ان يتشظى ويتعرض للانشقاقات والتجميد والانسحابات من جميع الكتل المكونة للتحالف،  وروعيت معايير الكفاءة ابتداء من التأهيل الأكاديمي والخبرة العملية، وكان مطلوبا في تلك الفترة ان يكون الجميع مهنيين وتكنوقراط مستقلين،  فكان العشرون وزيرا باستثناء وزيري الدفاع والداخلية والحكم المحلي مستقلين تماما ، بما في ذلك رئيس الوزراء عبدالله  حمدوك نفسه، هذه الحكومة أيضا خضعت لهذه المعايير، ودفع لكل وزارة ثلاثة أفراد وفقا لسيرهم الذاتية، وهذه المرة اخترنا سياسيين باعتبار ان تجربة التكنوقراط لم تحقق الرضا الكامل في الشارع، ولم تحقق التغيير المنشود وأهداف الثورة ولا برنامج “الحرية والتغيير” ولا البرنامج الاسعافي الذي قدم للحكومة، هذه المرة قدمنا سياسيين لهم مرجعياتهم وتاريخهم في مجابهة التحديات ،ووضعنا المؤهل الأكاديمي والخبرة والتجربة ، كل الوزراء المختارين لهذه الحكومة وهم 17 من قوى “الحرية والتغيير” وسبعة رشحتهم الجبهة الثورية واثنان قدمهما المكون العسكري، خضعوا لهذه المعايير ولا يوجد واحد منهم اخترناه لمعيار آخر، ورغم انني عضو أصيل في لجنة الترشيحات وشاركت في كل الاختيارات، في اول اجتماع لنا في مجلس الوزراء وعندما استعرض كل شخص سيرته الذاتية ومؤهلاته وتاريخه ودوره  كان هذا المجلس موضع فخر لي، والاتهامات التي رشحت في الاسافير غير صحيحة,

ثمن السلام

لماذا دائما يأتي تمثيل المرأة ضعيفا في ترشيحات “الحرية والتغيير”؟

سبب ذلك هو ضعف تمثيل المرأة في المؤسسات السياسية للكتل المكونة للحرية والتغيير، بما في ذلك المجتمع المدني، المرأة غير موجودة في قيادة هذه الأحزاب بالشكل المؤثر والفاعل ولذلك القيادات العليا والوسيطة من الرجال.

هل سيتم تغيير المكون المدني في مجلس السيادة ومتى سيتم ذلك؟ 

سوف نخضع المكون المدني في مجلس السيادة لتقييم شامل، وقد عينا لجنة في “الحرية والتغيير” لتنهض بهذه المهمة، وقد أجرت اتصالات بالكتل المكونة “للحرية والتغيير” وفرغت اللجنة من مهمتها وتم استعراض أولي لتقييمها في اجتماع مشهود، وبناء على ذلك سيتم التعديل.

متى ستنتقل رئاسة مجلس السيادة من المكون العسكري الى المكون المدني وهل تتوقعون صراعا في ذلك؟

كان يفترض ان يتم ذلك في مايو القادم ولكن بعد التوقيع على اتفاق جوبا للسلام أضيف عام آخر للفترة الانتقالية لاتاحة فرصة للحركات المسلحة لترتيب أوضاعها،

هذا معناه ان سيطرة العسكريين على السلطة ستطول بعد تصفير عداد الفترة الانتقالية؟ 

يجب النظر الى هذه المسألة من زاوية متطلبات عملية السلام لا من زاوية تمديد سلطة العسكريين، فهذه احد أثمان السلام، حتى تتحول هذه الحركات المسلحة الى قوى مدنية، وتتم عمليات عودة النازحين واللاجئين ، فهناك زوايا نظر مختلفة