بولاية الجزيرة، انبهر رئيس الوزراء بمحصول القطن الهندي الذي زرعته الوحدة الزراعية التعاقدية التابعة لمجموعة معاوية البرير بمكتب اللعوتة.. وبالولاية الشمالية، انبهر وزير المالية تحويل شركة أمطار، الصحراء إلى حقول قمح زاهية، يتبختر فيها طائر البقر، حسب وصفه.. وبالخرطوم، انبهر وزير الصحة بمصنع أميفارما لحد التغزل في كوادره وجودة أدويته.. ثلاثة انبهارات لثلاثة مسؤولين، عقب زيارتهم لثلاثة مشاريع، خلال الأسابيع الثلاثة الفائتة، وما خُفي أكثر..!!

:: والجدير بالتأمل، فإن القاسم المشترك الأعظم – في كل هذه المشاريع الجديرة بالانبهار – هو القطاع الخاص.. وما هذه المشاريع إلا مجرد نماذج لمشاريع نموذجية، وحتماً هناك مشاريع أخرى لو زارها هؤلاء المسؤولون – أو غيرهم – لانبهروا أيضاً.. ولأن بلادنا بحاجة إلى استغلال مواردها بالاستثمارات، فمع إصلاح القوانين وتقوية أجهزة الدولة بالكفاءات، فإن تقديم مشاريع نموذجية – للمستثمرين – أفضل من مليون ملتقى ومؤتمر و(طق حنك)..!!

:: وعلى سبيل المثال، فإن تصدير أصناف دوائية تحمل ديباجة (صنع في السودان)، يجذب من رؤوس الأموال الأجنبية – للاقتصاد الوطني ولقطاع الدواء – أكثر مما تجذبها الثرثرة الإعلامية والخطب السياسية.. ولأن وزير الصحة كان الأقوى انبهاراً، يجب تذكيره بأن بلادنا من رواد التصنيع الدوائي، بحيث كان ترتيبها في الريادة – على المستويين الأفريقي والعربي – الثالث بعد مصر وجنوب أفريقيا، وذلك بإنشاء أول مصنع للإنتاج الدوائي في العام (1961)..!!

:: لم تسبقنا دولة عربية غير مصر، ولا أفريقية غير جنوب أفريقيا.. ومع ذلك، وقفنا في (محلك سر).. نسبة إنتاج مصر من استهلاك شعبها (90%)، وكذلك نسبة إنتاج سوريا ما قبل الحرب كانت (94%)، والمغرب (85%)، و.. و.. توطين الصناعة ليس بحاجة إلى (ميزانية دولة)، أو كما الاستيراد، بل بحاجة إلى توفير مناخ التوطين للمستثمرين الجادين، وليس (المستهبلين) الذين يحجزون الأراضي في المناطق الصناعية، ثم يُحوِّلونها إلى مخازن وأغراض أخرى..!!

:: والمؤسف، كانت ولا تزال الحكومة تدفع لشركات الاستيراد مئات الملايين من الدولارات (مدعوماً)، بيد أن نصيب الصناعة الوطنية من هذا الدعم كان (صفراً).. وهي معادلة تؤكد أن سياسة الدولة تدعم التجارة والاستيراد، وتحارب الصناعة والإنتاج.. أثقال الرسوم والضرائب والأتاوات وأسعار الكهرباء الملقاة على الصناعة الوطنية لا تزال تحول بينها وبين النهضة ومنافسة الأدوية المستوردة بالجودة والسعر.. كل الدول العربية تكاد تكتفي، أو تكتفي وتصدر (لنا)..!!

:: قبل الحرب بسوريا، كان عدد مصانع الأدوية (70 مصنعاً)، وكانت تنتج (94%) من حاجة شعبها، ثم تصدِّر فائض الإنتاج إلى (54 دولة)، منها السودان الذي يستورد أكثر من (80%) من حاجته الدوائية.. سوريا لم تكن تستورد غير الأصناف التي تحتكرها شركاتها البحثية، وهي تعادل فقط (4%) من كل الأصناف الدوائية التي كانت تصنعها وتصدرها المصانع السورية، وبلغ عدد هذه الأصناف الدوائية (6895 صنفاً)..!!

:: تركيا ومصر وغيرهما – من الدول ذات السياسة الجاذبة للاستثمار- فازت بالمصانع السورية العريقة، لتفوز بلادنا باللاجئين والمستثمرين في مشاريع (الشاورما والبيتزا).. وعليه، ناهيكم عن الاكتفاء الذاتي، بل بلادنا تتوسّط ﺩﻭلاً ﺗﺼﺮﻑ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﺍلاﺳﺘﻴﺮﺍﺩ ﺍﻟﺪﻭﺍﺋﻲ، والعقول الصيدلانية في بلادنا ﻗﺎﺩﺭﺓٌ ﻋﻠﻰ ﺳﺪ ﺣﺎﺟﺔ هذه الدول ﻭﺍﻟتي تجاورها، وكل المطلوب – لينبهروا بالإنتاج – هو إصلاح القوانين وتقوية أجهزة الدولة، ثم الرهان على القطاع الخاص..!!

الطاهر ساتي

الصيحة