لم يعد السؤال إن كانت صيغة التوافق السياسي والوثيقة الدستورية التي أنجبت تحالف الحكم الحالي بمكونيه العسكري والمدني تستطيع الصمود في وجه أزماتها المتلاحقة التي ظلت البلاد تشهد فصولها الأخيرة خلال الأسابيع القليلة الماضية حتى بلغت ذروة وصولها إلى نقطة اللاعودة، أم أنها ماتت سريرياً، وبقيت أمامها أيام معدودة، إن لم نقل ساعات لتطوى صفحتها، وإن كانت هي كذلك بحكم الأمر الواقع، بعد أن أصاب الشلل مؤسساتها السيادي والتنفيذية، وباتت محلولة بالفعل لا تحتاج سوى الإعلان عن انفضاض سامرها رسمياً.
(2)
الشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى من وقائع التجاذبات والتراشقات المتبادلة خلال الفترة القليلة الماضية، وما تبعها من إجراءات فعلية لتغيير قواعد لعبة السلطة الحالية ليس أقلها تفكيك لجنة التفكيك، بكل الزخم والهالة التي صنعتها حول نفسها والسطوة التي تمتعت بها على مدار عامين، لتبدد بأحكام قضائية نافذة وسط عجز متزايد، وفقدان القدرة على التصدي لها، غير أن الدليل الأكثر حضوراً في هذا الشأن هو السرعة التي تحول بها تحالف “الإعلان السياسي لقوى الحرية والتغيير” الموقع في الثامن من سبتمبر الماضي إلى أثر بعد عين بعد أقل من شهر من تشكيله، تحت ادعاء كبير باحتكار تمثيل دور قوى الحرية والتغيير المثبت دستورياً كطرف ثانٍ أصيل في معادلة الانتقال مع المكون العسكري.
(3)
لم يكن حتى أكثر الناس تشاؤماً أو مناهضة لخطوة الإعلان هذه، يتوقع أن يذوى ويضمحل دوره وتأثيره المنتظر بهذه السرعة القياسية، فالسيد رئيس الوزراء الذي شارك في هذا الاحتفال، غالباً بدافع حسن النية وربما من باب المجاملة، سرعان ما نأى بنفسه عن هذا المعسكر من (ق ح ت) حين تبين أن الخطوة المتعجلة لهذا الفصيل قضت تماماً على فرص مبادرته التي نادت إلى تجاوز الانقاسامات وسط مكونات الانتقال بشقيها العسكري والمدني، وتوسيع قاعدة القوى الداعمة للانتقال، لقد سارعت فصائل هذا الإعلان التي سيطرت فعلياً على آلية المبادرة إلى توظيفها لصالح مشروعها السياسي قصير النظر، والذي تبين ضيق أفقه حيث لعب دوراً رئيسياً وتحمل المسؤولية الأكبر في تفجير الأزمة الراهنة التي مكّنت المكون العسكري من استخدامها لتفكيك تحالفه مع هذه المجموعة على مدار العامين الماضيين، وتشارك معها في تحمل مسؤولية الإخفاقات كافة، التي شابت هذه الفترة، بعد أن استنفد أغراضه منها لصالح تشكيل تحالف جديد مع المجموعة الأخرى التي تدعو “للعودة لمنصة التأسيس”.
(4)
وواجه تحالف الإعلان السياسي المتداعي ضربة قاصمة أخرى بنفض أكبر الأحزاب المنضوية تحت لافته يده من الاصطفاف إلى جانب موقفه من الصراع الراهن، حيث توالت التصريحات من رئيس حزب الأمة القومي المكلف، وأمينه العام المغردة خارج سرب هذا التحالف، بتبني مواقف متقاربة مع مطالب العسكريين وتحالف قحت الأخرى الداعية لحل وإعادة تشكيل مؤسسات الانتقال الراهنة، وهو ما يقود بالضرورة إلى تسريع عملية الفرز السياسي الجارية حالياً، ويفقد تحالف قاعة الصداقة الأول أهم كروته من خلال وجوده الكثيف في مفاصل الحكومة الحالية، بشقيها السيادي والتنفيذي، صحيح أن حزب الأمة لم يعلن خروجه على هذه التحالف، لكنها تبقى مسألة شكلية فالعبرة بالموقف السياسي الذي يعبر عنه بمعزل عن حلفائه.
(5)
ولكن يبقى السؤال الكبير حاضراً ما الذي يجعل مجرد تغيير تحالفات سلطة الانتقال، وبغض النظر عن الدعاوى والشعارات الكبيرة المرفوعة، ستعني بالضرورة أنها ستقود إلى وضع أفضل بتصحيح عوار ما انقضى من المرحلة الانتقالية وأزرى بها لما نكابده اليوم من فراغ سياسي، وقيادي، ودستوري أفضى إلى حالة السيولة والفوضى التي حولت البلاد إلى ساحة عراك عبثي على كراسي السلطة بلا مضمون، وبلا تعبير حقيقي عن مصالح السواد الأعظم من غمار الناس الذي يواجهون أوضاعاً مزرية اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، فتحالف (ق ح ت) الأخرى الذي يتناغم مع الجناح العسكري في معادلة الانتقال لم يقدم ما يقنع أنها رؤية جديدة مختلفة خارج سياق الأزمة الراهنة، ومثل نقيضه الآخر يطلق شعارات فضفاضة سرعان ما تختبر لتكتشف هشاشة أسسها، لتدور في الحلقة المفرغة ذاتها الموسومة بـ”التمادي في نقض العهود والمواثيق” التي أورثت البلاد كل هذا العجز والفشل عن تبني مشروع وطني متين.
(6)
يحتاج السودان في هذا الوقت العصيب من تاريخه الملئ بالحيبات والجراح إلى رجال دولة أكفاء، وقيادات ذات بصير وحكمة وعزيمة لتجنيبها أسوأ السيناريوهات التي تحركها مرارة اليأس بدلاً عن فتح طاقات الأمل، كما أن الصراع المحموم لكسب سلطة الشارع سيقود إلى المزيد من تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، ما تحتاجه البلاد فعلاً قادة دوافعهم بحجم أجندة الوطن، لا بضيق طموحاتهم الذاتية مهما تدثرت بشعارات رنانة، قادرين على تجنيب السودان مشقة السيناريو الأسوأ.

خالد التيجاني
صحيفة السوداني