![]()

دكتور عوض الحسن النور
تتناول هذه الدراسة، واقع التعليم القانوني في السودان، في ظل مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب، استناداً إلى التقرير النهائي للجنة العدلية (أكتوبر 2025) ووثائقه التكميلية، تتبع الدراسة نشأة التعليم القانوني منذ الحقبة الاستعمارية، متوقفة عند التعدد الفكري بين المؤسسات الثلاث التاريخية (جامعة الخرطوم، جامعة القاهرة فرع الخرطوم والجامعة الإسلامية)، ثم تشخص الأزمات الراهنة في ست دوائر مترابطة. تستعرض الدراسة التوصيات الرسمية المعتمدة، وتقدم قراءة مقارنة للنماذج الدولية في الاعتماد المهني، وتضيف توصيات مستحدثة حول دمج الذكاء الاصطناعي وهندسة التلقين، مع خطة تنفيذية زمنية موجزة.
الكلمات المفتاحية: التعليم القانوني، السودان، إصلاح القضاء، اللجنة العدلية، الاعتماد الأكاديمي، الذكاء الاصطناعي، هندسة التلقين، مجلس الدراسات القانونية، امتحان المعادلة.
أولاً: المدخل
ضمن مبادرة إعمار ما بعد الحرب، وبالتنسيق بين جامعة الخرطوم وعدد من الجامعات السودانية ومكتب رئيس الوزراء، تشكّلت اللجنة العدلية كواحدة من اثنتي عشرة لجنة معنية بإعادة بناء مؤسسات الدولة. من بين محاور عملها السبعة -المحكمة الدستورية، السلطة القضائية، النيابة العامة، وزارة العدل، التدريب القانوني، العدالة الانتقالية – خصّصت اللجنة محوراً كاملاً لملف “مناهج كليات القانون والتعليم القانوني”، باعتباره الرافد الذي يُغذِّي كل الأجهزة العدلية الأخرى بالكوادر.
استند هذا المحور إلى وثيقتين تكميليتين: مذكرة تأصيلية موجزة تتتبع نشأة التعليم القانوني في السودان وقضاياه الكبرى (ورقة بروفيسور عبد الله إدريس)، وورقة بحثية موسّعة بعنوان “التعليم القانوني في السودان: الواقع والمأمول” أعدّتها لجنة متخصصة، إضافةً إلى التوصيات الرسمية التي اعتمدتها اللجنة العدلية نفسها في تقريرها النهائي. هذا المقال محاولة لتلخيص هذه المواد الثلاث في سردية واحدة مقروءة، مع إضافة رؤى مستحدثة حول الذكاء الاصطناعي وهندسة التلقين، وخطة تنفيذية مقترحة، تمهيداً لفتح الباب أمام رأي أوسع من المهتمين.
ثانياً: جذور المشكلة – كيف نشأ التعليم القانوني السوداني؟
يستند هذا القسم أساساً إلى ورقة “الوضع الراهن للتعليم القانوني ودواعي الإصلاح” التي أعدّها بروفيسور عبد الله إدريس، رئيس اللجنة العدلية ووزير العدل الأسبق، وأستاذ بكلية القانون – جامعة الخرطوم.
النشأة والتطور التاريخي
تعود بدايات التعليم القانوني في السودان إلى الحقبة الاستعمارية، حين أُنشئ قسم القضاء الشرعي عقب صدور قانون المحاكم الشرعية سنة 1902، ثم أُسّست مدرسة لتأهيل قضاة المحاكم المدنية سنة 1936 تحوّلت لاحقاً إلى كلية القانون بجامعة الخرطوم سنة 1947. توازى ذلك مع نشأة كلية الشريعة، قبل أن تندمج المسارات في درجة واحدة هي بكالوريوس القانون سنة 1972.
وإلى جانب هذا المسار، تطور التعليم القانوني مبكراً في مسارين موازيين:
أولاً: جامعة القاهرة فرع الخرطوم (تأسس 1955) التي اتخذت من منهج جامعة القاهرة الأم -القائم على القانون المصري ذي الأصول الفرنسية – أساساً لدراستها، فأضافت بُعداً مقارناً مختلفاً عن المدرسة السودانية – الإنجليزية التي نهجتها جامعة الخرطوم.
ثانياً: الجامعة الإسلامية (أم درمان الإسلامية حالياً) التي تطورت من معاهد دينية إلى جامعة شاملة، وتميزت بمنهج تأصيلي يزاوج بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية، ما جعلها تمثل مدارس فكرية مختلفة في فهم القانون وتطبيقه.
هذا التعدد في المنابع الفكرية – الذي يعكس التنوع الثقافي في السودان نفسه – كان محوراً لجدل قديم حول توحيد التعليم القانوني؛ إذ شُكِّلت لجنة عام 1976 خصيصاً لمعالجة هذا التباين في المناهج والفكر بين هذه المؤسسات الثلاث، خوفاً من أن يتمخّض عن “انقسامات وخصومات مهنية في الفكر القانوني السوداني” تؤثر في تصريف العدالة. وهذا التعدد – الذي أغفلته معظم التشخيصات اللاحقة – يُعد جزءاً أصيلاً من أزمة التعليم القانوني، لا يقل أهميةً عن التوسع الكمي، لأنه يطرح سؤالاً جوهرياً: أيّ قانون نُعلّم؟
ثورة التعليم العالي وتداعياتها
ظلّت كليات القانون الثلاث تُخرِّج القانونيين حتى ثمانينيات القرن الماضي، إلى أن جاء ما يُعرف بـ”ثورة التعليم العالي” سنة 1989، والتي ضاعفت أعداد المقبولين وسمحت للقطاع الخاص بالاستثمار في التعليم العالي. النتيجة، وفق إحصاءات وزارة التعليم العالي التي تستشهد بها الوثائق، أن عدد كليات وأقسام القانون في البلاد بلغ 54 كلية وقسماً (29 بالجامعات الحكومية، 6 بالجامعات الخاصة، و19 قسماً ضمن كليات جامعية أخرى)، أي أن نحو 34% من مؤسسات التعليم العالي في السودان باتت تحوي كلية أو قسماً للقانون.
يصف بروفيسور إدريس هذا التوسع بأنه “عشوائي”، ويَعتبره السبب الرئيسي في تدهور المستوى العام، مستشهداً بأن أغلب هذه الكليات تفتقر للحد الأدنى من الأساتذة المؤهلين وتعتمد أساساً على محاضرين متعاونين من المحامين، وأن بعض مناهجها لا تغطي مواد قانونية أساسية، بل إنّ كلية القانون بجامعة السودان المفتوحة لا تشترط حداً أدنى من النجاح في الشهادة السودانية للقبول، ومع ذلك يُسمح لخريجيها بالتقدم لامتحان مزاولة المهنة.
“القانون مهنة كالطب والهندسة”
من أبرز ما تطرحه ورقة بروفيسور إدريس مقارنة دالّة: فكما أن حصول الطالب على شهادة من كلية الهندسة لا يؤهله للعمل كمهندس إلا بعد تسجيله في المجلس الهندسي، والذي بدوره لا يعترف بالكلية إلا بعد التأكد من استيفائها لشروط المنهج وتأهيل الأساتذة، ينبغي أن يُعامَل القانون بالمنطق ذاته. وتكشف الورقة عن خلفية مهمة، أن لجنة الدراسات القانونية سبق أن أعدّت – بالتشاور مع عدة جهات رسمية وأهلية – مشروع قانون لإنشاء “مجلس للدراسات القانونية” يملك سلطة اعتماد كليات القانون، ولقي ترحيباً من وزير العدل حينها (د. عوض الحسن)، لكن قيادة الهيئة القضائية اعترضت عليه دون توضيح أسباب اعتراضها. تلخص الورقة إلى أن الجهات المشرفة الحالية على التعليم القانوني فشلت في وقف زيادة عدد الكليات أو التدهور المستمر، لأن قراراتها – خلافاً لمجلس مهني ملزم – تبقى مجرد توصيات يمكن تجاوزها.
ثالثاً: التشخيص المتكامل – أين تكمن الأزمة؟
استناداً إلى كل من ورقة بروفيسور إدريس وورقة “الواقع والمأمول”، يمكن تجميع الأزمة في ست دوائر مترابطة:
1: التوسع الكمي مقابل تراجع الجودة
زاد عدد كليات القانون وأعداد الطلاب بصورة مطّردة، دون أن يقابل ذلك توسع مماثل في عدد الأساتذة المؤهلين أو الموارد. الشاهد الذي تسوقه الوثائق (نتائج امتحانات تنظيم مهنة القانون” المعادلة”) ويورد التقرير أن إجمالي العدد المخطط للقبول بكافة كليات القانون بالبلاد للعام الحالي بلغ نحو 12,876 طالباً، وهو ما يمثل زيادة نسبتها 1,187% عن الأعداد المقبولة قبل ثورة التعليم العالي، و1,270% منذ بداية الثورة.
2: أزمة الأساتذة المؤهلين
هجرة الكفاءات لأسباب اقتصادية، وتوقّف الابتعاث الخارجي والاستعانة بأساتذة أجانب (كما كان الحال في العقود الأولى لكلية الخرطوم)، دفعا أغلب الكليات للاعتماد على محاضرين متعاونين من المحامين، كثير منهم يفتقر للتأهيل الأكاديمي. وتشير الدراسات إلى أن 99% من كليات القانون لا تنطبق عليها الحد الأدنى من مواصفات البنية التحتية والتأهيلية.
3: ضعف اللغتين
تُشخّص الوثائق إشكالية لغوية مزدوجة: سياسة التعريب التي تبنّتها الدولة سنة 1970 لم تُواكَب بتأهيل كافٍ للمصطلح القانوني العربي، بينما تراجع مستوى اللغة الإنجليزية -رغم أهميتها لفهم القوانين والسوابق المتوارثة من النظام الإنجليزي وللعمل في السوق الإقليمي والدولي- حتى بات غيابها، بحسب الورقة، أحد أسباب خسارة الدولة قضايا دولية (تُورَد كمثال قضية اتفاقية خط أنابيب النفط). ويُقدّر أن 99% من الكليات لا تدرس مقررات قانونية باللغة الإنجليزية.
4: غياب الرقابة المؤسسية على الجودة
لا توجد جهة مركزية ذات صلاحية إلزامية لاعتماد كليات القانون أو تجميد الكليات المخالفة؛ فمشروع قانون “مجلس الدراسات القانونية” الذي أعدّته لجنة الدراسات القانونية بالتشاور مع عدة جهات، وحظي بترحيب وزير العدل آنذاك، اصطدم باعتراض غير مُعلَّل من قيادة الهيئة القضائية. وتشير التقديرات إلى أن 99% من كليات القانون لا تستوفي معايير “الكلية الأنموذج” التي وضعتها لجنة الدراسات القانونية عام 2016.
5: انفصال التعليم عن حاجات سوق العمل والمهنة
ضعف الربط بين المناهج والتطبيق العملي (المحاكم الصورية، العيادات القانونية، التدريب الميداني)، وغياب ثقافة البحث العلمي القانوني، وجمود المناهج عن مواكبة التطورات التشريعية والتقنية (كالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني). كما تعاني كليات القانون من ضعف التمويل، حيث لم تلتزم الدولة بنسبة 4% من الدخل القومي للتعليم العالي.
6: ضعف منظومة الدراسات العليا
تُواجه الدراسات العليا في مجال القانون مجموعة معقدة من المشاكل، تشمل ضعف البنى التحتية والمكتبات، وقصور المناهج عن مواكبة التطورات، ومشاكل الإشراف الأكاديمي، وضعف مهارات البحث العلمي، وغياب التخصص الدقيق، وعدم الربط بخطط التنمية واحتياجات سوق العمل، إلى جانب ضعف التمويل والظروف السياسية والاقتصادية المتردية. كما أنّ التوسع غير المدروس في برامج الدراسات العليا قد أسهم في إضعاف مستوى التأهيل، وأصبحت بعض الشهادات التي تمنحها بعض الجامعات السودانية غير معترف بها دولياً.
رابعاً: من الأنموذج إلى الواقع – فجوة “الكلية النموذجية”
يُسجَّل للجنة الدراسات القانونية أنها وضعت سنة 2016 مواصفات لـ”الكلية الأنموذج” حدّدت فيها الأهداف، ومواصفات الخريج، والمقومات الأساسية المطلوبة (بيئة تعليمية محفزة، معامل حاسوب، أمن وسلامة، أساتذة مؤهلون بنسب متوازنة مع أعداد الطلاب، مناهج متطورة تُحدَّث دورياً، وضبط لأعداد المقبولين وفق طاقة كل كلية واحتياج البلاد الفعلي من الخريجين). لكن الفجوة بين هذا الأنموذج والواقع الفعلي لأغلب الكليات، بحسب الورقة، ما تزال واسعة، حيث قدرت الدراسات أن 99% من الكليات لا تستوفي هذه المواصفات.
خامساً: ماذا اقترحت اللجنة؟ توصيات المحور السابع (التعليم القانوني)
اعتمدت اللجنة العدلية في تقريرها النهائي تسعاً وعشرين توصية تفصيلية بخصوص التعليم القانوني، يمكن تجميعها في المحاور التالية:
أ. الحوكمة وضبط التوسع
مراجعة العدد الكبير لكليات القانون القائمة (54 كلية وقسماً) عبر آليات التقويم الذاتي والاعتماد البرامجي والمؤسسي.
عدم السماح بفتح كليات قانون جديدة لفترة معقولة، مقابل الاستثمار في تأهيل الأساتذة داخلياً وخارجياً وتحسين شروط خدمتهم.
الإسراع بإجازة مشروع قانون “مجلس الدراسات القانونية” ليملك صلاحية اعتماد كليات القانون فعلياً، وتفعيل المادة 6 من قانون تنظيم مهنة القانون لسنة 1966 التي تخوّل التحقق من كفاءة الممارسين.
وقف التصديق بإنشاء أي كليات أو أقسام جديدة للقانون، ومراجعة الكليات القائمة استناداً إلى توصيات لجنة الدراسات القانونية ومعايير الجودة الشاملة والاعتماد.
ب. المناهج والبرامج
توحيد مناهج ومقررات التعليم القانوني بما يخدم النظام العدلي السوداني ويعزز مكانة السودان داخلياً وخارجياً.
ربط المناهج بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي (اقتصاد، علم اجتماع، حاسوب، إدارة عامة) وبأبعادها الفيدرالية (كأن تُعنى كليات الولايات الشمالية بقوانين الأراضي، وكليات الغرب بالقانون العرفي، وكليات الشرق بالقانون البحري)، مع الحفاظ على رابط وطني موحّد بين جميع البرامج.
وضع منهج وطني محدد لمقررات القانون الدولي العام يخدم قضايا السودان الحدودية والبحرية.
تبني نظام الساعات المعتمدة لإتاحة المرونة في تطبيق البرامج الأكاديمية.
ضرورة أن تجمع الخطط الأكاديمية وطرق التدريس بين الجوانب النظرية والتطبيقية والمنهجية المقارنة، مع التحديث الدوري للمناهج.
رأي مولانا محمد محمود أبو قصيصة
نائب رئيس القضاء السابق وعضو المحكمة الدستورية السابق في كتابة المهم الذي صدر حديثاً (مذكرات في القضاء والقانون)، ويتحدث عن دروس في التشريع السوداني في الجامعات السودانية وكان عضواً في مجلس كلية القانون بجامعة جوبا، إذ أنه لمس ضعف الإلمام بالتشريعات السودانية من خلال الأداء في التقاضي أمام المحاكم السودانية وقال: كيف يكون الإلمام ضعيفاً… وهناك عدد كبير من الجامعات التي تدرس القانون في السودان. وإن الإلمام بالقانون القومي ضروري لمن يتولى الادعاء أو الدفاع ومن يفصل في النزاع، وأن القانون ليس مجرد مادة تُدرس في الجامعات شأن المواد الأخرى التي تعتمد على المعامل والمختبرات والعلوم التي لا تعرف حدود البلد الواحد. إن دراسة القانون رمز للسيادة ورمز للانتماء للبلد، ثم أولاً وأخيراً تطبيق للعدالة وإنصاف المتقاضين أمام المحاكم السودانية التي عليها أن تحكم بالعدل بين المواطنين في بلدهم وفق نصوص التشريعات السودانية. وأورد قضية مهمة عرضت أمامهم في المحكمة العليا بالتعليق التالي: (… لم تأخذ منا تلك الدعوى كبير وقت عند نظر الطعن في القرارات الصادرة من المحاكم الأدنى. هذه الدعوى لا يحكمها قانون المعاملات المدنية… وإنما يحكمها قانون التخطيط العمراني وقانون تفسير القوانين والنصوص العامة… (أرجو الاطلاع على تفاصيل القضية والاطلاع على الكتاب المهم)، وطبعاً هذه القوانين لا تُدرس في الجامعات السودانية رغم أهميتها وأضم صوتي لصوت أستاذي أبو قصيصة لتدريس التشريعات السودانية التي تمس حقوق السودانيين، ومن بينها قانون التخطيط العمراني ذي الأهمية القصوى للتطور في مجال الأراضي وغيرها…..
ج. طرائق التدريس
تبني أساليب تعليم تشاركية وتفاعلية (كطريقة “سقراط” الحوارية، والتعلّم القائم على حل المشكلات والحالات الواقعية)، بدل الاقتصار على المحاضرة التلقينية.
توسيع التعلّم التجريبي عبر عيادات قانونية مجتمعية تُعنى بقضايا محلية ملحّة (كالاستيلاء على الأراضي، حقوق الإنسان، النزاعات البيئية)، وبرامج توجيه (Mentorship) مع خبراء موثوقين.
إدخال التحول الرقمي: منصات تعلّم إلكتروني، برامج محاكاة، ومقررات في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتحليل الرقمي بشكل تدريجي.
استخدام التكنولوجيا الرقمية في التدريس، واستناد نظام تقويم الأداء الأكاديمي على الأعمال الفصلية والامتحانات التحريرية.
د. اللغة والدراسات العليا
الاهتمام بالمستوى العالي للغتين العربية والإنجليزية معاً، مع إتاحة مساحة للغات أخرى ذات الصلة القانونية، وإعادة تأهيل الأساتذة في اللغة الإنجليزية، واستبعاد من لا تنطبق عليهم المعايير المطلوبة.
الإسراع بتنفيذ لائحة تنظيم الدراسات العليا لسنة 2022، ودعم التخصص والدراسات المقارنة على مستوى الماجستير والدكتوراة.
مراجعة وتطوير النظم واللوائح الحاكمة للدراسات العليا، وتجفيف وتجميد البرامج غير المؤهلة، واشتراط مستوى معين في اللغة الإنجليزية وامتحان قدرات للقبول، وإعادة النظر في نظام الإشراف.
هـ. الجودة والتمويل والبنية التحتية
تفعيل وحدات الجودة والتقويم الذاتي داخل الكليات وربطها بعمل مجلس الدراسات القانونية المقترح.
رفع نسبة الموازنة المخصصة للتعليم العالي إلى 4% كحد أدنى من إجمالي الدخل القومي، وتنويع مصادر التمويل الذاتي (شراكات مع القطاع الخاص، وحدات استشارية، أوقاف)، والوفاء الكامل بموازنات كليات القانون الخاصة بعد إجازتها.
ربط مكتبات الأجهزة العدلية وكليات القانون بشبكة معلومات موحدة، والاشتراك في قواعد بيانات عالمية (Lexis Nexis، West Law، وغيرها).
تفعيل دور وحدات الخريجين في نقل الخبرة المهنية إلى داخل الكليات ودعمها مادياً.
و. نظام القبول
اعتماد نظام وآلية قبول خاصة لكليات القانون، وإنشاء جهة مركزية لتنظيم اختبارات القدرات واللغة الإنجليزية كشروط مسبقة للالتحاق بعد استيفاء الشروط الخاصة بالشهادة الثانوية.
تقليص الأعداد المخططة للقبول بالتزامن مع مراجعة أوضاع الكليات.
اشتراط الحصول على حد أدنى من النسبة في مادتي اللغة العربية والإنجليزية، وليس مجرد النجاح.
توحيد المعايير الأكاديمية بين كليات القانون.
ز. البحث العلمي وخدمة المجتمع
الاهتمام بالبحث العلمي القانوني وإدماجه في المناهج الدراسية وتجويد مستواه في الدراسات العليا.
تشجيع الأساتذة على البحث العلمي الرصين والنشر، وإنشاء ودعم المراكز البحثية التابعة لكليات القانون.
إقامة شراكات علمية وبحثية بين كليات القانون والأجهزة العدلية ومعهد التدريب القضائي والقانوني.
وقف التدخلات السياسية المؤثرة على حرية البحث العلمي القانوني والشرعي ونشره.
دعم وتطوير المكتبات القانونية التقليدية والإلكترونية وربطها بمواقع وقواعد البيانات القانونية.
سادساً: حلقة مفقودة – امتحان “المعادلة” وتوصيات وزارة العدل
إلى جانب ورقتَي التعليم القانوني، تطرّقت ورقة مستقلة أعدّتها اللجنة عن وضع وزارة العدل ودورها لملف وثيق الصلة: كيفية الانتقال من “التخرج” إلى “مزاولة المهنة” فعلياً، عبر ما يُعرف بـ”امتحان المعادلة”.
بموجب المادة السادسة من قانون تنظيم مهنة القانون لسنة 1966، يملك المجلس المختص سلطة التحقق من أن العاملين بمهنة القانون يحملون مستوىً عالياً من المقدرة المهنية. لكن الورقة تلاحظ أن عمل هذا المجلس، منذ إنشائه قبل أكثر من نصف قرن، انحصر عملياً في تنظيم “امتحان المعادلة” فقط (سبع مواد قانونية بحسب المادة الرابعة من القانون)، دون أن يتحوّل إلى آلية اعتماد واعتراف حقيقية بالكليات نفسها. ومن أوجه القصور التي تُسجِّلها الورقة:
يجوز لخريج أي كلية قانون التقدّم للامتحان، حتى لو تخرّج من كلية تتبع نظام الدراسة عن بُعد، دون تحديد حد أقصى لعدد محاولات اجتياز الامتحان، مع تساهُل في منح الإعفاءات من بعض مواده.
لا يوجد برنامجٌ تدريبيٌّ نظريٌْ أو عمليٌّ إلزاميٌّ في معهد أو مؤسسة معتمدة كشرط للتقدُّم للامتحان أصلًا.
من يجتاز الامتحان لا يُخضع لأي تدريب إلزامي قبل بدء الممارسة الفعلية، خلافاً لما هو معمول به دولياً (إذ تشترط أغلب الأنظمة المقارنة -كما في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا – فترة تدريب عملي إلزامية تتراوح بين سنة وثلاث سنوات بعد الامتحان وقبل الترخيص الكامل بالممارسة).
النتيجة، بحسب الورقة، تفاوت واسع في جودة الممارسين ونقص في المهارات العملية الأساسية كإدارة القضايا والتعامل مع المتقاضين.
توصيات وزارة العدل بخصوص هذا الملف جاءت متكاملة مع توصيات التعليم القانوني، وأبرزها:
إعادة النظر في قانون تنظيم مهنة القانون بحيث يجمع بين التدريب العملي داخل كليات القانون والخبرة الميدانية، مع إدخال مواد كالأخلاقيات المهنية واللغة الإنجليزية كعناصر أساسية، ووضع معايير اعتماد للمناهج الأكاديمية والتدريبية على غرار المجالس المهنية الدولية (Accreditation)، تضعها وزارة العدل بالتعاون مع مجلس تنظيم مهنة القانون ومؤسسات التعليم العالي.
تأسيس “الأكاديمية القضائية والقانونية” كمؤسسة علمية موحّدة لمعايير التدريب الإلزامي والمستمر لكل الكوادر القانونية بالدولة، مع لجان مستقلة للامتحانات لتعزيز الكفاءة والنزاهة.
الاستفادة من الحلول المقترحة في ورقة التدريب القانوني، بما في ذلك رقمنة السوابق القضائية والتشريعات وإتاحتها عبر منصات ذكية، ودعم البحث القانوني بتقنيات الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحث.
هذا الملف يُوضح أن إصلاح التعليم القانوني وإصلاح بوابة الترخيص المهني (امتحان المعادلة) وجهان لعملة واحدة: فحتى لو تحسّنت جودة الكليات تدريجياً كما تقترح الفقرة السابقة، فإن “البوابة” الحالية نفسها -بلا سقف لمحاولات النجاح، وبلا تدريب إلزامي قبلها أو بعدها – تحتاج إصلاحاً موازياً لتؤدي فعلًا دور الضامن الأخير للجودة الذي تقوم به نظيراتها الدولية.
سابعاً: نماذج مقارنة – كيف تعمل المجالس المهنية في الدول المتقدمة؟
بما أن التوصيات تقترح مجلساً مهنياً سودانياً يملك سلطة اعتماد كليات القانون، يفيد استعراض موجز لتجربتين مرجعيتين غالباً ما يُستشهد بهما دولياً، لتحديد أي عناصرهما تخدم فكرة “تقوية الكليات القائمة” بدل إغلاقها.
النموذج الأمريكي: نقابة المحامين الأمريكية (ABA)
منذ 1952، تُعَدّ اللجنة المنبثقة عن قسم التعليم القانوني والقبول في نقابة المحامين الأمريكية (ABA) الجهة المعتمدة رسمياً من وزارة التعليم الأمريكية لاعتماد برامج الدكتوراة في القانون (JD) في عموم الولايات المتحدة. المهم في هذا النموذج أن قواعد وزارة التعليم تشترط أن تعمل هذه اللجنة بصورة مستقلة تشغيلياً عن النقابة التي انبثقت منها، رغم انتمائها الإداري لها؛ أي أن “المهنية” لا تعني تبعية مباشرة، بل استقلالية قرار داخل مظلة مهنية.
تعمل اللجنة وفق معايير منشورة ومحدّثة دورياً (Standards and Rules of Procedure)، تغطي المنهج، تأهيل هيئة التدريس، البنية التحتية، ونسب النجاح في امتحان مزاولة المهنة. والأهم لسياق “التقوية بدل الإغلاق”: الاعتماد لا يُمنح أو يُسحب دفعة واحدة، بل عبر مسار تدريجي يبدأ باعتماد “مبدئي” (Provisional) تليه سنوات من زيارات ميدانية وتقييمات دورية قبل الاعتماد الكامل. بعبارة أخرى: الأداة الأساسية للمجلس ليست “الإغلاق”، بل خطط تحسين مصحوبة بمهل زمنية ومتابعة.
النموذج البريطاني: هيئة تنظيم المحامين (SRA) والامتحان الموحد (SQE)
اتّبعت إنجلترا وويلز منذ 2021م، مساراً مختلفاً وربما أكثر ملاءمة لواقع تعدد الكليات في السودان: بدل أن تتولى كل جامعة اعتماد خريجيها مهنياً كما كان معمولاً به سابقاً عبر “الدرجة القانونية المؤهِّلة”، فصلت الهيئة التنظيمية (SRA) تماماً بين الدرجة الأكاديمية التي يمنحها أي كلية قانون – مهما كان مستواها – وبين الترخيص بمزاولة المهنة، الذي بات يمر حصراً عبر امتحان مركزي موحد (SQE) تشرف عليه الهيئة نفسها بمعزل عن الجامعات، إلى جانب اشتراط خبرة عمل مؤهلة مدتها سنتان.
ميزة هذا النموذج أنه لا يحتاج إلى إغلاق أي كلية ليضمن الجودة: يمكن لأي عدد من الكليات أن تستمر في القبول والتدريس، لكن “بوابة” مزاولة المهنة الموحدة والصارمة هي التي تضمن ألّا يمارس القانون فعلياً إلّا من استوفى معياراً وطنياً واحداً، بصرف النظر عن تفاوت جودة الكليات الأصلية.
ما الذي يمكن أن يستفيد منه السودان من النموذجين معاً؟
تبني مسار اعتماد تدريجي ومشروط (كما في النموذج الأمريكي) بدل قرار إداري بالإغلاق: اعتماد مبدئي، فمهلة تحسين، فمتابعة، فاعتماد كامل أو سحبه فقط في حال استمرار المخالفة.
تعزيز دور امتحان “المعادلة” (امتحان تنظيم مهنة القانون) القائم أصلاً في السودان بموجب المادة السادسة من قانون 1966 – بدل استحداث بوابة جديدة – عبر تشديد ضوابطه (سقف لعدد المحاولات، تدقيق الإعفاءات، تدريب إلزامي قبله وبعده كما تقترح وزارة العدل) وتوحيد معاييره على مستوى البلاد، ليصبح “بوابة” وطنية موحدة على غرار SQE، بحيث لا تتفاوت قيمة الترخيص المهني بتفاوت الكلية، حتى في ظل استمرار كليات متفاوتة الجودة قائمة.
نشر بيانات الأداء لكل كلية (نسب نجاح خريجيها في امتحان المزاولة، نسب الأساتذة المؤهلين، إلخ) بصورة علنية ودورية، كما تفعل ABA بمعلومات كل مدرسة، بحيث تكون الشفافية والمنافسة على السمعة أداة ضغط إضافية لرفع المستوى، توازي عمل المجلس الرقابي دون الحاجة لإجراءات إغلاق فورية.
الإبقاء على استقلالية القرار الفني للمجلس المهني المقترح عن الضغوط النقابية أو الإدارية المباشرة، وهو الدرس الأبرز من التجربة الأمريكية، خصوصاً أنّ التوصيات نفسها تشير إلى أنّ اعتراض قيادة الهيئة القضائية غير المُعلَّل هو ما عطّل مشروع قانون مشابه سابقاً.
ثامناً: توصيات مستحدثة – دمج الذكاء الاصطناعي وهندسة التلقين
انطلاقاً من التحول الرقمي العالمي، وتماشياً مع توصيات اللجنة في محور “طرائق التدريس” و”التحول الرقمي”، تقترح هذه الورقة إضافة التوصيات التالية إلى حزمة توصيات اللجنة الأصلية:
التوصية المقترحة (30): إدراج الذكاء الاصطناعي في مناهج كليات القانون
أ. المقررات الدراسية:
إضافة مقرر إجباري بعنوان “التطبيقات القانونية للذكاء الاصطناعي” يشمل:
البحث القانوني المتقدم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي (كـWestlaw، LexisNexis، وتقنيات RAG).
تحليل المستندات والعقود آلياً.
الأخلاقيات والقانون الرقمي (حقوق النشر، التحيز الخوارزمي، المسؤولية عن مخرجات الذكاء الاصطناعي).
دراسة معايير الجودة الدولية ذات الصلة، كـISO/IEC 42001 لأنظمة إدارة الذكاء الاصطناعي.
ب. هندسة التلقين (Prompt Engineering):
تدريب الطلاب على مهارة صياغة التعليمات (التلقينات) المُوجّهة لنماذج اللغة الكبيرة (كـChatGPT، Claude) بطريقة منهجية تضمن دقة المخرجات القانونية وتجنب الأخطاء (AI Hallucinations).
التركيز على مبدأ “المراجعة البشرية الإلزامية” (Human-in-the-Loop)، حيث تُعتبر مخرجات الذكاء الاصطناعي مجرد مسودة أولية تُخضع للمراجعة والتحقق من قِبل الخبير القانوني المؤهل.
ج. البنية التحتية الرقمية:
إنشاء منصة وطنية للذكاء الاصطناعي القانوني، بالتنسيق بين وزارة العدل وهيئة القضاء والجامعات، تُتيح:
رقمنة السوابق القضائية والتشريعات مع خاصية البحث الذكي والتحليل الآلي.
محاكم صورية (Moot Courts) تفاعلية تستخدم محاكاة الذكاء الاصطناعي لتوفير سيناريوهات تدريبية متطورة.
د. الميثاق الأخلاقي:
وضع ميثاق أخلاقي وطني لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم القانوني والممارسة المهنية، يحدد الضوابط والمسؤوليات، بما يتوافق مع المعايير الدولية وأحكام قانون تنظيم مهنة القانون.
تاسعاً: الخطة التنفيذية الموجزة (المدة، التكلفة، الحوار، دور الدولة)
تُقدّر المدة الزمنية لتنفيذ خطة إصلاح التعليم القانوني بخمس سنوات، موزعة على ثلاث مراحل: سنة أولى للإجراءات العاجلة (وقف التصديق، إجازة قانون مجلس الدراسات القانونية، وتشكيل اللجنة الوطنية للمراجعة)، وسنتان متوسطتان لتوحيد المناهج وتطبيق نظام الساعات المعتمدة وبدء تأهيل الأساتذة وإدراج مقررات الذكاء الاصطناعي، وسنتان أخيرتان لإكمال الاعتماد المؤسسي والبرامجي، وإنشاء الأكاديمية القضائية والقانونية، وتطوير نظام الامتحان الوطني الموحد للمزاولة.
أما التكلفة التقديرية على خمس سنوات، تشمل تأهيل البنى التحتية (40%)، تدريب الأساتذة والابتعاث (25%)، التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي (20%)، ودعم المكتبات وقواعد البيانات (15%)، ويمكن توفيرها عبر رفع ميزانية التعليم العالي إلى 4% من الدخل القومي، والشراكات مع القطاع الخاص، والصناديق الوقفية، والدعم الدولي المقدم في سياق إعادة الإعمار.
أما الحوار المجتمعي فيتم عبر مؤتمر وطني جامع للعدالة (6 – 9 أشهر) يضم الأكاديميين والقضاة والمحامين وطلاب القانون والمجتمع المدني، يليه ورش تخصصية (3 أشهر) لصياغة التفاصيل، ثم جلسات تشاورية بالولايات (شهران) لضمان البُعد الفيدرالي، قبل رفع المخرجات لصناع القرار.
ودور الدولة يتمثل في: تشريعياً، إجازة قانون مجلس الدراسات القانونية وتعديل قانون تنظيم مهنة القانون؛ تنفيذياً، الالتزام بتمويل الخطة وتوفير البنى التحتية وتأمين استقلالية الأكاديمية والمجلس؛ رقابياً، متابعة التنفيذ عبر تقارير دورية (سنوية) تقدم للبرلمان والرأي العام، مع إعلان بيانات أداء الكليات ونتائج الامتحان الموحد شفافيةً وضغطاً إيجابياً للارتقاء بالجودة.
عاشراً: قراءة إضافية – ما الذي يستحق نقاشاً أوسع؟
كما تلاحظون تداخل التعليم القانوني مع التدريب في الأجهزة العدلية وكيف عالج العالم متطور هذا الأمر واختصاصات وزارة العدل المسؤولة عن تنظيم مهنة القانون، مما سيثير كثيراً من المسائل الشائكة أرجو التركيز على التعليم القانوني، وسأتعرّض للتدريب في المقال الثالث إن شاء الله.