الجيش السوداني: من إرث الاستعمار إلى مأزق الدولة المنهارة

الجيش السوداني: من إرث الاستعمار إلى مأزق الدولة المنهارة

Loading

منذ تأسيسه في الحقبة الاستعمارية، لم يُبنَ الجيش السوداني كمؤسسة وطنية تعكس تطلعات السودانيين أو تحرس مشروعهم الدستوري، بل تشكّل في الأصل كأداة لضبط المجال السوداني وحماية المصالح الاستعمارية. ولهذا حملت بنيته منذ البداية تناقضات عميقة: قيادة مرتبطة بمركز السلطة، وجنود يُستقدمون من الأطراف المهمشة لخوض حروب لا تعود عليهم إلا بالمزيد من التهميش والفقر. تلك البنية لم تُراجع بعد الاستقلال، بل ورثتها الحكومات الوطنية وأعادت إنتاجها بأشكال أكثر تعقيداً وخطورة.
ومع مرور العقود، لم تتطور المؤسسة العسكرية إلى جيش قومي مهني يخضع للدستور والإرادة الشعبية، بل تحولت تدريجياً إلى مركز قوة سياسي واقتصادي يرى نفسه وصياً على الدولة لا جزءاً منها. ومن هنا ظهرت ظاهرة تعدد الجيوش والميليشيات كأحد أخطر أعراض الأزمة السودانية، حيث صار كل نظام سياسي يبحث عن قوة موازية تحميه حتى من جيشه نفسه. فشهد السودان تكوين قوات رديفة ومليشيات متعددة، وصولاً إلى التجربة الأكثر كارثية مع قوات الدعم السريع التي نمت خارج الإطار المهني التقليدي حتى أصبحت قوة تنافس الدولة ذاتها في السلاح والمال والنفوذ.
هذه الظاهرة لم تكن مجرد خطأ سياسي عابر، بل نتاج عقيدة حكم قائمة على إدارة التوازنات بالعنف، واستغلال التهميش الاجتماعي والقبلي في صناعة أدوات الحرب. فبدلاً من بناء دولة المواطنة، جرى توظيف أبناء المناطق المهمشة في صراعات داخلية أنهكت المجتمعات المحلية وعمّقت الانقسامات الوطنية، خاصة في دارفور، جنوب كردفان، جنوب النيل الازرق، وغيرها من مناطق النزاع. ومع توسع اقتصاد الحرب، تحولت الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الذهب، إلى مصدر تمويل مباشر للمليشيات والجماعات المسلحة، فأصبحت الحرب نفسها مشروعاً اقتصادياً يستفيد منه أمراء السلاح أكثر من كونه صراعاً سياسياً قابلاً للحل.
أما الأزمة الأعمق، فهي انفصال المؤسسة العسكرية عن وظيفتها الدستورية. فمنذ الاستقلال ظل السودان رهينة الانقلابات العسكرية ومحاولات الاستيلاء على السلطة، في مشهد يكشف غياب الإيمان الحقيقي بالديمقراطية والتداول السلمي للحكم. وكان انقلاب أكتوبر 2021 محطة مفصلية أعادت البلاد إلى دائرة الانهيار، وأسهمت بصورة مباشرة في الوصول إلى حرب أبريل 2023 التي فتحت أبواب الكارثة الإنسانية على مصراعيها.
واليوم يدفع المواطن السوداني الثمن الأكبر: ملايين النازحين واللاجئين، انهيار اقتصادي غير مسبوق، مجاعة تهدد مناطق واسعة، وجرائم حرب وانتهاكات موثقة مزقت النسيج الاجتماعي وأدخلت البلاد في حالة من التشظي السياسي والجغرافي الخطير. ولم تعد الأزمة مجرد مواجهة بين جيش وميليشيا، بل تحولت إلى أزمة وجود دولة كاملة فقدت احتكارها المشروع للعنف وفشلت في بناء عقد وطني جامع.
ورغم هذا المشهد القاتم، فإن الخروج من الأزمة ما يزال ممكناً إذا توفرت الإرادة الوطنية الحقيقية. البداية يجب أن تكون بتفكيك عقيدة “الجيوش المتعددة” وحصر السلاح في مؤسسة عسكرية مهنية واحدة تمثل كل السودانيين دون إقصاء أو هيمنة جهوية. كما أن إخراج المؤسسة العسكرية من النشاط الاقتصادي أصبح ضرورة لا يمكن تجاوزها، لأن امتلاك القوة العسكرية والثروة الاقتصادية معاً يجعل أي تحول ديمقراطي رهينة لموازين القوة لا لصناديق الاقتراع.
ويظل الحل المستدام مرتبطاً بإطلاق عملية سياسية ودستورية شاملة تؤسس لدولة المواطنة والعدالة، دولة تُبنى على المشاركة لا الاحتكار، وعلى سيادة القانون لا سلطة السلاح. كما أن العدالة الانتقالية الحقيقية، والتنمية المتوازنة، والشفافية في إدارة الموارد، تمثل شروطاً أساسية لمنع إعادة إنتاج الأزمة بصورة جديدة.
إن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما أن يستفيد من هذا الخراب لبناء دولة مدنية ديمقراطية يكون الجيش فيها خادماً للدستور والشعب، أو يستمر في الدوران داخل الحلقة ذاتها التي أهدرت الأرواح والموارد لعقود طويلة. فالأوطان لا تنهار فقط بالحروب، بل حين تتحول مؤسساتها من أدوات لحماية المواطن إلى أدوات للسيطرة عليه. والتاريخ لن يرحم الذين أضاعوا فرصة إنقاذ ما تبقى من وطن يتآكل تحت وطأة البنادق والانقسامات.