حين يبكي القلب بصمت… عبد المنعم عمر  عثمان ووجع الغياب الحاضر

حين يبكي القلب بصمت… عبد المنعم عمر  عثمان ووجع الغياب الحاضر

Loading

هناك أشخاص لا يمرّون في حياتنا عبوراً عادياً، بل يتركون في الذاكرة مقاعد مضيئة، ويفتحون في القلب نوافذ لا تُغلق. ومن هؤلاء الأخ الحبيب، الريّس  عبد المنعم عمر عثمان ،  ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد اسم في مجالس الأنس، ولا مجرد وجه مألوف في منتديات الرياض، بل كان وطناً صغيراً يمشي بين الناس، وبيتاً مفتوحاً للضيوف، وقلباً واسعاً يتسع للمحبة والرفقة والوفاء.

وحين يمرض أمثال عبد المنعم، لا يمرض جسد واحد فقط، بل ترتجف معه ذاكرة كاملة من المواقف الجميلة، والليالي الندية، والجلسات العامرة بالمزاج الرايق، والضحكات الصافية، والكلمات التي كانت تصنع من الوقت العادي وقتاً استثنائياً. فهناك رجال إذا غابوا عن مجلسٍ، شعرت المقاعد بالفراغ قبل أن يشعر به الناس، وإذا سكت صوتهم، افتقدت الأمكنة معناها وبهجتها.

كان عبد المنعم عمر، في الرياض، نعمةً من نعم الألفة السودانية الأصيلة؛ رجل بيتٍ وناس، وصاحب باب لا يعرف الانغلاق، وقائد رابطة الصالحية، وراعي المنتدى الثقافي، وصاحب البيت الكبير الذي لم يكن يُقاس بجدرانه، بل بما فيه من كرم، ودفء، ووجوه جاءت من كل صوب تبحث عن المحبة فوجدتها عنده حاضرة بلا تكلف.

في حضرته كان المزاج الرايق ليس مجرد حالة عابرة، بل أسلوب حياة. كان يعرف كيف يجعل من الجلسة البسيطة مناسبة للفرح، ومن اللقاء العابر ذكرى، ومن الضيف فرداً من أهل الدار. كان يملك تلك الروح التي تُصلح ما أفسدته قسوة الأيام، وتعيد للغريب شيئاً من طمأنينة الأهل، وللمتعب شيئاً من دفء الصحبة.

واليوم، حين نسمع أنه طريح الفراش، ينهض السؤال موجعاً من أعماق القلب: أين ذلك المزاج الرايق؟ أين ابتسامة الريّس؟ أين صوت المجلس حين يكتمل بحضوره؟ أين دفء البيت المفتوح، ورائحة القهوة، وملامح الرفاق وهم يلتفون حول رجلٍ لم يكن يجمعهم بالمكان فقط، بل كان يجمعهم بروحه؟

لكننا نؤمن أن المرض ابتلاء عابر، وأن الدعاء الصادق يطرق أبواب السماء، وأن الله أرحم بعباده من قلوبنا عليهم. وعبد المنعم عمر، بما زرعه من محبة في قلوب الناس، يملك اليوم رصيداً عظيماً من الدعوات. فكل من جلس في بيته، وكل من وجد عنده مودة، وكل من أكرمه يوماً بكلمة أو موقف، يرفع كفيه الآن قائلاً: اللهم اشفه شفاءً لا يغادر سقماً، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وردّه إلى أهله وأحبابه سالماً معافى.

إن المقال هنا ليس رثاءً، معاذ الله، بل هو صرخة محبة في وجه المرض، ورسالة وفاء لرجلٍ يستحق أن يُذكر وهو بيننا بالدعاء والتقدير. فالرجال الكبار لا ننتظر غيابهم لنكتب عنهم، بل نكتب عنهم وهم أحياء، لأن الوفاء في حضرة الحياة أصدق، وأجمل، وأنبل.

أخي الحبيب الريّس عبد المنعم عبد المنعم عمر، شفاك الله وعافاك، وأعاد إليك عافيتك ومزاجك الرايق، وأعادك إلى مجالسك وأحبابك وبيتك الكبير. فما زال في القلب كلام كثير، وما زالت الدموع تحكي الحكاية حين يعجز اللسان، وما زالت المحبة تنتظر عودتك كما ينتظر المسافر ضوء الفجر بعد ليل طويل.

سلامتك يا رجل المواقف والكرم والأنس الجميل… سلامتك يا عبد المنعم عمر، فالناس لا تشتاق للأماكن وحدها، بل تشتاق للقلوب التي جعلت تلك الأماكن وطناً.