![]()
على مدى عقدين، تغيّرت المشاهد عسكريًا وإنسانيًا، سواء على مستوى المعارك أو على صعيد النازحين من جنوب لبنان، المنطقة التي تُعد من أكثر المناطق تضررًا جراء العمليات العسكرية.
ففي عام 2006، شكّلت الحرب التي استمرت 33 يومًا محطة مفصلية في تاريخ لبنان، إذ أعادت تشكيل المشهد السياسي والأمني، واعتُبرت نقطة تحول كبرى، خصوصًا بعد إعلان “حزب الله” حينها ما وصفه بانتصار على إسرائيل، بالتزامن مع صدور القرار الدولي 1701 الذي مهّد لوقف الأعمال القتالية.
بعد 20 عامًا، وتحديدًا في 2026، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام حرب جديدة، امتدادًا لصراع بدأ فعليًا في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وتصاعد تدريجيًا وصولًا إلى ذروته في سبتمبر/ أيلول 2024.
ورغم وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، ظلّ الواقع أقرب إلى “نصف حرب”، مع استمرار الخروقات والاستهدافات الإسرائيلية شبه اليومية، قبل أن يتدهور المشهد مجددًا ابتداءً من 2 مارس/ آذار 2026، ثم تُعلن هدنة مؤقتة جديدة في منتصف أبريل/ نيسان.
هذا الواقع يطرح سؤالًا أساسيًا:
لماذا تعود ذاكرة 2006؟
الإجابة أن حرب 2006 كانت أول مواجهة كبرى بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وقد تركت جرحًا عميقًا لم يندمل، ومع حرب 2026 عاد هذا الجرح ليتجدد، وسط اتساع رقعة الخطر لتشمل معظم الأراضي اللبنانية، لا الجنوب فقط.
من هنا، تبرز المقارنة بين الحربين: ما الذي تغيّر؟ وكيف اختلفت التجربة بين زمنين يفصل بينهما عقدان من التحولات العسكرية والتكنولوجية؟ وكيف يروي من عاشوا الحربين هذه الفروقات؟
موقع التلفزيون العربي عاد إلى حرب 2006 عبر شهادات من عايشوها، لمقارنة ما جرى آنذاك بما يحدث في حرب 2026، من خلال روايات مسعفين ومدنيين وصحفيين وعسكريين.
“كل شيء اختلف”.. مسعف بين جرحين
بين عامي 2006 و2026، يستعيد المسعف اللبناني ربيع عيسى ذاكرته إلى الوراء، مسترجعًا تجربته في الحربين، وما حملتاه من تحديات مختلفة.
عيسى، وهو عنصر في الدفاع المدني التابع لجمعية “كشافة الرسالة الإسلامية”، يمتلك أكثر من 20 عامًا من الخبرة في العمل الإسعافي، خاض خلالها تجربتين حربيتين متباينتين في ظروفهما وتفاصيلهما، رغم ثبات الهدف: إنقاذ الأرواح.
يقول عيسى لموقع التلفزيون العربي إنه أصيب خلال حرب 2006 إثر غارة إسرائيلية استهدفته مع رفاقه أثناء مهمة إسعافية في منطقة الغازية قرب صيدا جنوب لبنان، وما زال يحمل آثار تلك الإصابة حتى اليوم.
ورغم ذلك، واصل عمله الإغاثي، مؤكدًا أن “شعارنا هو خدمتكم رسالتنا”، وأن دماء شهداء 2006 وما بعدها شكلت دافعًا للاستمرار رغم المخاطر.
ويضيف: “لا شكّ أن العدو واحد، في حين أن العدوان يبقى عدوانًا، لكن في 2006 كان القصف الجوي المكثف وتدمير البنى التحتية هو السائد لفرض الضغط”.
أما في 2026، فيقول إن الحرب شهدت تحولًا جذريًا، إذ برز الاعتماد الكبير على التكنولوجيا، إلى جانب القصف التقليدي التدميري.
ويوضح: “في 2006 كان الاعتماد على طائرات F-15 وF-16 مع استخدام محدود للمسيّرات، أما في 2026 فقد دخلنا عصر القتال بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف وتنفيذ الاغتيالات بدقة عالية”.
ويتابع أن جهاز الدفاع المدني في كشافة الرسالة الإسلامية تطور بشكل كبير، من عمل تطوعي إلى منظومة احترافية تعتمد غرفة عمليات مركزية وتقارير ميدانية دقيقة، مع تحسن كبير في آليات التنسيق والاستجابة، رغم استمرار استهداف الطواقم الطبية وارتفاع الخسائر البشرية في صفوفها.
ويشير إلى أن التحديات في 2026 تضمنت ضغطًا نفسيًا وجسديًا أكبر، إلى جانب صعوبات الحركة بسبب الدمار الواسع، واستخدام تقنيات حديثة في المسح الميداني قبل الدخول إلى المواقع.
ويُكمل عيسى مسار المقارنة خلال شرحه قائلًا: “في العام 2006، كانت الإمكانيات اللوجستية محدودة مقارنة بحجم العدوان، مع صعوبات كبيرة في الاتصالات ونقل الجرحى تحت القصف الجوي الكثيف، فيما تركز العمل في القرى والبلدات الجنوبية والضاحية الجنوبية لبيروت لمواجهة تداعيات العدوان المباشر”.
ويضيف: “في العام 2026، فقد شهد الجهاز تطورًا في آليات الإسعاف والإنقاذ، واستخدام تقنيات حديثة في المسح الميداني للتأكد من خلو المواقع من إصابات. أيضًا، خلال حرب العام 2026، تتحرك الفرق إثر الغارة مباشرة لتفقد الأماكن وتأمين السلامة العامة، وهو ما يعكس جهوزية أعلى”.
“2006 لا شيء مقارنة بـ2026”.. مدني تحت عين المسيّرات
ما يعيشه كثيرون خلال حرب عام 2026 يدفعهم إلى استعادة، بشكل تلقائي، ما مرّوا به قبل 20 عامًا. غير أن المفارقة أن حرب 2006، رغم أهوالها ودمارها، تبدو اليوم أقل قسوة مقارنة بالحرب الحالية.
هذا ما يصرّح به “أبو علي” من بلدة سلعا في جنوب لبنان، وهو مواطن خمسيني نزح من بلدته خلال الحرب، تاركًا منزله الذي عاد إليه بعد 20 يومًا من اندلاع المعارك. وقبيل إعلان وقف إطلاق النار “المؤقت” بين 16 و17 أبريل الماضي، عاد “أبو علي” إلى منزله غير آبه بالتهديدات.
في حديث لموقع “التلفزيون العربي”، يستعيد “أبو علي” تفاصيل من حربَي 2006 و2026، لكنه يحسم المقارنة قائلًا: “حرب 2006 لا شيء مقارنة بحرب 2026”.
ويضيف:
“في عام 2006 لم أنزح ولم أترك سلعا رغم القصف. كانت الطائرات الحربية هي التي تقصف، وكنا نسمع هديرها ونتوقع الضربة، وهذا ما حصل فعلًا حين دُمّرت عدة منازل في بلدتنا وتحولت إلى ركام”.
ويلفت إلى أن منزله تضرر آنذاك، لكنه لم يغادر المنطقة، بل كان ينتقل بين منازل الجيران والأصدقاء، حيث كان الجميع يعيشون حالة قلق جماعي يخفف من حدّته التآزر الاجتماعي. ويشير إلى أنه لم يرَ زوجته وولديه طوال 33 يومًا، وكان التواصل الهاتفي محدودًا بسبب ضعف الإمكانيات حينها.
لكن ما الذي تغيّر اليوم؟
يجيب “أبو علي” بأن الفارق الجوهري في حرب 2026 هو طبيعة المراقبة والاستهداف، قائلًا: “منذ 2 مارس 2026 حتى 23 منه، بقيت في منزلي لا أتحرك إلا نادرًا، ثم شعرت أن البقاء بات خطيرًا، فانتقلت قرب صيدا لفترة قبل أن أعود إلى سلعا قبيل إعلان وقف إطلاق النار بين 16 و17 أبريل 2026”.
ويشرح أن أخطر ما في الحرب الحالية هو الطائرات المسيّرة: “هي تراقبك وتتعقب منزلك وتُجري مسحًا دقيقًا لكل شيء. أي حركة قد تُرصد، وأي نشاط خارج المنزل قد يعرّضك للخطر”.
ويضيف:
“في 2006 لم يكن هذا موجودًا. كانت هناك طائرات استطلاع، وكنا نسميها (أم كامل) نسبة إلى MK. أما اليوم فالوضع مختلف تمامًا، فالضربات تأتي من مسيّرات صامتة، وغالبًا لا يُسمع لها صوت”.
ويتابع أنه خلال الحرب الأخيرة قلّل تحركه إلى الحد الأدنى، وفضّل التنقل نهارًا فقط، معتبرًا أن الليل أكثر خطورة. كما أشار إلى أنه أغلق النوافذ بالبطانيات، وترك الإضاءة الخارجية تعمل دون تغيير، خوفًا من أن يُفسَّر أي تعديل في محيط المنزل كمؤشر استهداف.
ويقول إن لديه مؤنًا كافية داخل المنزل، ويعتمد على الطاقة الشمسية، لكنه رغم ذلك عاش حالة خوف دائمة بسبب طبيعة المنطقة التي تُعد من الأكثر تعرضًا للخطر.
ويضيف:
“في 2006 لم نكن نخاف بهذا الشكل. اليوم أي حركة قد تكون مكلفة جدًا، وقد تُجبرك على البقاء ساعات في مكانك بسبب تحليق الطائرات المسيّرة”.
ويشير أيضًا إلى أنه ترك سيارتيه أمام المنزل دون استخدام، لأن أي تغيير في تموضعهما قد يُلفت الانتباه، بحسب ما يعتقد.
ويختم “أبو علي” بالقول إن ما شهدته حرب 2026 جعله يتمسك أكثر بفكرة تجنب أي مواجهة جديدة، مضيفًا: “الخوف اليوم أكبر، والحياة نفسها أصبحت تحت المراقبة. التكنولوجيا تحوّلت إلى أداة تهديد يومي، من الهاتف إلى الحركة إلى المكان. نحن نعيش في خطر دائم، وهذا ما يجعل هذه الحرب أشد قسوة من حرب 2006”.
عندما أُطفئت الكاميرا في 2026
المصور الصحفي اللبناني لطف الله ضاهر عاش حربي عامي 2006 و2026، وهو من الذين واكبوا أيضًا فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان منذ عام 1978 ولغاية عام 2000.
ضاهر، ابن بلدة القليعة الحدودية في جنوب لبنان والبالغ من العمر 67 عامًا، اختبر الكثير من الحروب، فيما جعلته مهنته كمصور صحفي يواجه الخطر عن قرب، ويوثق ما ينجم عن الحروب من دمار وتهجير وقتل.
في حديث لموقع التلفزيون العربي، يستعيد ضاهر حرب عام 2006 قبل أن ينتقل للحديث عن حرب عام 2026، ويقول إنه “لا ينسى أصوات القذائف والصواريخ والمتفجرات التي كانت تدوي خلال حرب 2006، والتي تكررت مجددًا في 2026”.
يروي ضاهر تجربته مع الحربين كمواطن وصحفي، فيقول إنه قبل 20 عامًا كان بالإمكان توقع القصف قبل وقوعه، نظرًا لأن الضربات كانت تأتي من الطيران الحربي.
ويضيف:
“حينها كان باستطاعتي رصد شرارة القذيفة التي تطلقها الطائرة، فألتقط الصور في تلك اللحظة وأوثقها وأرسلها إلى الوكالات العالمية. أما اليوم، وفي حرب 2026، فلا يمكنك توقع الغارة، لأنها تأتي من مسيّرة صامتة، تحلق فوقك من دون أن تشعر بها، وتقصف أي مكان من دون سابق إنذار”.
وتابع:
“في حرب 2026 أيضًا، أوقفت الكاميرا رغم أني لم أغادر المنطقة الحدودية في جنوب لبنان، إذ بقيت في منزلي ولم أترك بلدتي. في الواقع، كانت هناك اعتبارات كثيرة دفعتنا لعدم التصوير وممارسة مهنة الصحافة في منطقة حربية، من بينها المخاطر الكبيرة، فضلًا عن قيود فُرضت في قرانا وبلداتنا لمنع التصوير، خشية أي استهدافات إسرائيلية”.
وعن حربَي 2006 و2026، يؤكد ضاهر أن “الأمان لم يكن موجودًا في أيٍّ من الحربين”، مستذكرًا حادثة صعبة لا ينساها خلال حرب 2006.
ويقول: “حينها نزحنا من قرانا بعد دخول الجيش الإسرائيلي إليها. انطلقنا في قافلة تضم نحو 2500 شخص داخل 800 سيارة. قمت بتصوير مشاهد لقافلة طويلة، وكانت برفقتنا فرق الدفاع المدني والصليب الأحمر، إضافة إلى ممرضين ومسعفين غادروا منطقة القليعة ومرجعيون باتجاه البقاع”.
ويضيف:
“ما إن وصلنا إلى منطقة كفريا في البقاع الغربي، حتى استهدفت طائرة إسرائيلية القافلة بصاروخين، ما أسفر عن مقتل عدد من المواطنين، من بينهم سيدة أجريت معها مقابلة قبل المغادرة، وكانت قد أكدت فيها أنه طالما غادر الجيش اللبناني المنطقة الحدودية، فلا مجال إلا للمغادرة معه، لأنه يمثل رمز الشرعية، وبغيابه تغيب الشرعية”.
ويتابع: “لقد علمتنا الأيام ألا نترك أرضنا ومنازلنا وأرزاقنا، وأن خيارنا الأول والأخير هو الدولة اللبنانية. والأكيد أن حرب 2026 كانت أخطر وأقسى من حرب 2006، فكل شيء اختلف فيها، وبات الخطر يداهمك في منزلك وأينما كنت. ورغم ذلك، لم نغادر، وبقينا نعيش حياتنا تحت صوت القصف والقذائف”.
ثكنة مرجعيون.. حادثة الشاي على لسان من عاشها
في عام 2006، وتحديدًا في 10 أغسطس/ آب، أي قبل أيام من انتهاء الحرب في منتصف الشهر نفسه، دخلت قوات الجيش الإسرائيلي إلى ثكنة مرجعيون العسكرية اللبنانية. وكانت تتمركز فيها عناصر من قوى الأمن الداخلي اللبنانية والجيش اللبناني، ومع دخول القوات الإسرائيلية إليها، اعتُبرت الثكنة تحت الاحتلال.
في ذلك الوقت، انتشر مقطع فيديو لجنود لبنانيين يقدمون أكواب الشاي لجنود إسرائيليين. وقد شكّل المشهد صدمة لدى اللبنانيين، ولا تزال مقاطعه تتداول حتى اليوم، ويُستعاد عند كل منعطف يُطرح فيه النقاش حول “هيبة الدولة اللبنانية” في مواجهة إسرائيل.
إثر تلك الحادثة، برزت روايات متعددة تفيد بأن قائد القوة الأمنية المشتركة في ثكنة مرجعيون، العميد عدنان داوود، استقبل الجنود الإسرائيليين داخل الثكنة، فيما أشارت روايات أخرى إلى أنه تفاوض معهم وبقي مع العسكريين اللبنانيين بهدف منع احتلالها بالكامل.
لكن ماذا حدث فعلًا؟
التفاصيل يرويها لموقع “التلفزيون العربي” أحد الجنود اللبنانيين الذين كانوا داخل الثكنة آنذاك، والذي طلب عدم الكشف عن هويته نظرًا لحساسية موقعه الأمني الحالي.
يقول العسكري اللبناني إن “الإسرائيليين دخلوا إلى الثكنة ومكثوا فيها”، موضحًا أنه طُلب من العسكريين اللبنانيين البقاء في أماكن محددة دون القيام بأي تحرك أو مقاومة.
ويضيف:
“ما قيل عن أننا سلّمنا سلاحنا للإسرائيليين يوم دخولهم إلى الثكنة غير صحيح. ما حصل هو أننا سلّمنا العتاد العسكري والأسلحة قبل يوم واحد من دخولهم، وذلك بناءً على أوامر صدرت بهذا الخصوص. في تلك اللحظة جُمعت الأسلحة ووُضعت في غرفة مقفلة، قبل أن يقوم الجيش الإسرائيلي، بعد احتلاله الثكنة، بنقلها لاحقًا وتفجيرها”.
ويشير المتحدث إلى أنه بعد مفاوضات جرت، اضطر العسكريون إلى مغادرة الثكنة، مضيفًا: “انطلقنا جميعًا مع قافلة المواطنين المغادرين من مرجعيون، حتى قامت إسرائيل بقصف القافلة”، وهي الحادثة التي أشار إليها لطف الله ضاهر في روايته السابقة.
ويضيف أن العسكريين كانوا يخضعون آنذاك لسلطة قوى الأمن الداخلي في الجنوب، لافتًا إلى أنه بعد عام 2006، ومع انتهاء الحرب، تغيّر الواقع الميداني، إذ عزز الجيش اللبناني حضوره في جنوب البلاد عبر نشر وحدات عسكرية إضافية.
ذاكرة الحربين.. الخطر نفسه وأدوات أكثر قسوة
كيف يعيش الناس حين تصبح النجاة نفسها فعلًا يوميًا؟
