بقلم: عادل عسوم

يلحظ المرء صعوداً غريباً لقواعد تتسم بالرداءة والانحطاط المعياريين، فتدهورت متطلبات الجودة العالية، وغُيِّب الأداء الرفيع، وهُمّشت منظومات القيم، وبرزت الأذواق المنحطة، وأُبعد الأكفاء، وخلت الساحة من التحديات، فتسيدت إثر ذلك شريحة كاملة من التافهين والجاهلين ذوي البساطة الفكرية”.

هذا الكلام يا أحباب ليس من عندي…
لقد قاله فيلسوف كندي إسمه آلان دونو في كتاب بعنوان (ثقافة التفاهة)!.
يتساءل الرجل عن جوهر كفاءة الشخص التافه؟ ثم يجيب:
(إنه القدرة على التعرف على شخصٍ تافهٍ آخر. ومعاً يدعم التافهون بعضهم البعض، فيرفع كلٍ منهم الآخر، لتقع السلطة بيد جماعةٍ تكبُر باستمرار، لأن الطيور على أشكالها تقع).

والكتاب من ترجمة الكاتبة الكويتية القديرة مشاعل الهاجري، وتقول في مقدمتها:
يدور موضوع كتاب “ثقافة التفاهة” حول فكرة خطيرة يجب البدء بمناقشتها ومقاومتها:
“نحن نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تتعلق بسيادة نظام أدى تدريجياً، إلى سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة”.

بين يدي هذا الكتاب جلستُ أعيد شريط قحت منذ البدايات، فتذكرت أيام (التكوين) الأولى، حيث تم حشد العشرات من الأسماء لما قيل بأنها منظمات مجتمع مدني وكيانات سياسية أُتِيَ بممثلين منها لتوقيع ما يسمى بإعلان الحرية والتغيير:

1- تجمع المهنيين السودانيين.
2- تحالف قوى الإجماع الوطني.
3- قوى نداء السودان.
4- التجمع الاتحادي المعارض.
5- الحزب الجمهوري.
6- الحزب الليبرالي.
7- تيار الوسط للتغيير.
8- مبادرة لا لقهر النساء.
9- حركة قرفنا.
10- التغيير الآن.
11- تجمع القوي المدنية.
12- لجان المقاومة السودانية.
13- مؤتمر خريجي جامعة الخرطوم.
14- كونفدرالية منظمات المجتمع المدني.
15- تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل.
16- منبر المغردين السودانيين.
17- الكيان النوبي الجامع.
18- مجلس الصحوة الثوري.
19- المجموعات النسوية المدنية والسياسية (منسم).
20- الجبهة الوطنية العريضة.
21- حزب بناء السودان.
22- تجمع أسر شهداء رمضان.

وتم بعد ذلك اختيار الدكتور عبدالله حمدوك من بين عدد من الأسماء ليصبح رئيسا لوزراء الفترة الانتقالية، وتم ترجيح كفة الرجل والتحشيد له باعتباره (خبيرا اقتصاديا أمميا)!، ثم جلست قيادات قحت ومن خلال نقاشات مطولة مع المجلس العسكري وقعوا على (وثيقة دستورية)، هذه الوثيقة ضمنوها الكثير من الضوابط والتفاهمات التي تحدد مواصفات الاختيارات المقبلة للوزراء وشاغلي المناصب السياسية -تنفيذية وتشريعية-، وتم نشرها في الصحف والوسائط.

وبالفعل عكفت قحت بعد ذلك على اختيار الوزراء وسواهم من شاغلي المناصب، فإذا بهم يتعاملون مع وثيقتهم كما فعل مشركوا قريش مع إله لهم صنعوه من العجوة، كلما جاعوا أكلوا طرفا منه.

ولعلها اضحت مثل وثيقة حصار بني هاشم التي أتت عليها دابة الأرض/ الأرضة، ولكن الفارق أن وثيقة شِعْبِ أبي طالب احتوت على عدد من ألفاظ الجلالة واسم نبينا صلى الله عليه وسلم، لم تقدر الأرضة على محوه، بينما هذه الوثيقة ليس فيها من ذلك شئ، فهم فيها قد رفضوا الاعتراف بدين الله بكامله كمصدر للتشريع!.

واختير الوزراء بذات النسق الذي ذكره آلان دونو في كتابه، وتم ذلك نتاج محاصصة حزبية لاتخطئها عين، وهم في ذلك قد خالفوا وثيقتهم الدستورية، بل كان هناك من تكرم بتعيين نفسه كوكيل (أول) لإحدى الوزارات! يالطيف.

وعندما ظهر جليا خطل وسوءات الاختيارات، قام حمدوك بإقالة الحكومة بعد عام واحد من تكوينها، لكنه استصحب عددا من الوزراء للوزارة الثانية، ومنهم الذي رفض الإقالة، بل تمنع على حزبه الذي أتى به!، ولعله استقوى -هو وآخر- ليقينهما بأن الأمر بتثبيتهما قادم لا محالة من دولة لا يُرفض لها طلب يحملان جواز سفرها!.

وهاهي الفترة الانتقالية يطالها المط والتمديد، ولاغرو أن الأسباب والمبررات لذلك لاتحصى ولاتعد، فقد أُبْقِيَ من (الرفاق) من حاملي السلاح من يسعون الى مفاوضته كل على حدة كل بضع سنين!، ليتسنى لهم خلال ذلك تثبيت دعائم حكم البعثة الأممية، ويتم تخدير المساكين من اهل السودان بال5 دولارات كل شهر!.

وخلال ذلك تُرهن مقدرات الوطن وثرواته للغير، فلا ذهب يبقى ولا حلم بسلة غذاء العالم العربي الإفريقي يتحقق بعد أن يتم التفريط في مياه النيل!، ويتم التبرع بأجزاء منه للجيران بكون أرضنا واسعة علينا كما قالت الوزيرة!.

يحدث كل ذلك لأننا نسينا قول نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه وصححه الألباني رحمه الله:
(سَيأتي على الناسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فيها الكَاذِبُ، و يُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ، ويُؤْتَمَنُ فيها الخَائِنُ، ويُخَوَّنُ فيها الأَمِينُ، ويَنْطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَةُ. قيل: و ما الرُّوَيْبِضَةُ؟ قال: الرجلُ التَّافِهُ يتكلَّمُ في أَمْرِ العَامَّةِ).

[email protected]