الطاهر ساتي

:: لرئيس اللجنة القانونية بالحرية والتغيير، نبيل أديب، رأي آخر حول موعد انتقال رئاسة المجلس السيادي إلى المدنيين، يختلف عن الآخرين .. يونيو العام القادم هو موعد انتهاء فترة رئاسة عبد الفتاح البرهان، حسب رأي نبيل، وليس نوفمبر هذا العام، كم صرح أكثر من مسؤول خلال الأيام الفائتة .. و ..( لا أعلم من أين جاؤوا بنوفمبر أمداً لنقل رئاسة السيادي للمدنيين؟)، هكذا يتساءل أديب..والتساؤل يعكس ضعف الوثيقة الدستورية و ارتباك مفسريها ..!!

:: وهذا ما أكده أيضاً محمد الفكي، عضو المجلس كالسيادي، في حواره لتلفزيون السودان يوم الجمعة، بحيث طالب وزارة العدل بفتوى، موضحاً : (كان من المفترض أن نتسلم الرئاسة في مايو الماضي لكن تم تمديد فترة رئاسة العسكري لمدة عام بموجب اتفاقية جوبا للسلام)، ومضيفاً بأن استلام المدنيين للرئاسة – في الوثيقة – بحاجة إلى شرح قانوني، لأن المفاوضين في جوبا لم يشرحوا النص، بل تجاوزا هذا (النص اللغم) ..!!

:: و كنت حاورت مني أركو مناوي، حاكم دارفور ،في مارس الماضي، وسألته عن موقف الجبهة الثورية حيال انتقال رئاسة السيادي الى المدنيين، وكان أكثر وضوحاً، بحيث قال : ( خلال المفاوضات لم نتحدث عن فترتين للرئاسةمطلقاً، هم جاؤوا إلى جوبا كوفد حكومة واحدة، وتفاوضنا معهم وفق ذلك، والأمور مضت على هذا المنوال، والآن أسمعهم يقولون ( فوتنا فرصة)، وقلنا لهم كنتم موجودبن ولم تتحدثوا عن هذا)..!!

:: وعليه، من حديث الفكي ومناوي، فان انتقال الرئاسة الى المدنيين بحاجة الى نقاش (جاد ومسؤول)، فالأمر غير محسوم كما يظن البعض، وهنا مكمن الخطورة .. فالشارع الآن معبأ تماماً، ويترقب انتقال رئاسة المجلس للمدنيين ..ولكن، وكما ذكر الفكي في ذات الحوار، فإن قضية انتقال الرئاسة (قضية سياسية) قبل أن تكون دستورية و قانونية .. ولذلك يجب مناقشة هذا الأمر عاجلاً و بوضوح، و ليس من الحكمة أن يظل ملفاً مغلقاً و مسكوتاً عنه ..!!

:: و إن كان نوفمبر هو موعد انتقال الرئاسة أو يونيو القادم كما يقول نبيل أديب، فإن قوى الحرية بحاجة الى إجراء إصلاحات سريعة و واسعة، بحيث تستوعب الحاضنة السياسية لحكومة حمدوك كل المغضوب عليهم من قوى الثورة والتغيير؛ بما فيها الحزب الشيوعي..ثم عليها الانفتاح نحو المجتمع السوداني بطرح خطاب متصالح مع الإدارات الأهلية و الطرق الصوفية و غيرها من ( أوتاد المجتمع).. السودان ليس فقط رواد (مقهى أوزون) و ( ساحة أتني) و مزرعة حجّار، فاخرجوا للشعب و تصالحوا معهم في السهول و البوادي و الوديان ..!!

:: وإن كان رُب ضارة نافعة، فعلى قوى الحرية الاستفادة من دروس المحاولة الانقلابية، وأخطرها عدم تجاوب الشارع مع نداءات المسؤولين.. لم يهبوا لحماية حكومة الثورة؛ و يجب معرفة أسباب هذا التجاهل ومعالجتها، وذلك إدارة حوارات شفافة مع الشباب وكل قطاعات المجتمع عبر لجان المقاومة وغيرها من المكونات المجتمعية.. ثم إن قوى الحُرية مطالبة بتقييم أداء كوادرها بكل أجهزة الدولة، بمن فيهم رئيس الوزراء، ثم إجراء التغيير وفق معايير القوة والكفاءة؛ و ليس التهريج و الولاء..فالشاهد معظم كوادر الجهاز التنفيذي (ضعيفة جداً) ودون مستوى آمال وتحديات المرحلة ..!!

:: ثم أن إدارة الموارد و المجتمعات بولايات السودان كانت – ولا تزال – أخطر امتحان لقِوى الحرية؛ ولم تنجح حتى الآن .. فالسواد الأعظم من الولاة ( فشلوا)، لأنهم دون مستوى هذا المنصب الحساس.. قد لا يعلمون بأن نجاح الولاة في التنمية وبسط الأمن وتحسين الخدمات يعني نجاح الثورة وإعادة ثقة الشعب في الأحزاب، وفشل الولاة يعني تمني الشعب وسائل حكم أُخرى، حتى ولو كانت غير مشروعة، مثل الانقلاب..!!

:: وبجانب الكفاءة والأمانة، فمَن يشغل المناصب – القريبة من قضايا الناس – يجب أن يتميّز بالحيوية و القبول و القُدرة على الإبداع.. وأخطأت قِوى الحرية – في حق الثورة – عندما تجاهلت الكفاءات ثم وزّعت بعض النشطاء على مقاعد الولاة؛ وكأن الولايات ساحة اعتصام.. فالكفاءة هي التي تُدير شؤون الناس بوعي ومهنية، وبالمؤسسية كان يجب ترسيخ أهداف الثورة في مفاصل الدولة و روح المجتمع.. أما المُهرّج، فهذا لا يصنع غير الأزمات وأسباب الانقلابات.. فليكن الوالي القادم، بكل ولاية، هو من انتظره الشعب طويلاً.. هناك فرصة؛ ونخشى أن تكون الأخيرة.. !!

:: ثم إن علاقة قوى الحرية بحركات الجبهة الثورية أسوأ من علاقتها بالعسكريين.. وكل زعماء الحركات؛ بمن فيهم الصامت عقار؛ لم ينفعلوا بالمحاولة الإنقلابية؛ وربما تمنوا نجاحها؛ ليتحالفوا مع ضباطها ضد قوى الحرية ..هذه العلاقة بحاجة لمراجعة، بحيث تكون الشراكة مع الجبهة الثورية مثالية، وليست ( كيدية)، كما الحال الآن..فالمؤسف، أحزاب بقوى الحرية غير مرحبة بالسلام الذي جاء بحركات الجبهة الثورية الى (السلطة)، ولا تفسير لموقف هذه الأحزاب غير الطمع وروح الإقصاء التي شَبُّوا عليها و شابوا ..وعليه، قبل موعد انتقال الرئاسة للمدنيين، على قوى الحرية سد كل هذه الثغرات ..!!

صحيفة اليوم التالي