في الحوار الذي أجرته مجلة السودان الجديد مع الشاعر العربي نزار قباني حول مسائل الأدب والشعر.. جاء حديثاً هاماً, أردت أن أقف عنده اليوم وقفة متأنية, مؤكدة حاجتنا الماسة الى ثورة ثقافية سودانية شاملة تعيد النظر في كثير من القضايا الفكرية والاجتماعية وتساهم في تحرير المجتمع السوداني من قيوده ومشاكله.. ومن كل المصاعب التي تعيق مسيرة تقدمه وانطلاقه.

والفن بكل أنواعه وفي جميع مجالاته هو خلود الأمة, ونزار يقول إنه زار السودان آخر مرة قبل ثلاث سنوات, ويرى أن الشعب السوداني على اختلاف مشاغله واهتماماته وتركيبه هو أكثر شاعرية من شعرائه.. ونزار كفنان يمتلك ناصية الكلمة ويجيد التعبير بها مهما اختلفنا حول القضايا التي يعالجها.. أرى أنه من المستحيل أن يفوت عليه أن ما يرى عليه جماهير الشعب السوداني بقوله (إن الحقيقة الشعرية في السودان موجودة في وجوه الناس وحوارهم.. وتصرفاتهم أكثر مما هي موجودة في دفاتر الشعراء).

من المستحيل أن يفوت عليه أن هذا بالقطع موجود وموجود بكثرة في شعر الشعراء وفي جميع نتاج الفنانين لأنهم وبحكم مواهبهم طليعة هذا الشعب.. ولكن أظن نزار قد رأى أن يلمح ولا يصرح بالقضية الكبيرة التي تواجه الشعراء عندنا.. بالذات الشعراء الشبان الذين تعج وتفيض أدراج مكاتبهم (بالكراريس) الملأى بشتى ألوان التطابق بين شاعرية الأرض السودانية وشاعرية مَن يكتبون.. فالقدر القليل الذي وجد طريقه للنشر يُؤكِّد ذلك في وضوح تام, وعلى سبيل المثال لا الحصر, أمتي لمحمد المكي ابراهيم, أغنية ليافا لسيد أحمد الحردلو.. البحر القديم لمصطفى سند.. خواطر إنسان وليالى الريف لإسماعيل حسن.. مع رياح العودة للزين عباس عمارة.. بالإضافة للذي نقرأه كل يوم على صفحات الجرائد والمجلات لمختلف الشعراء الشباب وغيرهم لمحمد عبد الحي.. لبركات موسى الحواتي.. لأبو آمنة حامد.. لعثمان خالد.. لفاطمة بابكر.. لجلاب ليوسف خليل.. للعديد من الشعراء الذين يعبرون بصدق عن الوَجه المُشرق للشعب وللأرض, وهذا ما أريد أن أقف عنده داعية الى نقاش هادئ يبعد عن الصراع الأجوف والمُهاترة والدعوة بالتحديد موجهة الى المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون, واضعين في الاعتبار أن الإنسان لا يملك وسيلة يصد بها الموت عن نفسه, ولكن الأمة تستطيع أن تقهر الموت بالفن وحين تدرك أمة معنى هذا تفسح الطريق أمام مواهبها ليبدعوا لها في جميع المجالات لا يقهر الموت إلا الحجر والكلمة, والكلمة أبقى وأصلب.

أرجو أن تكون هذه الملاحظة بداية جادة للتفكير في بعث المشاريع الكثيرة التي نُوقشت في سبيل إنشاء دور نشر تعاونية تساعد على عكس وجه الناس السودانيين الذين يبحث عنه نزار ونبحث عنه نحن أيضاً.

وجهة نظر
في أمسية الأربعاء 20/6 شهدت حفل تخريج للدارسين في حلقات محو الأمية على نطاق مديرية الخرطوم, وكنت طوال الحفل أعايش مشاعر رضاء بعثتها في نفسي إصرار المرشدين والمرشدات على مواصلة الحرب على الجهل, لا الجهل بالحرف وحسب ولكن الجهل بالحياة, وبالسياسة وبالفن.. وعليه أرجو من المجلس القومي لمحو الأمية أن يضع في الاعتبار ظروف حملة مشاعل الضوء في واقعنا الدامي.. هذه ناحية, والناحية الثانية اقتراح أقدمه للمرشدات أوحى لي به المعرض الناجح الذي امتلأ بالأشغال اليدوية الرفيعة التي تعبر عن أصالة وعراقة فننا الشعبي والاقتراح هو:

أن تكون جمعية تعاونية تعمل على تجميع الأعمال اليدوية من جبن وطباقة وبروش ووقايات, وتخلق لها الأسواق وفي ذهني بصورة خاصة جناح في السوق الحُر المُقامة بأرض المطار. هذه وجهة نظري ما رأي المُرشدات؟

من التراث
في كتاب الدكتور مكي شبيكة – السودان عبر قرن وفي باب السودان القديم والعهد المسيحي جاء عن:

كوش بعد التقهقهر من مصر (660 ق.م – 350م (رجع الكوشيون إلى عاصمتهم تبنا وباشروا ملكهم باستقلال كامل لا تشوبه شائبة, وهم منذ أن بدأوا غزوا مصر للقضاء على سيطرة العنصر الليبي فيها اتخذوا لأنفسهم لقب ملوك بعد أن كانوا نواباً للملك في مصر وتحت امره, ولتعاقب العناصر الأجنبية على حكم مصر منذ أن غادر الكوشيون أصبحت حضارة نبتة حامية المصرية الفرعونية, فهم منذ أن تم تمصير بلادهم تمصيراً كاملاً أخذوا بأسباب هذه الحضارة في دياناتهم ومَعابدهم وطرق دينهم وما اقتنوه من أوانٍ وخزف ومعمارهم, كلها أخذت من معين الحضارة المصرية الفرعونية واستمروا عهداً طويلاً منذ تقهقرهم الى بلادهم يمثلون هذه الحضارة في أحلى مظاهرها.

مربع شعر:

الشاعر إبراهيم ود الفراش مادحاً نفسه في هذا المربع:

أنا البحر الكبير أن عبروني

أنا رحل الكحل أن ميلوني

أنا شوك الكتر أن جرجروني

أنا الجن البخلي الزول ينوني

مقطع شعر:

من ديوان صلاح عبد الصبور (أقول لكم) من قصيدته ثلاث صور من غزة.. إليكم هذا المقطع:

يا أيها الصغار

عيونكم تحرقني بالنار

تسألني أعماقها عن مطلع النهار

عن عودة إلى الديار

أقول.. يا صغار

لننتظر غداً

لو ضاع منا الغد يا صغار

ضاع عُمرنا سدىً

من أمثالنا:

الملان ما بجلبق.

صحيفة الصيحة