حينما ضاقت الكنيسة الكاثوليكه ذرعاً بانتقادات الناس من حولها في العصور الوسطي لاسيما منذ ظهور ارهاصات عهد التنوير .. عمدت الكنيسة الي انشاء ما يعرف بمحاكم التفتيش التي ابتكر فكرتها البابا غريغوري التاسع.. ومحاكم التفتيش “سلطة قضائية كنسية استثنائية”  اطلقت لقمع جرائم البدع والهرطقه وجعلت مهمتها اكتشاف مخالفي الكنيسة ،والتفتيش عن عن عقائدهم، ومعرفة مافي قلوبهم ، وادراك مستكن ضمائرهم ومصادرة افكارهم، والقضاء علي ارائهم.. حتي ولو اظهر المتهم منهم علي لسانه حب الكنيسة الكاثيوليكه وتقديره لها فإن محاكم التفتيش ليس لها اعتداد بالظاهر من القول والفعل .. بل لابد من سبر غور النفس، والتفتيش علي الإيمان في القلوب والضمائر .. وقد كلف بها رجال الدين في مختلف المحافظات والأمصار، فكل واحد منهم كان مسؤولاً عن ملاحقة المشبوهين في ابرشيته .. وكانت الناس تساق سوقًا إلى محكمة التفتيش عن طريق الشبهة،أو عن طريق وشاية أحد الجيران ، او عن طريق الظنون والهواجس.. أما الاراء والمعتقدات التي يعلنها أصحابها فهي بمثابة أدلة قاطعه لا يتطرق اليها ظن أو إحتمال.. والقانون الذي ينظر في ذلك هو بحسب مايعتقده الكهنة ورجال الكنيسة، وبحسب مايخطر لهم من أفكار ،أو بحسب ماتلهمه لهم أنفسهم المقدسة من إعتقاد… يمثل المتهم أمام المحكمة وليس مسموح له حق النفي أو الإعتراض. وإنما المسموح له فقط الإقرار بما تتلوه المحكمة ، والتأمين علي أقوالها . وإن أنكر فليس لإنكاره قيمه أو أي أثر قانوني.. وإن أقر ،وأعلن توبته وشهد على نفسه بضلاله وهرطقته.. ورجع عن أقواله فعلي محكمة التفتيش أن تستيقن عن مافي قلبه عن حقيقة ما ذكره من اقرار وإن تبحث في وجدانه عن صدق ما أدلي به من إعتراف.. وأن تتأكد من نصوح توبته ، وصدق رجوعه ثم تصدر أحكام المحكمة علي الملأ تشهيراً به وتشنيعاً لجرائمه البغيضه وفضحاً لما عثرت عليه المحكمة في مكنون نفسه من زندقة وهرطقه وكفر بواح .. واشد تهمة كانت وتستحق العقوبة القصوي هى انتقاد محاكم التفتيش نفسها، أو التحدث عنها بتهكم، أو السخرية منها ، أوذكرها في جمع من الناس..وهذه التهم جميعا كانت لها عقوبات قاسيه من أرحمها مصادرة الأموال، ونزع الدور، وإقتلاع اللسان او العين أو الموت ، والحبس عن الأكل والشرب أو الصلب تحت أشعة الشمس او تخليل اللحم بالمسامير المدببه ،أو نشر الأطراف بالمناشير الحادة ، او كسر العظام بالفئووس،أو الحرق بالنار حيا.. وربما إمتدت هذه العقوبات إلي أهل المتهم وزوجه وولده ..فهم رجس من عمل الشيطان، وبذرة بغيضة من نبتة الشر ، وثمرة خبيثة من شجرة الزندقه .. الاولي اعدامهم وتشريدهم وقتلهم وإراحة البشرية من خطر نشأتهم في المستقبل .. وكل هذه الفعائل والعقوبات والمحاسبات تتم بموجب قانون محاكم التفتيش ونظامها ولوائحها الداخليه والتي لايسمح لأحد بالاطلاع عليها… فهي من أسرار الكنيسةالكاثولكية .. وهي محمية بالقانون.. وتؤدي مهامها وفق ماخوله لها القانون ،وما أقره لها مشروعو الكنيسة وكهنتها.

ومن أشهر الذين مثلوا أمام هذه المحاكم و ماتوا حرقا بتهمة الزندقه (جان هوس) وكان عميدًا في ذاك الوقت لجامعة براغ .. ومن أهمهم الفيلسوف الإيطالي (جيوردانو برينو) الذي قطعوا لسانه واحرقوه .. بل إن كوبرنيكوس القائل بدوران الأرض حول الشمس لم ينج منها إلا بسبب حذره الشديد… فقد أجل نشر كتابه الذي يحتوي على نظريته الجديدة حتى يوم وفاته بالضبط .. واما العالم الشهير جاليليو فقد كان مهددا بنفس المصير لولا أنه استدرك الامر في آخر لحظة وقبل بالتراجع عن نظريته المشهورة المتعلقه بدوران الأرض حول الشمس .. ثم أُحيل إلى الإقامة الجبرية في ضواحي فلورنسا …ومن الأمثلة الأخرى ما حصل للفيلسوف ميخائيل سيرفيتوس الذي أحرقوه حيا في جينيف بتهمة التشكيك بعقيدة التثليث …

التهمة الاساسيه الموجهة الي جميع من تعدمهم محاكم التفتيش هي (الهرطقه)وهي وصف لمن اختلف معهم في الشرح المحدد للنص الإنجيلى من قبل الملتزمين في الكنيسة الكاثوليكية… ثم صارت تهمة عامة لمن يخالف الكنيسة او ينتقد اداءها .. وعقب ذلك تم توظيفها سياسيا لتصبح تهمة من يعارض الاباطرة اوالحكام او يتعرض بشيء،من النقد للعلاقة الوثيقه بين الكنيسة والسلطان .. ومحاكم التفتيش كانت برئاسة رجال الدين الكاثوليكي .. ومن اشهرهم (توماس توركوما) وهو رجل دين منتسب للكاثيولكيه ويرأس هيئة التفتيش للبحث عن هؤلاء الهراطقة، فيقوم بالقبض عليهم وتعذيبهم وقتلهم وكان يسمى بالمفتش العظيم .. وكان يعدم واحدًا على الأقل من كل عشرة أشخاص يمثلون أمام محكمته..وتعد محاكم التفتيش في العصور الوسطي أفظع مامر علي التجربه الإنسانيه من فظائع باسم العدالة وهي التي ابتدعت من وسائل التعذيب مايفوق الوصف ويجوز الخيال.. ويقدر عدد ضحايا محاكم التفتيش الذين ماتو حرقاً،أو تحت التعذيب بعشرة ملايين شخص في ذلك الوقت ..

ولعله من نافلة القول أن التاريخ البشري لم تشهد بعد ذلك مثل هذه التجربة إلا بعد قرون علي أيدي القحاته في السودان في القرن الواحد والعشرين حينما تفتقت اذهان (القحاته) الجدد عن اجازة قانون لجنة تفكيك التمكين التي تعد صورة مقاربه وحكاية مشابهة لمحاكم التفتيش.. فمن حيث التهم الموجهة يكفي وصف المتهم بصفة الفلول أو الظن به انه علي علاقه بالنظام السابق، أو الاعتقاد فيه أنه يناصره ،ولو بقلبه ..فأصبحت صفة (الفلول) عند لجنة إزالة التمكين مقابلة تماماً لوصف(الهرطقة) عند محاكم التفتيش .. فمن حيث الإختصاص القانوني فلجنة إزالة التمكين مثل محاكم التفتيش كلاهما له اختصاص مفتوح للنظر في كل القضايا والاتهامات، لاتحده قيود ،ولاتؤطره حدود، ولا تقف امام مهمته حواجز اخلاق أو سدود .. بداية من توجيه تهم جرائم تقويض النظام الدستوري وإشاعة الحرب ضد الدولة ….
●الي قضايا الرأي العام والحريات والانتقادات الموجهة الي نظام القحاته او الي اللجنة نفسها أو إظهار عدم الخضوع لها …
● إلي قضايا الاموال والمنقولات والسيارات والأراضي والعقارات والمزارع …
● إلي الغاء اتفاقيات المنظمات العالميه، ومحو تسجيل المنظمات الطوعيه ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الخيرية …
● إلي قضايا تجارة العمله والاتجار في المواد البترولية والمحروقات ..
●إلي تنظيم سعر الصرف للدولار مقابل الجنيه واستدعاء مديرو البنوك وتوجيه سياسة بنك السودان..
●إلي فض التجمعات والمظاهرات والقبض علي المتظاهرين في المواكب والاحتجاجات وإيداعهم الحراسات والسجون …
●إلي ملاحقة الطلاب والطالبات في جامعاتهم وفتح الجامعات وتعطيلها وتعليق الدراسة بها…
●إلي التصديق علي العطاءات والمشتريات الخاصة بالدولة وإعطاء الموافقات النهائية علي إستيراد السلع الاستراتيجيه وتكوين المحافظ الخاصة بها، وإستيراد الاسمدة والمدخلات الزراعيه، والمحروقات ،والدقيق والقمح وغيرها…
● إلي مراجعة تسجيل الشركات الخاصة بالأفراد وتفتيش أرصدتها وحساباتها، وإعطاء الموافقات علي تسجيلها، أو تصفيتها أو نقل اسهمها ،أو تشكيل مجالس إداراتها …
●الي اعطاء الموافقات النهائية علي التمويل المقدم من البنوك لصالح المشروعات او الشركات او الأفراد…
●الي مراجعة كشوفات المرشحين والمقدمين للوظائف بالوزارات والوحدات التابعه لها والخدمه العامه من خريجي الجامعات…
●الي الاطلاع علي الحسابات الشخصية لكل العملاء في كل البنوك بلا استثناء والحجز علي ارصدتهم، ومنعهم من التصرف فيها متي ما رأت اللجنة ودون ابداء اي أسباب…
● إلي التفتيش عن عضوية النظام السابق، وحجز أموالهم ،وطردهم من منازلهم، ومصادرة كل مالديهم من أموال ومنقولات ..
● إلي اعداد وتنفيذ قوائم الفصل والطرد من الوظائف وإنهاء خدمات الألاف الموظفين، وفي كل الوظائف الحكومية. بما في ذلك السلطه القضائيه ،والنيابه العامة ووزارة العدل ،واساتذة الجامعات، والخبراء، والفنيين من كل حدب وصوب .. وفي كل تخصص ومسار . وفي كل الدرجات الوظيفية، وبلا استثناء …

ومن حيث الاختصاص المكاني فهي مثل محاكم التفتيش فليس لها اختصاص مكاني محدد بل واسع النطاق يشمل السودان كله ،وعماد الي ملاحقة الأشخاص والاموال بالخارج .. فهي في كل حي وفي كل مدينة وفي وكل ولاية من ولايات السودان وفي كل مصلحة وفي كل وزارة وهيئة وحينما كان هناك شخصين فهذا تمكين اوجبت اللجنة علي نفسها ازالته بأن تكون ثالثتهم ورابعتهم اوخامستهم .. ومن حيث المنهج القانوني.. فهي مثل محاكم التفتيش ليس فوقها جهة اعلي وهي القاضي والجلاد ، وهي الخصم والحكم .. وهي القضاء والاستئناف ، و لها سلطة اصدار الاحكام ، ولها سلطة مراجعتها ايضاً.. فلديها قانونها الخاص، ونيابتها المتخصصة، ولها شرطتها الخاصة ، وحراساتها المنفصله .. ومن حيث الفصل في السلطات فهي تمارس ذات منهج محاكم التفتيش.. فليس لديها اي تراتيبيه وظيفيه فهي التي تمارس التفتيش وجمع المعلومات.. ثم هي الجهة المخوله بفتح البلاغات وحبس المتهمين.. وهي ذاتها المحكمة المتخصصة التي تصدر قرارات المصادرة فيما اتتهمت به… وهي التي تقوم أيضا بتنفيذ الاحكام فيما أصدرته ..وهي الجهة التي تدير الأموال المصادرة … فقد جمعت بين وظائف جمع المعلومات والتحري ، وتمثيل الاتهام ، واصدار الأحكام ، وتنفيذ ذات الأحكام. والادارة التنفيذية لما تم مصادرته من أموال..

ومثلما دب الفساد باكرا وسط الكهنة والقساوسة قضاة محاكم التفتيش بسبب السلطة المطلقه التي لا رقيب عليهم .. إذ كانوا يدعون حق التأييد الإلهي الذي يمنحهم أحق احتكار أمور الخلق منعاً وحبساً وقتلا وسحلاً… ويستندون علي رصيدهم الرباني الذي يخولهم التصرف في الحياة بأسرها … إذ ذكرت مرويات التاريخ ان الكهنه والقساوسة استغلوا الحرام بمختلف أنواعه. واكتنزوا الأموال حتي امتلأت سراديب الكنائس بالذهب والفضه … فقد تشابه الأمر مع منسوبي لجان التفكير الذين تهددوا الناس بسوقهم الي المقابر ،وأنهم س(يصرخوووووون) من الألم وسيبكون بدموع الدم… وقام صبيتهم بابتزاز الناس والتجار واهل الأموال ورجال الأعمال ومساومتهم علي أموالهم ، وتهديد الموظفين بالوزارات بالفصل والتشريد ، وتسجيل اسماءهم في كشوفات لجان الإزالة ، واضحي كل واحد منهم في حيه او مدينته، أو وزارته الحكوميه هو الأمر الناهي يكتب من يشاء ويثبت ويمحو .. ويدعي حق التأييد الثوري، وأنه يستند الي تفويض الشارع له ، ويرتكز إلى ثقة الشعب فيه… وأنه من يمنح صكوك الغفران من تهمة الفلول وأنه الحاكم بأمره ، والمطلق يده في التصرف بموجب ماتسنده به الثورية الشعبيه، وقانون إزالة التمكين،والتفويض الجماهيري، وهتافات القطيع المؤيدة له .. فمالبثت ان تناقلت مرويات الاسافير اخبار فعائلهم التى فاقت فساد محاكم التفتيش، وانباء اختلاسهم المال ،وسرقتهم الأصول والممتلكات ، وشراءهم الشقق والعقارات في العواصم العربيه، وتهريب أموالهم الي البنوك الامنه في أوربا والأسواق العالميه .. حتي اذن الله بذهاب ليل ظلمها، وانقطاع سود أيامها ، وانجلاء غمة احكامها ، وانقضاء سواد أفعالها…ولا غرو فما فتئت السلطة المطلقه في كل زمان ومكان علي قول ابن خلدون (هي رأس كل مفسدة، وعماد اصلها.. وهي في ذات الوقت مؤذنة بذهاب الريح، وانخرام الشمل، وفقدان السلطة، وانحلال الدولة بالكلية .. ولله في خلقه شؤون فما فتيء التاريخ يحمل بين طياته قصة لكل عجيب ، وعبرة لمن يعتبر .. وان تطاولت الايام ،وتباعدت القرون)..

✍ د.محمد حسن فضل الله