في الثالث من يونيو ٢٠٢٠ اصدر مجلس الامن القرار ٢٥٢٤ الذي انشأ بعثة يونيتامس وجعلها “بعثة سياسية خاصة” تتولى تقديم المساعدة للسودان لانجاز مهام الانتقال السياسي للحكم الديمقراطي. وقد فوضت البعثة لمدة اولية قدرها عام. في الثالث من يونيو ٢٠٢١ اصدر مجلس الامن القرار ٢٥٧٩ الذي مدد تفويض البعثة لعام آخر. في الثالث من يونيو القادم، أي بعد ايام قلائل، سينعقد مجلس الامن مجددا للنظر في تمديد جديد للبعثة حتى الثالث من يونيو 2023. فماذا حققت هذه البعثة خلال العامين الماضيين، وما هي المعايير التي يقاس عليها نجاحها او فشلها، وما هي الاسباب وراء ذلك. هذه هي المسائل التي يتناولها هذا المقال.
كلفت بعثة يونيتامس بانجاز مهام اربعة تضمنها تفويضها ووردت حصرا في القرار ٢٥٢٤. واولى هذه المهام هي مساعدة عملية الانتقال السياسي للحكم الديمقراطي بذلا للمساعي الحميدة وتقديما للمساعدة التقنية لعملية صياغة الدستور وتعداد السكان والتحضير للانتخابات. وثانيها، دعم عملية السلام وتنفيذ اتفاقاته. وثالثها، المساعدة في حماية المدنيين في دارفور والمنطقتين. ورابعها، تعبئة المساعدة الاقتصادية والانمائية للسودان وتنسيق المساعدة الانسانية.
نسيت البعثة تماما مهامها الثلاثة الاخيرة. فليس لها أي مساعي لاقناع الحلو وعبدالواحد بالانضمام لركب السلام ولم تصنع شيئا لتنفيذ اتفاقية جوبا. وهاهي تشاهد عبر شاشات الهواتف المحمولة، مثلها مثل غيرها، ان المدنيين يقتلون بالمئات في كرينك ولا تكلف نفسها حتي بزيارة الموقع ميدانيا للوقوف على ما جرى. بل رغم انها لم تفعل شيئا لجعل القوة المشتركة ترى النور لاتزال تضلل مجلس الامن في احاطاتها الدورية بالقول ان هناك الية فعالة لمنع تجدد القتال في دارفور. ولم تبذل البعثة اي مساعي للمساعدة في سد الفجوة الغذائية التي يعاني منها السودان بسبب غياب السياسات الحكومية الراشدة وبسبب تزايد معدلات التضخم. فلم تسعى لاستقطاب الدعم الانساني للمحتاجين. فأين اداء بعثة فولكر مما جرى اثناء الفترة الانتقالية التي اعقبت ابريل ١٩٨٥ من تدفق للدعم الانساني لمواجهة الفجوة التي حدثت جراء ظروف الجفاف. فتبارت منظمات مثل اوكسفام ودول مثل امريكا في تقديم العون حتى بلغ “عيش ريغان” البوادي وشهدت الحكامات انه اغاث الملهوف. اما تعبئة المساعدة الاقتصادية والانمائية فهو هدف لا تسأل عنه بعثة تتقاصر حتى عن السعي لتقديم العون الانساني.
وهكذا لم يبقى للبعثة الا الهدف الاول والذي اعتبرته يونيتامس هدفها الاوحد. اذ اكتفت به مهملة غيره. ولست بحاجة لتقديم الدليل على ان اليونيتامس قد فشلت في تحقيق هذا الهدف فشلا مدويا. اذ لم تنجح بعثة فولكر في الدفع بعملية الانتقال السياسي قيد انملة. ولم تقدم اي مساعدة تقنية او غير تقنية لصياغة الدستور او لتعداد السكان او للتحضير للانتخابات. بل كانت لمساعيها غيرالحميدة وغير المحايدة ادوارا كبيرة في اعاقة التقدم نحو الحكم الديمقراطي المنشود. هذا الاداء المخزي هو حصاد العامين من اداء بعثة فولكر. فلماذا فشل فولكر؟
لعل اولى اسباب هذا الفشل الذريع هي ان فولكر لم يكن الرجل المناسب لقيادة اليونيتامس. ونحن هنا لا نقلل من قدر فولكر او نزدري بمـؤهلاته. فالرجل ذو تأهيل رفيع وخبرات واسعة، لكننا لانرى ان ذلك التأهيل او تلك الخبرات تناسب هذا الموقع الذي تولاه. وقد اضحى اختيار الرجل غير المناسب للمكان غير المناسب من سمات الامم المتحدة التي تعاب عليها. وقد شدد على ذلك تقرير مهم صدر عام ٢٠١١ تحت اسم Civilian Capacity in the Aftermath of Conflict جاء فيه انه “درجت الامم المتحدة على ان تفضل اعادة تعيين موظفي بعثات حفظ السلام السابقة على تعيين خبراء متخصصين في البلدان التي سيعملون بها يدركون طبيعة المشكلات السياسية التي سيواجهونها. فاذا كان على الامم المتحدة ان تفي بوظيفتها المتمثلة في توفير الاشخاص ذوي الخبرة لمساعدة الدول الهشة، فانه يتعين عليها ابتداءا ان تراجع قواعد التخديم لديها”. ويبدو ان الامم المتحدة لا تعتزم العدول عن هذا التقليد الراسخ رغم نصائح هذا التقرير التي قدمت قبل عقد ونيف. وليس ادل على ذلك من تكليفها فولكر بقيادة اليونيتامس. فمؤهل فولكر الذي جاء به الى السودان هو انه كان مساعد استافان دي ميستورا المبعوث الخاص للامين العام لسوريا.
فالامم المتحدة تفضل موظفي بعثاتها السابقة على ذوي الخبرة. وقد نسيت الامم المتحدة ان ما جاء بفولكر ابتداءا لمنصبه في سوريا هو تخصصه في سوريا والشرق الاوسط. فابحاث فولكر منذ مرحلة الدكتوراة كانت عن سوريا وما جاورها من بلاد الشام والتي عمل فيها بعد ذلك سنين عددا. ولو دققت الامم المتحدة في الامر لوجدت ان الافضل هو ان تمد السودان بشخص من ذوي الخبرة في السودان واقليم السودان القريب وليس شخصا من ذوي الخبرة في سوريا واقليمها. فشتان ما بين مشاكل الشرق الاوسط ومشاكل السودان وجواره الافريقي.
واذا كانت للسودان آصرة تجمعه بالشرق الاوسط هي آصرة الدين واللغة، فان له اواصر كثيرة تربطه بالقرن الافريقي، ابرزها آصرتي القرب والقربى. يجعل ذلك مشاكل السودان مختلفة عن مشاكل الشرق الاوسط ومختلفة كذلك عن مشاكل القرن الافريقي. اضافة الى ذلك فإن مواجهة مشاكل السودان كانت تتطلب رجل دولة او موظف اممي من الطراز الرفيع وليس باحثا اكاديميا. ربما لو جاءت الامم المتحدة للسودان بشخص في دبلوماسية هايلي منقريوس او في حنكة سيوم ميسفين او في اقتدار الاخضر الابراهيمي او في أبوية اوليسون اوباسانجو لكان امر هذه البعثة مختلفا. ادري ان بعض هذه الشخصيات قد توفاه الله وبعضها قد تقاعد. لكنني انما اوضح القامة التي يكون عليها القياس لتولي مهمة قيادة بعثة اممية في السودان مهمتها الاولى هي الوساطة بين قوى سياسية ذات باع ومهمتها الثانية هي اقناع العالم الذي يمر بظروف معقدة بمد يد العون للسودان انسانيا كان او تنمويا او تقنيا.
غير ان الامم المتحدة لم تكن تبحث عن رجل دولة واسع الحيلة او دبلوماسي عميق الخبرة بالسودان او وسيط ذائع الصيت وانما كانت تفاضل بين اشخاص من قلب المؤسسة الغربية يسهل من خلالهم تمرير اجندة الغرب ويكونون وكلاء عنه في صياغة سودان ما بعد الاسلاميين. فمنافس فولكر على المنصب كان جان بيلارد الدبلوماسي الفرنسي المعروف.
فاذا كان بيلارد هو ربيب اللائكية (العلمانية الفرنسية) والقائم علي بسط الثقافة والنفوذ الفرنسي في افريقيا كونه ابن الكيه دورسيه، فان مؤهل فولكر هو انه خير من يعبر عن المدرسة الالمانية المحدثة – التي لا هم لها الا توطئة الاكناف لعالم القطبية الاحادية الامريكية – كونه ابن المعهد الالماني للشئون الدولية والامنية (SWP) الناصح الاول للحكومة والبرلمان في المانيا. هكذا حكمت قواعد التخديم المعمول بها في الامم المتحدة على هذه البعثة بالفشل مقدما. بل مهدت تلك القواعد لجعل اليونيتامس حصان طروادة الذي تنفذ من خلاله اجندة الغرب، بدلا من ان تجعل منها البعثة التي تساعد السودان في انجاز انتقاله السياسي.
ثاني اسباب الفشل هو ابتعاد فولكر عن المبادئ الجوهرية الثلاثة core values للبعثات السياسية للامم المتحدة. وهذه المبادئ هي الحياد، والمبدئية، واشراك الجميع. وقد افاض في تفصيلها في دليل manual مشهور البروفيسير ايان جونستون الاستاذ بمعهد فليتشر للقانون الدولي والدبلوماسية.
فبالنسبة لمبدأ “الحياد” قال جونستون: “لايمكن لبعثة سياسية ان تبدو وكأنها تخدم اجندة احد اطراف الصراع، او اجندة طرف خارجي، او مصلحة معينة. ومثلما هو الحال مع بعثات حفظ السلام فانه لايؤذن بمعاملة طرف ما على نحو مختلف الا في حالة ارتكاب ذلك الطرف لمخالفات abuses ظاهرة”. خالف فولكر هذا المبدأ دون ادنى مواربة.
فانظر كيف انه ابتداء عين في موقع كبيرة المستشارين السفيرة روزاليندا مارسيدن (ست البركاوي) رغم مواقفها المعلنة المؤيدة لبعض الاطراف السودانية ضد اخرى! فهل يمكن ان يكون مثل هذا التعيين ممثلا بأية حال لحياد الامم المتحدة ومبادئها؟ ثم انظر كيف يعمل عيانا بيانا لخدمة اجندة قوى الحرية والتغيير (أ). وانظر كيف يوظف كوادرهم في مكتبه، ودون ادنى تورع او خجل ، وانظر كيف يطالب بالافراج عنهم وحدهم دون غيرهم من السجناء السياسيين.
وانظر كيف يمجد لجان المقاومة ويصفها بأنها “عاقدةٌ العزم على مواصلة احتجاجاتها لاستعادة الثورة والدفع باتجاه الحكم المدني”. وانظر كيف ينحاز للمتظاهرين ضد الحكومة فيصفها بقمعهم ويطالبها بعدم التعرض لهم رغم اقراره في احدى احاطاته لمجلس الامن انهم لايلتزمون السلمية جميعا وان هناك مجموعات منهم تلجأ للعنف. بل انظر كيف انه صار هو الواجهة لمجموعات دولية بعينها ذات اهداف محددة تسمي نفسها اصدقاء السودان تارة والرباعية تارة والترويكا تارة اخرى. في المقابل لا تفوت تلك المجموعات اي فرصة للتعبيرعن دعمها لفولكر بالحق والباطل والثناء على التقدم الكبير الذي احرزته يونيتامس!
اما “المبدئية” integrity، والتي تعني ان تلتزم البعثة مبادئ الامم المتحدة والقانون الدولي، فقد عصف بها فولكر منذ البداية ودون هوادة. اذ قبل بكل الممارسات التي قامت بها لجنة التمكين خارج القانون مثل السجن دون تهمة والمصادرات دون امر قضائي فلم تدين الامم المتحدة ذلك او تعترض عليه. وقبل فولكر بتغييب المحكمة الدستورية فلم نراه يتحدث عن ذلك الا لتسجيل موقف. وسكت عن اعتقال منسوبي النظام السابق دون تهمة او محاكمة، وسكت عن فصل القضاة والدبلوماسيين دون قرارقضائي، وسكت عن تجاهل قحت (أ) للانتخابات، وسكت عن اعلان قوى الحرية والتغيير الصريح منع خصومهم السياسيين من ممارسة حرية التنظيم والتظاهر.
ويقال مثل ذلك عن مبدأ “اشراك الجميع” inclusivity . وقد اوضح جونستون ان هذا المبدأ يعني انه لاينبغي للبعثة الدبلوماسية ان تقصي اي مجموعة. وتحديدا ينبغي لها ان تتعامل مع المعارضة تماما مثلما تتعامل مع الحكومة. وبينما يجوز للبعثة اقصاء افراد معينين بسبب انهم مخربون spoilers فانه لا يجوز لها ان تقصي جماعات كاملة لأي سبب من الاسباب. هذا بالطبع لا يعني ان يشارك الجميع في الحكم، اذ لابد من وجود حكام ومعارضين. لكنه يعني ان تستمع البعثة للجميع بمن فيهم من يعارض الحكم القائم. اما فولكر فقد تماهى تماما مع ادبيات الليبراليين الجدد واعتبر ان كل من ليس من الثوار فانه ينبغي ان يعزل ويقصى من اي حوار. ولهذا حين يقول فولكر انه اجرى “أكثر من 110 اجتماعات تشاورية مع أكثر من 800 مشارك”، فاعلم ان هؤلاء جميعا ممن يسمون نفسهم الثوار، ممن كانوا فعلا في قارب الثورة او لحقوا به بآخرة خدمة لمصالحهم. وهكذا اقصى فولكر الغالبية العظمى من السودانيين ممن لا يروقهم توصيف الثوريين او الديسمبريين. ويكون بذلك قد استبعد اكثر القوى السياسية وجودا واوسعها انتشارا واكبرها جماهيرا. بل اعلن فولكر ان المؤتمر الوطني حزب “محلول” ـ في تنكر واضح لمبادئ الامم المتحدة وحقوق الانسان التي ترفض حل الاحزاب – وقرر عدم التعامل معه. وهكذا اقر بعظمة لسانه انه لا يحترم مبدأ “اشراك الجميع”.
بسبب انه لم يكن الشخص المناسب لقيادة هذه البعثة، مع احترامنا له وتقديرنا لمؤهلاته، وبسبب اهماله للمبادئ الجوهرية لعمل البعثات السياسية للامم المتحدة فشل فولكر فشلا ذريعا. ومن ثم ارتفعت الاصوات المعارضة له وتعالت من كل صوب فشملت اطيافا واسعة من المجتمع السوداني. اذا كان ذلك كذلك فهل يمكن لهؤلاء الساخطين على فولكر طرده وانهاء بعثته؟ هذا ما نتناوله في مقال الغد ان شاء الله.

الدكتور
الدرديري محمد احمد