عبد الله علي إبراهيم

(تعرض الثورة المضادة قيام الانتخابات حيلة “ملوص” للتخلص من الفترة الانتقالية نفسها. وقد عجبت لتطاول الفلول وقد خرجوا يعرفون للناس مطلوبات الفترة الانتقالية. ويفعلون ذلك بالوجه الذي يقول السودانيون إنه يخول لصاحبه أكل الصدقة. العرفكم بالانتقالية شنو؟ طلبتوها متين؟ حدكم معروف: حوار الوثبة المزغول (يقال للبن مزغول حين تديهو كوز موية). وقالت الحجوة الما يسوانا يدخل في نساءنا (آسف للمثل الذكوري وجاء عندي مكرهاً). وقال المثل الفاضي يعمل قاضي. والفلول كيسهم فاضي من الشوق للانتقال بعد ثورة تزيح نظاماً وقضاؤهم حول شروطها بالنتيجة مكاء وتصدية.
ولم تكن الانتخابات بعد نهاية الإنقاذ شاغلاً للمعارضين. أعني لم يفكروا فيها مع أنها أول ما يصطدمون به بعد نجاح ثورتهم. فما قامت الانتخابات على المبدأ الليبرالي (صوت واحد للمواطن) حتى خسروا خسراناً مبيناً لأن للسادة في الأحزاب التقليدية الصوت الزائد الذي يمكنهم من احتلال البرلمان. ويكفر من جاؤوا بالديمقراطية بها. وهاك يا شناف: ديمقراطية طائفية، لو رشح السيد حجراً لفاز، ما عندنا ثقافة ديمقراطية، نحن مصابون بالعقل الرعوي”. وتختلي جماعة منهم مع صنوهم في الجيش ويرتكبون الانقلاب.
أنشر هنا مقالاً قديماً فتح ملف الانتخابات حول دوائر الخريجين. ونقدها في الممارسة كما سترى لا يعني فسادها ثم الغائها. فصار التفكير في تخصيص مثل هذه الدوائر لفئة من المواطنين أو أخرى مشاعاً في مثل كتابات الإمام الصادق المهدي والدكتور الطيب زين العابدين عن “الديمقراطية التوافقية” التي تتعاقد الأمة فيها على كفالة التمثيل المعقول لطوائفها حتى لا تعتزل أقلية ما الديمقراطية فتعتدي عليها اثناء أداء واجباتها. وتفرض نفسها بالانقلاب مصححاً بالقلم الأحمر لها. وشفنا تصحيحهم في الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي والمؤتمر الوطني) الذي رأينا منه استبداداً كانت الديمقراطية الطائفية أرحم منه.
وقلت في الجزء الأول من المقال إن دوائر الخريجين صارت “دوائر مقفولة” للحزب الموضة في وقته: الاتحادي (1954)، الشيوعيون (1965)، والإخوان المسلمون (1986). وتاني الشافها ما انشاف. وقلت كان العشم من هذه الدوائر أن يأتي المقترعون المميزون إليها بحصيلة نوعية من الصفوة من سائر الطيف السياسي والفكري.

نواصل
أحزنني تردي دوائر الخريجين الى هذه الحجرية الطائفية. وحاولت في غشامتي المتفائلة، التي لا أسأل منها الشفاء، تصحيح شيء من كسادها وبوارها. وقلت طالما فاتنا وقار التمثيل في محصلة الانتخابات للدوائر فلنحاول استرداد شيء من هذا الوقار في القضايا التي نريد لنواب الخريجين أن ينشغلوا بها وفي مناهجهم قولاً وفعلاً في البرلمان حتى نستحق، كخريجين، تكريم الوطن لنا بهذا الصوت الزائد.
وبعد الاستخارة كتبت مذكرة أحتج فيها على القانون الجنائي لسنة 1988 وعلى المادة 129 منه التي قننت حد الردة لأول مرة بنص صريح. ووجهت المذكرة إلى نواب الخريجين بالعاصمة وكلهم من الجبهة الإسلامية التي كانت تدعم القانون الجنائي. وقلت لهم في المذكرة إن في القانون الجنائي، ومادة الردة منه، خطر لو يعلمون عظيم على حرية الفكر والرأي لا يصح لناخبين خريجين الصمت عليها. فتكريم الوطن لنا بصوت زائد هو تبعة لنا لنحرس حرية الرأي والتعبير من تطفل المتطفلين باسم الردة وغير الردة.

وقلت لهم إننا كخريجين مدار نشاطنا البحث نعتبر الشك العلمي بعض عدة شغلنا. وهو شك لن نسمح لأحد أن يفسره برقة الدين أو بالاستخذاء أمام الفرنجة، ليعرضنا للمساءلة حول صحة عقائدنا. ورجوتهم أن يحُكَموا التزامهم تجاه الناخبين حيال هذا الأمر قبل تحكيم إرادة حزبهم حتى نؤسس دوائر الخريجين كتجربة رائدة في جدل النائب والناخبين، ونخرج بها عن التراكمات الحزبية العادية.

نشـرت المذكرة في جريدة الأيام (4/9/1988) وطبعت منها عدداً مناسباً على نفقتي الخاصة، ووزعتها بعون جميل من قلة، ودعوت الخريجين للتوقيع. فتثاقلوا. وأسفت ولم أتعجب. غير أنني انزعجت لما كتب السيد محمد المصطفى محمد أحمد (الأيام 14/9/1988) يلحف على الخريجين ألا يوقعوا على مذكرتي لأن فيها خطر كبير. ومصدر الخطر عنده أنني وجهت المذكرة لممثلي خريجي الخرطوم وليس كل نواب الخريجين أو النواب قاطبة. ومصدر الخطر الآخر أنني ركزت على المادة 129 من القانون الجنائي دون بقية القانون. ورماني بداء التجزئة الذي “سيورط المثقفين” ولم يتبرع بالقول بتوريطهم فيم.

والسيد محمد المصطفى محمد احمد من اوائل الذين ابتلاني الله بهم بعد خروجي من الحزب الشيوعي. فهم مثل بعض لاعبي الدفاع في كرة القدم مهمتهم تعطيل مهاجم الخصم ولو على حساب أدائهم أنفسهم.

فقد حارب السيد محمد مصطفى محمد احمد مذكرتي لنفس الأسباب التي أملتها علىّ. فقد اقتصرت على “حد الردّة” لأنه أمس الحدود بالشغل الذهني والبحثي للصفوة. ولم أتوجه للنواب قاطبة بمذكرتي لأنني أردت تحريك كاسد هذه الدوائر ليستقل نوابها عن التبعية مهما كانت ميولهم الحزبية. وشرط نجاح ذلك بالطبع عمل سياسي وتعبوي قاصد ومسؤول.

واقتصرت على نواب خريجي العاصمة باعتبار لحدودي الجغرافية في بلوغ الموقعين وأنا فرد ولست مؤسسة. وكان يمكن متى ما اتسعت التعبئة حول المذكرة أن تنفتح لها آفاق لم أفكر فيه أول مرة أو حتى السيد محمد المصطفى محمد احمد.

ولعل “أهزم” ما سمعته عن مذكرتي من يساريّ جامعة الخرطوم هو احتجاجهم على توجيه مذكرتي لجماعة من النواب هم من واضعي القانون ذاته. فقد رأيت في ذلك “حنبكة” كبيرة. وكفراناً بالديمقراطية متى فاز الغير باللذات. وقد أزعجني استعداد هؤلاء اليساريين لتجميد فعلهم السياسي حول هذه الدوائر انتظارا لانتخابات مقبلة، ينتزعون فيها هذه الدوائر من الخصم، ويسلمونها خالصة لحزبهم الأثير.

هل نريد لدوائر القوى الحديثة، التي حولناها الى تميمة للشفاء الناجز للديمقراطية، أن تسقط سقطة دوائر الخريجين؟ وكيف نغري الأذهان بدوائر القوى الحديثة وهم يرون دوائر الخريجين تتردى في الأداء الحزبي البغيض؟
وأخيراً من هو السيد محمد المصطفى محمد احمد؟ لم أقرأ له منذ اعتدى علىّ خلال أدائي لعمل عام منذ عقد مضى مساه الله بالخير.