السودان .. أكبر من أن يكون حديقة خلفية أو جدارا عازلا

السودان .. أكبر من أن يكون حديقة خلفية أو جدارا عازلا

Loading

كثيرًا ما يتردد في الخطاب السياسي والإعلامي العربي أو حتي المحلي ، أن ما يجري في السودان «لا يستهدف السودان » ، بل هو رسالة إلى شماله ، أو تهديد غير مباشر لشرقه ، أو حلقة في سلسلة تطويق إقليمي أوسع .

وقد يبدو هذا الطرح للوهلة الأولى  مقبولا ، لكنه في عمقه يعكس خللًا أخلاقيًا وسياسيًا خطيرًا ، إذ يُجرّد السودان من كونه غاية بذاته ، ويعيد تعريفه بوصفه مجرد وسيلة ، أو ساحة صراع ، أو منطقة عازلة لدرء الأخطار عن الآخرين .

في هذا المنطق ، لا يصبح الخراب في السودان مستحقًا للاهتمام إلا حين يوشك أن يمتد خارج حدوده !

وكأن الدم السوداني لا يُرى ، والانهيار لا يُقلق ، إلا إذا باتت النيران قريبة من عواصم أخرى .

وهنا لا يعود السؤال ماذا يحدث للسودان ؟

بل متى سينتقل الخطر إلى غيره ؟

هذه المقاربة لا تظلم السودان وحده ، بل تكشف أزمة عميقة في الوعي السياسي الإقليمي وحتي الوطني ، حيث ما تزال بعض الدول تُصنَّف بوصفها «مراكز» وأخرى «هوامش» ، بعضها يُنظر إليه كفاعل ، وبعضها الآخر كساحة يُدار فيها الصراع بالوكالة .

ووفق هذا التصور المختل ، لا يُنظر إلى السودان رغم موقعه الجيوسياسي وموارده وعمقه الحضاري كركيزة من ركائز الأمن العربي ، بل كفراغ قابل للاختراق ، أو جدار يُضحّى به لتأجيل الخطر لا أكثر .

الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يبرّر التقاعس .

تقاعسًا عن التدخل الجاد بحجة أن السودان « ليس الهدف المقصود » .

وتقاعسًا عن حماية شعبه لأن الكارثة لم تتجاوز حدوده بعد .

وتقاعسًا عن محاسبة المتورطين في تفكيكه ، ما دام الانهيار ما زال « قيد الاحتواء» !

غير أن الحقيقة أوضح من كل هذا الالتفاف .

السودان لم يُستهدف لأنه بوابة لغيره ، بل لأنه السودان ذاته ؛ دولة ذات وزن كامن ، وموقع حساس ، وموارد ضخمة ، وشعب حي ومتفرد  ، وتاريخ يجعلها إن استقرت رقمًا صعبًا في معادلات الإقليم .

ولذلك كان تفكيكها مصلحة لقوى متعددة ، داخلية وخارجية ، التقت عند نقطة واحدة وهي إضعاف الدولة قبل أن تستعيد عافيتها .

ومع ذلك ، فإن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده .

فالدول التي تُقرأ دائمًا من زاوية تأثير ما يجري فيها على الآخرين ، هي دول غائبة أو مُغيَّبة عن معادلة الفعل .

غياب مشروع وطني جامع ، وانقسام النخب ، وتعدد مركز القرار ، كلها عوامل تجعل الآخرين يكتبون سردية السودان بدلًا عنه ، ويتحدثون باسمه لا معه .

السودان لن يخرج من موقع « الحديقة الخلفية » في الخطاب الإقليمي ،
إلا حين يتوقف عن انتظار أن يراه الآخرون ،
ويبدأ هو أولًا في تعريف نفسه ، والاعتماد بنفسه ، ومعرفة قدر نفسه ، والدفاع عن نفسه ، والتحدث باسم نفسه .

فأخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط الحرب أو التدخلات الأجنبية ، بل نزع مركزيته الأخلاقية والسياسية في الوعي العربي والاقليمي .

وحين يُختزل بلد كامل في كونه « إنذارًا مبكرًا » لغيره ، فإن ذلك يعني شطب حقه في أن يكون قضية بذاته ، لا مجرد مقدمة لكوارث الآخرين .

القيمة في السياسة لا تُمنَح ، بل تُنتزع .

والسودان ، إن لم يفرض نفسه بوصفه غاية لا وسيلة ، وذاتًا لا ظلًا ،
سيظل يُذكَر فقط حين يخاف الآخرون…
لا حين يُنصفه التاريخ ويضعه في المكان الذي يستحقة كرأس وسيد لا كذنب أو تابع .