التصعيد الأميركي الإيراني.. ماذا لو دخل قطاع النفط في صلب المواجهة؟

التصعيد الأميركي الإيراني.. ماذا لو دخل قطاع النفط في صلب المواجهة؟

Loading

تعيش منطقة الشرق الأوسط سباقًا محمومًا بين أزيز الطائرات وصمت الدبلوماسية.

في الأسابيع الأخيرة، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري بأضخم حشدٍ جوي وبحري منذ غزو العراق عام 2003؛ في خطوةٍ تهدف لممارسة أقصى درجات الضغط السياسي على إيران بشأن ملفاتها النووية والعسكرية.

وبينما اقتصر التدخل الأميركي في يونيو/ حزيران 2025 على ضرباتٍ محدودةٍ، يشير حجم التحشيد الحالي إلى استعداد واشنطن لسيناريو مواجهةٍ أوسع وأكثر استدامةً في حال فشل المسار الدبلوماسي.

ينعكس هذا التصعيد مباشرةً على قطاع النفط؛ فقد شهدت أسعار الخام تقلباتٍ حادةً تزامنًا مع تعثر الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في 17 فبراير/ شباط الجاري.

ورغم انخفاض خام برنت إلى حدود 67 دولارًا، لا تزال الأسواق مسكونةً بهواجس التصعيد، متجاوزةً التوقعات المتفائلة لإدارة معلومات الطاقة الأميركية التي وضعت متوسط السعر لعام 2026 عند 58 دولارًا.

سيناريوهات الضربة الأميركية

 يُلوّح الرئيس دونالد ترمب بخياراتٍ عسكريةٍ قاسيةٍ ما لم تقبل طهران بشروطه “الثلاثية”:


  • التخلي التام عن تخصيب اليورانيوم.


  • تقييد الترسانة الصاروخية.


  • وقف دعم الأذرع الإقليمية.


     

تحشد الولايات المتحدة سفنها العسكرية في الشرق الأوسط – غيتي 

وفق تحليل نشره “المجلس الأطلسي“، تضع واشنطن قائمةً طويلةً من الأهداف المحتملة لعملياتها، تتوزع بين ثلاثة مسارات:

  1. ضرباتٌ محدودة: تستهدف مؤسساتٍ عسكريةً وتستمر ليومين.
  2. استهداف البنية التحتية: تركيزٌ على المنشآت النووية لعدة أيام.
  3. تغيير النظام: استهداف القيادة السياسية والعسكرية بشكلٍ مباشر

 


كيف ستردّ طهران؟


يرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن (CSIS)، أن إيران، حين تشعر بتهديدٍ وجوديٍّ، لن تتردد في استخدام ورقة النفط كتهديد مضاد.

وبما أن ست دول منتجة للنفط في منطقة الخليج تعتمد كليًا على مضيق هرمز، فإن أي عبثٍ بهذا الممر يعني شللاً في شريان الاقتصاد العالمي.

 تهديدات تطال إمدادات النفط


يورد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أربعة سيناريوهات محتملة لانقطاع إمدادات النفط. فما هي؟ 

 تهديدات تطال إمدادات النفط

يورد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أربعة سيناريوهات محتملة لانقطاع إمدادات النفط. فما هي؟ 


السيناريو الأول:
عرقلة شحنات الخام الإيراني

قد يتخذ هذا السيناريو شكل حصار أو الاستيلاء على “جزيرة خارك”، وهي المنشأة الرئيسية لتحميل النفط الإيراني على السفن، والاستيلاء على ناقلات النفط التي تنقل النفط الخام الإيراني.

هذا السيناريو قد يحرم السوق من 1.6 مليون برميل يوميًا (تتجه أساسًا للصين)، وقد يؤدي إلى دفع بكين للمزايدة على إمداداتٍ بديلةٍ، ما يرفع السعر العالمي بمعدل 10 إلى 12 دولارًا.

 ميزة هذا السيناريو أنه “قابل للتراجع”، إذ يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل إنهاء حملتهما ضد الشحنات الإيرانية في أي وقت من دون تكبّد أي ضرر دائم، على أن تنتعش أحجام الصادرات بعد ذلك.

السيناريو الثاني:
إيران تعرقل حركة النقل في الخليج

يمكن أن تلجأ إيران إلى عرقلة حركة النقل في الخليج عبر استهداف مضيق هرمز الذي لا يتجاوز عرض ممراته ميلين.

قد تحاول إيران تحويل مسار ناقلات النفط أو السيطرة عليها، أو مهاجمتها مباشرةً باستخدام زوارق هجومية سريعة، أو طائرات مسيرة، أو صواريخ مضادة للسفن، أو ألغام بحرية.

وقد يتم تقليص أو إيقاف ما يصل إلى 18 مليون برميل يوميًا – وربما أقل بكثير – من النفط الخام غير الإيراني ومشتقاته المكررة مؤقتًا.

قد يؤدي ذلك لوقف تصدير ملايين براميل النفط يوميًا لعدة أسابيع ريثما تتمكن القوات البحرية المتحالفة من تحييد التهديدات البحرية والبرية التي تستهدف تدفقات شحنات الطاقة. 

في هذه الحالة، قد تتجاوز الأسعار 90 دولارًا للبرميل، ويرتفع سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى ما يزيد عن 3 دولارات للغالون.

كما هو الحال في السيناريو الأول، فإن سلسلة الأحداث هذه قابلة للعكس؛ إذ يمكن لطهران أن توقف أنشطتها في أي وقت، أو يمكن للقوى العالمية أن تكبح محاولاتها للتدخل، ما يسمح لأحجام صادرات الخليج بالانتعاش.

 قد تستهدف الولايات المتحدة الأميركية جزيرة خارك وخطوط إمدادها – غيتي

السيناريو الثالث:
استهداف المنشآت النفطية الإيرانية

في هذا السيناريو، ستشنّ القوات الجوية والبحرية غارات على جزيرة خارك وخطوط إمدادها، ومنصات الإنتاج البحرية، وربما (بنسبة أقل) مصافي النفط الإيرانية.

تستحوذ محطة التصدير الإيرانية في جزيرة خارك على معظم حجم صادراتها البالغ 1.6 مليون برميل يوميًا. ويمكن تعطيل خارك بعدة طرق، منها تعطيل أو تدمير معدات تحميل السفن كالخراطيم والمضخات وأجهزة التوصيل، أو إتلاف خزانات تخزين النفط، أو قطع تدفق النفط إلى خارك عبر خطوط الأنابيب تحت سطح البحر.

وتشمل نقاط الاختناق في إمدادات النفط إلى خارك محطة غوره المعززة على اليابسة، ومحطة التوزيع في غانوه، وخطوط الأنابيب نفسها.

ولا تقتصر المخاطر على صادرات إيران من النفط، بل تشمل أيضًا إنتاجها المحلي الإضافي من النفط البالغ 1.5 مليون برميل يوميًا (في حال استهداف المنصات/الحقول)، وإمداداتها المحلية من وقود النقل كالبنزين (في حال تضرر المصافي). 

سيؤدي تدمير معدات التحميل أو خطوط الأنابيب تحت سطح البحر في انقطاعٍ طويل الأمد، ما قد يدفع الأسعار  إلى التحليق فوق حاجز الـ 100 دولار للبرميل نتيجة الضرر الدائم في البنية التحتية.

السيناريو الرابع:
هجوم مباشر على منشآت الخليج

قد تطال الهجمات الإيرانية حقول الإنتاج، ومراكز التجميع والمعالجة، أو محطات تصدير النفط في الخليج العربي.

وفي هذا السيناريو، ستكون نسبة كبيرة من صادرات النفط غير الإيرانية من الخليج، والبالغة 18 مليون برميل يوميًا، معرضة للخطر، وذلك بحسب الأصول التي قد تتوقف عن العمل ومدة توقفها.

كما ستكون ملايين البراميل الإضافية يوميًا من مخزون النفط الخام المحلي وإمدادات المنتجات المكررة في الدول المتضررة معرضة للخطر أيضًا.

هذا السيناريو قد يؤدي إلى “ارتفاعٍ تاريخي” يتجاوز 130 دولارًا للبرميل (الرقم المسجل عام 2022 عقب الهجوم الروسي على أوكرانيا). كما قد تتعطل تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز إلى الأسواق العالمية تمامًا.
هل يغني “البحر الأحمر” عن “هرمز”؟

تبدو قدرة دول المنطقة على تجاوز مضيق هرمز محدودةً تقنيًا؛ إذ لا تستطيع طرق التصدير الأخرى استيعاب سوى جزء ضئيل من صادرات الخليج اليومية.

فخط أنابيب أرامكو السعودية يربط بين الشرق والغرب مراكز إنتاج النفط في المنطقة الشرقية بميناء ينبع التجاري على البحر الأحمر. ويمكن لهذا الخط تحويل مسار بعض البراميل من الخليج إلى البحر الأحمر، ولكن بكميات أقل.

ويُعتقد أن طاقة الخط تبلغ 5 ملايين برميل يوميًا. إلا أنه يزود ينبع حاليًا بما يقارب 800 ألف برميل يوميًا لشحنات التصدير، ومن المرجح أنه يزود ست مصافي تابعة لأرامكو السعودية في وسط وغرب المملكة بنحو 1.8 مليون برميل يوميًا.

وهذا من شأنه أن يترك حوالي 2.4 مليون برميل يوميًا فقط من الطاقة الاحتياطية في خط الأنابيب، مقارنة بـ6 ملايين برميل يوميًا المعتادة للمملكة العربية السعودية من محطاتها الخليجية – ما يتيح إعادة توجيه أقل من نصف صادراتها الخليجية.

أما الإمارات، فيمكنها تحويل نحو نصف صادراتها من النفط إلى دول الخليج، والبالغة مليوني برميل يوميًا، عبر خط أنابيب إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، متجاوزةً بذلك مضيق هرمز.

وتستحوذ الفجيرة حاليًا على نحو ثلث إجمالي صادرات الإمارات البالغة 3.2 مليون برميل يوميًا، ما يعني أن الثلث المتبقي سيبقى عالقًا في حال إغلاق مضيق هرمز.

في المقابل، تبقى الدول الخليجية الأخرى المصدرة للنفط – العراق والكويت والبحرين وقطر (بإجمالي 5.7 مليون برميل يوميًا) – بلا أي منفذ بديل لمضيق هرمز؛ كما لا يوجد منفذ آخر لصادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال، والبالغة 10 مليارات قدم مكعب يوميًا.


معضلة ترمب وفرصة الدبلوماسية


وفق تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، تواجه إدارة ترمب معضلةً وجوديّة من أجل الموازنة بين “دبلوماسية القوة” ضد إيران، وتجنّب التسبب في انقطاع غير مرغوب فيه لإمدادات النفط وارتفاع حاد في أسعار البنزين، ما قد يؤلب الراي العام الداخلي.

ففي تجاربه السابقة في فنزويلا (عملية “مطرقة منتصف الليل واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو)، اتخذ ترمب خيارات عسكرية ذات مخاطر منخفضة. لكن إيران “رقمٌ صعبٌ” لا يمكن التنبؤ بردود فعله.

تستحوذ محطة التصدير الإيرانية في جزيرة خارك على معظم حجم صادراتها البالغ 1.6 مليون برميل يوميًا – غيتي 

عمومًا، ورغم التصعيد الميداني والحشود العسكرية، فإنّ باب التفاوض لم يغلق تمامًا، إذ من المقرر عقد جولة ثالثة وحاسمة من المحادثات في 26 فبراير/ شباط الحالي. 

ووفق تحليل لمجموعة الأزمات الدولية، يمكن للجانبين تعزيز مصالحهما من خلال اتفاق تتعهد فيه إيران بمواصلة تجميدها الحالي لتخصيب اليورانيوم، ريثما يتم وضع تفاصيل ترتيبات طويلة الأجل، مقابل تخفيف العقوبات إلى حد ما، مع تفاهماتٍ بشأن المدى الصاروخي.

مثل هذه الصفقة قد تمنح الجميع سلمًا للنزول عن حافة الهاوية.

كلفة اقتصادية وسياسية


يعي المخططون العسكريون الأميركيون حجم تكلفة القتال الواسع النطاق، ليس فقط من حيث المخاطر التي تهدد القوات والمعدات الأميركية، بل أيضًا من حيث الأموال التي يدفعها دافعو الضرائب.

فحرب الأيام الاثني عشر في يونيو/ حزيران 2025 كلّفت إسرائيل ما يصل إلى 12 مليار دولار، واستنزفت ربع مخزون الولايات المتحدة من صواريخ ثاد الاعتراضية – حوالي 150 صاروخًا – تبلغ قيمة كل منها 12 مليون دولار.

وتتصاعد المخاوف داخل المؤسسة العسكرية بشأن تأثير إرسال هذا الكم الهائل من الأصول الأميركية إلى الشرق الأوسط على جاهزية الولايات المتحدة في مناطق أخرى.

فهل يغامر ترمب بحربٍ قد تحرق أسعار النفط، أم يكتفي بـ “مطرقة” التهديد ليدق مسمارًا أخيرًا في نعش الاتفاق القديم؟