![]()

بقلم/ محمد الحسن محمد نور
في الثالث والعشرين من فبراير 2026، سقطت بلدة مستريحة في شمال دارفور بيد قوات الدعم السريع. لم يكن سقوطها مجرد تغيير لموازين القوى العسكرية في إقليم يعرف الحروب منذ عقود، بل كان اشتعالاً لبارود قديم ظل مدفوناً تحت رمال الصحراء منذ تسع سنوات. ففي العام 2017 وفي نفس المكان “مستريحة تحديداً”، دارت معركة كان طرفاها هما نفس الشخصين: محمد حمدان دقلو “حميدتي” من جهة، والشيخ موسى هلال من جهة أخرى. يومها، كان حميدتي هو من يقاتل باسم الدولة لتطويع هلال “المتمرد”، واليوم تنعكس الآية تماماً؛ فيقف هلال في خندق الجيش مدافعاً عن الدولة، بينما يهاجمه حميدتي من خارجها. لقد تبادل الرجلان المواقع فوق ذات الأرض التي شهدت صراعهما الأول، وباتت المعايير السياسية مجرد انعكاس لمن يملك القوة في اللحظة الراهنة. لكن الثمن هذه المرة قد يكون أغلى بكثير.
موسى هلال ليس مجرد شيخ قبيلة عادي. فهو المؤسس الحقيقي لميليشيا الجنجويد، التي تغيّر اسمها لاحقاً إلى “الدعم السريع”، قبل أن يتحول إلى خصم للنظام ذاته بعد تمرده لأسباب تتعلق بذهب جبل عامر. وهو الآن يقود “مجلس الصحوة الثوري” المتحالف مع الجيش السوداني. وبينه وبين حميدتي، ابن عمه من فرع الماهرية في قبيلة الرزيقات، عداوة قديمة تتجدد اليوم بدماء جديدة. الدعم السريع لم يهاجم مستريحة فقط، بل هاجم مقر إقامة هلال ومستشفى البلدة وسرادق عزاء، بمُسيّرات وعربات قتالية، وأسر أحد أبناء هلال. وقد نجا الشيخ نفسه، لكن الجرح القبلي يبقى غائراً، لا يُرجى له اندمال.
الخطر الحقيقي لا يكمن في من ينتصر عسكرياً في هذه المعركة بالذات. الخطر هو أن مستريحة فتحت الباب واسعاً أمام حرب أهلية بين فرعي قبيلة الرزيقات: المحاميد (الذي ينتمي إليه هلال) والماهرية (الذي ينتمي إليه حميدتي). وهي حرب تحمل في أحشائها إمكانية تمزيق النسيج الاجتماعي في دارفور كلها، وإعادة إنتاج الصراع بمنطق الثأر القبلي الذي لا ينتهي. هنا تتداخل الضغائن التي تحملها قبائل الزغاوة والزرقة تجاه الجنجويد في اسميه القديم والجديد، لتحول المعركة إلى مواجهة قبلية شاملة.
لكن لماذا الآن؟
طوال سنوات الحرب الأربع، لم يهجم الدعم السريع على هذه المنطقة، رغم أن إعلان هلال مساندته للجيش لم يكن جديداً. الدعم السريع يدرك أن هجومه على مستريحة سيهز تماسكه الداخلي، وربما يشعل حرباً قبلية تأكل الأخضر واليابس. لكنه وجد نفسه محشوراً في الزاوية: خسائره المتلاحقة على الأرض، ووجوده المرتجف أمام محور قوي يساند الجيش، وداعمون خارجيون يرسمون له عملياته العسكرية ولا تملك مخالفتهم. لم يعد أمامه خيار غير اقتحام المنطقة، فاقتحمها ولسان حاله يقول: “مكره أخاك لا بطل.. عليّ وعلى أعدائي يا رب”.
سياق الأحداث يشير إلى أن هذا الهجوم لم يكن قراراً أصيلاً للدعم السريع، بل يبدو مدفوعاً من الجهة صاحبة المصلحة. فالطرف الساعي إلى التفتيت لا بد أن يخشى من أن يؤدي انهيار الدعم السريع – الذي بدا وشيكاً – إلى إنهاء اللعبة مبكراً. هنا يصبح خيار الحرب الأهلية بديلاً استراتيجياً يحقق النتيجة ذاتها: تفتيت السودان من الداخل.
فإذا بحثنا عن المستفيد الحقيقي من هذه الدوامة، نجد تفسيرات متعددة. هناك من يشير إلى الإمارات كذراع إقليمي يدعم الدعم السريع، وهناك من يرى أن محور مصر وتركيا والسعودية يحاول جاهداً رأب الصدع وإعادة بناء الدولة، ودرء خطر الفوضى على دولهم ومصالحهم، وهناك من يتحدث عن تناقضات الموقف الأمريكي الذي يصنف السودان شريكاً في مكافحة الإرهاب لكنه يتركه تحت الضغط. هذه التفسيرات كلها صحيحة في مستواها، وتكشف عن تداخل المصالح الإقليمية والدولية في السودان. لكن التأمل العميق في تاريخ الصراع يكشف عن طبقة أقدم وأعمق من اللاعبين، طبقة تتحرك بصمت خلف هذه الأسماء كلها.
في العام 1955، وقبل استقلال السودان بأشهر، تمردت حامية توريت في الجنوب. كانت تلك الشرارة الأولى لحرب أهلية استمرت عقوداً. بعد حرب الأيام الستة في 1967، وجدت إسرائيل في الصراع السوداني فرصة استراتيجية لفتح جبهة جديدة تستنزف النظام العربي. حينها تواصل جوزيف لاقو، زعيم حركة أنيانيا المتمردة، مع إسرائيل وحصل على دعم سخي بالسلاح والذخيرة وأكثر. كان الهدف هو تفكيك أكبر دولة عربية في أفريقيا من الداخل، وخلق كيانات مسلحة موالية تضمن استمرار الضغط على الخرطوم والقاهرة معاً.
في العام 1982، ظهرت خطة “عوديد ينون” في مجلة “كيڤونيم” الصهيونية. لم تكن الخطة بداية المشروع، بل كانت تدويناً نظرياً لاستراتيجية كانت تُنفذ بالفعل. تنص الخطة صراحة على ضرورة تفكيك الدول العربية الكبرى (ومن بينها السودان) إلى دويلات عرقية ودينية صغيرة، لضمان التفوق الإسرائيلي في المنطقة. وفي وصفها للسودان، تصفه بأنه “الدولة الأكثر تفككاً في العالم العربي الإسلامي”، وتقول “حيث يحكم أقلية مسلمة سنية عربية أغلبية أفريقية غير مسلمة”. هذا التحليل العنصري كان بمثابة خريطة طريق للتدخلات اللاحقة.
ما يجري في مستريحة اليوم ليس منفصلاً عن هذا التاريخ الطويل. هي حلقة جديدة في سلسلة حروب استنزاف الدولة السودانية. بعد النجاح الذي حققته ذات الخطة بفصل جنوب السودان وتحويله إلى دولة فاشلة جديدة، ها هي العجلة تدور مجدداً في دارفور. إذا انتصر الدعم السريع، فقد يوسع نفوذه في الإقليم ويقترب أكثر من تحقيق مشروع انفصالي يخدم الأجندة الخارجية. وإذا انهزم، فإن الحرب القبلية بين المحاميد والماهرية ستستقطب آخرين وستستمر في تمزيق ما تبقى من السودان، وسيبحث كل طرف عن دعم خارجي جديد، وتستمر العجلة في الدوران بأدوات دارفورية جديدة.
في الحالتين، الدولة والشعب هما الخاسر الأكبر. وفي الحالتين، المستفيد الاستراتيجي هو من يخطط لتفتيت المنطقة منذ عقود. مشروع “ينون” لا يعنيه من ينتصر، فقط يهتم بأن تستمر الحرب، وأن تتعمق الانقسامات، وأن تتحول القبائل إلى كيانات مسلحة متقاتلة، وأن تبقى الخرطوم مشتتة في الداخل ومشغولة عن محيطها العربي وعن عمقها الأفريقي.
في مستريحة، يقف المستفيد الحقيقي يراقب ويوجه المشهد من بعيد. فيرى قبيلة الرزيقات تتقاتل مع نفسها وتتآكل، ويرى ذهب جبل عامر يتحول إلى دم، ويبتهج برؤية حركتين سودانيتين من أبناء العمومة تنتهكان بعضهما البعض، ويسعده أن يرى الجيش السوداني مستهدفاً ومطوقاً ومحاصراً، ويرى مصر تقلق على حدودها الجنوبية، والسعودية وتركيا تتدخلان في محاولة لوقف نزيف لا يتوقف. المستفيد لا يحتاج إلى الانتصار في معركة، لأن استراتيجيته تنتصر. هو لا يحتاج إلى أن يحكم الخرطوم، فقط يريد ألا تبقى هناك خرطوم قادرة على حكم نفسها.
“الله أكبر.. الله أكبر” يقولها الطرفان المتقاتلان، كل منهما يعتقد أنه يضرب خصمه. لكن الحقيقة أن أياً منهما ربما لا يدرك أن المستفيد الحقيقي من هذه الحرب هو من وضع هذا السيناريو قبل عقود، وجلس يوجه ويراقب.
من توريت 1955 إلى مستريحة 2026، الطريق طويل، لكن الوجهة واحدة: تفتيت السودان. إن التجربة المريرة التي خاضها الشعب السوداني طيلة هذه العقود، والحرب الضروس والكوارث الإنسانية غير المسبوقة التي عاشها، كفيلة بأن تعيده إلى جادة الطريق. ويبقى الأمل معقوداً على أن يتلمس الشعب السوداني مخرجه من هذه الدوامة، وأن يكون حازماً وصارماً في التخلص من المليشيات والحركات المسلحة الانتهازية، لأن ذلك هو الطريق الأوحد نحو الخروج من الأزمة والانعتاق.
محمد الحسن محمد نور
25 فبراير 2026
Nourmohammed481@gmail.com