![]()
حديث المدينة – الثلاثاء 3 مارس 2026
“برغم الجو الماطر والإعصار” الذي يلف الشرق الأوسط، والحريق في وطننا، ثم التقارير الأمريكية عن هجمات إثيوبية جوية على السودان، إلا أنني موقن بأن الظرف مناسب للخروج من النفق المظلم واستشراف مستقبل يليق ببلادنا وشعبنا.
قراءة كف المستقبل في الشرق الأوسط باتت أوضح من أي وقت مضى، والرهان على المستقبل أسهل كثيرًا من البكاء على اللبن المسكوب والفرص الضائعة التي أهدرناها أمام المرمى الخالي. ولكن!!
نحتاج لشجاعة الخروج من شح الذات السياسية، والنظر بأعين المصالح القومية. فالواقع المر الذي نعانيه هو نتاج الإصرار على الرؤية المايكروسكوبية الضيقة، ولن نستطيع تغيير الحال إلا بتغيير أنفسنا سياسيًا.
الخطوة الأولى أن ندرك أننا في حاجة لبناء دولة، وليس مجرد التعافي من دمار حرب ضروس، واختصارها في إعادة الخدمات والإعمار وغيرها. الدولة معناها أكبر من مجرد الملموس من المطلوبات؛ القوام المعنوي هو أساس بنائها.
أمس صدر قرار بتعيين السيد علي عسكوري في منصب العضو المنتدب لشركة “زادنا”، واحدة من أكبر المجموعات الاقتصادية في السودان. الأمر هنا لا يتعلق بشخص أو تنقلات طبيعية في الوظائف التنفيذية، بل بالمنهج الذي تدار به الدولة ويظهر في مثل هذه القرارات.
قبل أسابيع قليلة دار لغط حول عقد إعادة بناء الجزء المدمر من كبري الحلفايا، وبعيدًا عن التفاصيل، لكن الصورة العامة تظهر أيضًا إلى أي مدى غياب الدولة بمعناها المؤسسي عن المشهد.
وغيرها كثير من الأحداث التي تطفو فوق سطح الأخبار وتشغل الناس، لا تعبر عن مشاكل حقيقية بقدر ما هي تمظهرات غياب الدولة معنى ومبنى.
بناء دولة السودان الحديثة يتطلب الإيمان بمبادئ أساسية: أن الدولة مثلث يتكون من ثلاثة أضلاع هي: الإنسان – المؤسسات – التشريعات. ولكل ضلع مطلوباته الحتمية.
الإنسان هو قاعدة هذا المثلث؛ كل بناء الدولة يقوم على مصالحه وضمان أفضل وضع له لا يحترم حقوقه فحسب، بل يجعله أساس الحركة والسكون، لبنة البناء الأساسية التي تفرض شروطها على كامل المبنى.
الضلع الثاني: المؤسسات: بغيرها تتحول الدولة إلى مجرد أسماء لأشخاص، ولافتات صورية تتخفى حولها مراكز قوى وشلليات.
الضلع الثالث: التشريعات، وهي خوارزميات برمجة عمل الدولة؛ من غيرها تصبح الدولة كتلة صامتة خرساء وعمياء لا تقدر على الفعل.
ولكل من الأضلاع الثلاثة مطلوباته الحتمية وشروطه ومعاييره القياسية.
هل صعب أن نتبع خارطة طريق واضحة تجعل السودان دولة قوية ومؤثرة في العالم؟