العملية البرية في إيران.. سيناريو واقعي أم ورقة ضغط سياسية؟

العملية البرية في إيران.. سيناريو واقعي أم ورقة ضغط سياسية؟

Loading

ما إن بدأ العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي، حتى تصاعد الحديث عن احتمال لجوء واشنطن إلى نشر قوات برية داخل الأراضي الإيرانية، ولا سيما إذا كانت تسعى إلى إسقاط النظام.

لكنّ هذا السيناريو، رغم حضوره في الخطاب السياسي والإعلامي، يصطدم بعقبات ميدانية ولوجستية هائلة تجعل تحققه موضع شك كبير.

وقد كشفت شبكة “سي أن أن” الأميركية أن وكالة الاستخبارات المركزية تعمل، في هذه المرحلة، على تسليح القوات الكردية بهدف إشعال انتفاضة شعبية في إيران.

كما أوردت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية تفاصيل اتصالات أجرتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع قيادات كردية في إيران والعراق، في إطار مساعٍ لاستكشاف إمكان دعم تحركات معارضة للنظام الإيراني.

ونقلت عن مصادر مطلعة على فحوى الاتصالات قولها إن ترمب عرض، خلال مكالمات هذا الأسبوع، “غطاءً جويًا أميركيًا واسع النطاق، وأشكالًا أخرى من الدعم لجماعات كردية إيرانية معارضة للنظام، بهدف السيطرة على أجزاء من غرب إيران“.

غير أن هذا المسار لم يلبث أن بدا أكثر تعقيدًا، مع إشارات إلى تراجع ترمب عن الدفع باتجاه إشراك الأكراد مباشرة في الحرب.

ففي 8 مارس/ آذار الجاري، قال ترمب عقب مشاركته في مراسم قصيرة على مدرج قاعدة دوفر الجوية في شمال شرق الولايات المتحدة لاستقبال جثامين الجنود الأميركيين الستة الذين قُتلوا في الحرب على إيران:

“لا نريد أن ينخرط الأكراد في الحرب. لدينا علاقة ودية للغاية مع الأكراد، كما تعلمون، لكننا لا نريد أن نجعل هذه الحرب أكثر تعقيدًا مما هي عليه”.

الورقة الكردية.. تعقيد إضافي لا يفتح طريق الحسم


يبدو أن الرئيس الأميركي تنبّه إلى التداعيات التي قد تترتب على خطة كهذه. ففي مقال نشرته “بلومبرغ“، رأى الكاتب مارك تشامبيون أن دخول الأكراد إلى القتال ضد إيران قد يحوّل الصراع إلى حرب طويلة ومعقدة يصعب احتواؤها. وأشار إلى أن هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام نمط من الحروب الممتدة، ليس بالضرورة عبر نشر قوات أميركية على الأرض، بل من خلال تدخل خارجي يشعل صراعًا محليًا ثم يترك المنطقة أمام فوضى طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، لا يبدو انتقال عناصر من المعارضة الإيرانية من مخيماتها في إقليم كردستان إلى الداخل الإيراني أمرًا سهلًا، بحسب ما تنقله أحزاب معارضة، وفق الكاتب والباحث السياسي كفاح محمود. ويوضح محمود، في حديث إلى التلفزيون العربي من أربيل، أن ذلك لا ينفي احتمال أن تتحرك قوى معارضة من داخل إيران نفسها، سواء في كردستان أو الأحواز أو في أوساط البلوش وحتى الأذريين، إذا ما استمرت هذه الحرب.

فيديو – نقاش حول مخطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضمّ الأكراد إلى حربه ضدّ إيران
(جانب من التغطية المفتوحة عبر شاشة التلفزيون العربي – 7 مارس)

وقال حسن شرفي، عضو اللجنة التنفيذية في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، إن الحزب أعدّ مختلف سيناريوهات الحرب، وإنه مستعد، في ما يتعلق بالوضع داخل إيران، للتدخل ولعب دور قيادي.

ومن جهته، حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي مع بافل طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني العراقي، من “تحركات إرهابية” على الحدود مع العراق.


جغرافيا معادية لأي توغل بري

بحسب موقع “سبيشال يوراسيا“، فإن التحليل الجغرافي والاستراتيجي لأي عملية برية تنطلق من إقليم كردستان نحو شمال غرب إيران، أي باتجاه محافظتَي أذربيجان الغربية وكردستان، يكشف عن مسرح عمليات بالغ التعقيد. فأي توغل بري سيصطدم أولًا بجبال زاغروس، التي تشكّل حصنًا طبيعيًا وحاجزًا دفاعيًا شديد الصلابة.
ولهذا، فإن التقدم من إقليم كردستان إلى شمال غرب إيران قد يكون ممكنًا من الناحية الجغرافية أمام وحدات صغيرة أو عمليات تسلل محدودة، لكنه بالغ الصعوبة عندما يتعلق الأمر بعمليات عسكرية تقليدية واسعة ومتواصلة. وفوق ذلك، تفرض وعورة التضاريس على أي قوة مهاجمة سلوك مسارات شبه معروفة، بما يمنح القوات الإيرانية أفضلية التمركز في المرتفعات ونصب الكمائن.

من أين يمكن اختراق إيران برًا؟


وفق مقال تحليلي نشره موقع “ديباغ لايز نيوز، فإن الغزو البري من الشرق يبدو غير ممكن، في ظل غياب بنية تحتية عسكرية أميركية موثوقة في أفغانستان يمكن أن تدعم عملية من هذا النوع. أما خيار الدخول من الغرب عبر العراق، فقد تراجع بدوره بسبب الهشاشة السياسية وتبدل أوضاع القوات المنتشرة هناك.

وفي المقابل، لا يبدو خيار شن عملية برية من الشمال عبر تركيا عمليًا من الناحية الاستراتيجية، كما أنه يفتقر إلى الموقع الجغرافي الملائم لاختراق سريع وحاسم نحو المناطق السكانية ذات الثقل السياسي في غرب إيران ووسطها.

ويبقى خيار التقدم من الجنوب عبر الخليج الأكثر سهولة من الناحية النظرية، لكنه في الوقت نفسه الأكثر خطورة عمليًا، إذ إن المرور قرب مضيق هرمز يظل شديد الحساسية في ظل الحضور الإيراني الكثيف في تلك المنطقة.

تُعدّ الجغرافيا الإيرانية عائقًا أمام أي عملية برية – غيتي

ولا تقف التعقيدات عند حدود التضاريس. فإيران دولة شاسعة المساحة ومرتفعة الكثافة السكانية. وقدّر البنك الدولي عدد سكانها بـ91,567,738 نسمة في عام 2024، فيما تبلغ مساحتها 1,745,150 كيلومترًا مربعًا. وهي، بهذا المعنى، ليست ساحة يمكن لاختراقات ساحلية محدودة أن تُنتج فيها حسمًا استراتيجيًا سريعًا.

وفي حديث إلى التلفزيون العربي من أوهايو، يرى الخبير في العلاقات الدولية والشأن الأميركي خالد الترعاني أن سيناريو الغزو البري الأميركي لإيران لا يزال، من منظور عسكري واستراتيجي، مستبعدًا في المدى المنظور. فمثل هذه العمليات تتطلب حشدًا لوجستيًا هائلًا، وتحالفًا دوليًا واسعًا، وتنسيقًا وثيقًا مع دول الجوار، وهي دول لا ترغب حاليًا في الانخراط في صراع ستكون من أبرز المتضررين منه.

ويشرح الترعاني أن دخول القوات الأميركية في مواجهة برية فوق تضاريس إيران المعقدة، وفي ظل غياب التهيئة الكاملة، سيحوّل البلاد إلى “مقبرة للجنود”.

كما يلفت إلى أن تجربة المقاومة العراقية لا يمكن تجاهلها، ولا سيما أن ذروة فاعليتها ارتبطت بالدعم التقني واللوجستي الإيراني، خصوصًا في مجال العبوات الجانبية المتطورة التي ألحقت خسائر جسيمة بالمعدات والجنود الأميركيين.

“إن أي مغامرة برية غير محسوبة في العمق الإيراني ستكون بمثابة مقتلة كبرى ومخاطرة استراتيجية قد لا يتحمل ترمب تبعاتها”.

لكنه يشير، في الوقت نفسه، إلى أن عنصر “المفاجأة السياسية” يبقى حاضرًا مع شخصية مثل دونالد ترمب، الذي قد يتخذ قرارًا منفردًا بشن تدخل بري من دون استكمال الجاهزية اللوجستية المطلوبة.


بدائل أقلّ كلفة.. قوات خاصة بدل الغزو


يبدو أن ترمب يدرك هذه التعقيدات، ولذلك يطرح سيناريوهات بديلة أقل كلفة. فقد نقل موقع “أكسيوس” الأميركي عن أربعة مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة وإسرائيل ناقشتا إرسال قوات خاصة إلى إيران لتأمين مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب في مرحلة لاحقة من الحرب.

وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد شنتا هجمات على منشآت نووية رئيسية خلال عدوان يونيو/ حزيران الماضي، الذي استمر 12 يومًا. إلا أنّ الغموض بشأن اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب ازداد، نظرًا إلى مرور نحو تسعة أشهر منذ آخر مرة تحقّق فيها مفتشو الأمم المتحدة الذريون من موقعه.

وقال ترمب في وقت متأخر من مساء السبت 7 مارس/ آذار الجاري، خلال مؤتمر صحفي على متن طائرة الرئاسة: “لم يتمكنوا من الوصول إلى اليورانيوم، وربما نتمكن نحن من ذلك في وقت ما. لم نسعَ إليه بعد، لكنه أمر يمكننا القيام به لاحقًا. لن نفعل ذلك الآن”.

فيديو – نقاش حول العملية البرية في إيران والتحديات التي تواجه أميركا
(جانب من التغطية المفتوحة عبر شاشة التلفزيون العربي – 8 مارس)

الشارع الأميركي وذاكرة العراق وأفغانستان


على صعيد آخر، يعارض نحو 60% من الأميركيين الحرب على إيران، وفق شبكة “سي أن أن“. ومن غير المرجح أن يحظى أي تدخل بري داخل إيران بتأييد هؤلاء، ولا سيما بعد مشهد نعوش الجنود الأميركيين التي وصلت إلى الولايات المتحدة واستقبلها ترمب.

وكان العناصر الستة الذين قُتلوا في أعقاب شن الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانًا على إيران جنود احتياط نُشروا في الكويت، وكانوا يتبعون لقيادة الدعم 103 التي تتخذ من دي موين، في ولاية أيوا، مقرًا لها.

وأعاد هذا المشهد إلى الأذهان ذكريات الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان. ففي 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2001، بدأ تحالف بقيادة الولايات المتحدة هجمات على أفغانستان التي كانت تسيطر عليها طالبان، عبر حملة قصف مكثفة نفذتها القوات الأميركية والبريطانية. وشكلت تلك الهجمات بداية حضور أميركي في أفغانستان استمر 20 عامًا، قُتل خلاله نحو 2460 جنديًا أميركيًا.

وفي عام 2003، دفعت واشنطن وقواتها الحليفة بنحو 295 ألف جندي إلى العراق عبر حدوده مع الكويت.

ثم انخرطت الولايات المتحدة في احتلال عسكري للعراق دام ثماني سنوات. ووفق مجلس العلاقات الخارجية، قُتل نحو 4500 جندي أميركي، وأكثر من 300 جندي من قوات التحالف، إلى جانب عشرات الآلاف من العراقيين. كما بلغت التكلفة المالية للحرب والاحتلال 3 تريليونات دولار. وبحلول انسحاب القوات الأميركية من العراق عام 2011، لم يكن لدى واشنطن سوى القليل لتبرير سعيها إلى تغيير النظام.

من الجغرافيا المعقدة إلى ذاكرة العراق وأفغانستان، تبدو العملية البرية في إيران سيناريو شديد الكلفة. لكنّ استبعاده لا يعني شطبه نهائيًا من الحسابات، ما دام القرار في يد رئيس مثل دونالد ترمب، لطالما قدّم الاندفاع السياسي على الحسابات الكلاسيكية للميدان.
قد يكون مشهد النعوش في قاعدة دوفر كابحًا اليوم، لكنه لا يكفي وحده لضمان ألا تتحوّل المغامرة المستبعدة إلى قرار مفاجئ.