![]()
وُلدت وكالة الطاقة الدولية من رحم أزمات السبعينيات العاصفة، حين أدرك العالم ضرورة كسر هيمنة القوى النفطية التقليدية وتأمين الاقتصاد العالمي ضد الصدمات.
واليوم، وبعد مرور خمسة عقود، تعود الوكالة ودولها الـ 32 لتفعيل بروتوكولات الطوارئ، في خطوة نادرة لم تتكرر سوى أربع مرات سابقًا طوال تاريخها.
ويوم الأربعاء، أعلنت الوكالة عن إطلاق 400 مليون برميل من النفط الخام الطارئ، أي ما يعادل ثلث إجمالي المخزونات الحكومية لدى المجموعة، للمساعدة في تهدئة صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. ويُعدّ هذا أكبر إطلاق لاحتياطيات النفط في تاريخها.
وقد تضاعف سعر برميل النفط الخام أربع مرات بين أكتوبر/ تشرين الأول 1973 ويناير/ كانون الثاني 1974، بعد أن خفّضت دول منظمة أوبك إنتاجها؛ ثم انخفض، قبل أن يتضاعف ثلاث مرات تقريبًا مرة أخرى عام 1979، عقب الثورة الإيرانية.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الإنتاج الاقتصادي أقل اعتمادًا على الوقود الأحفوري، ويعني ظهور منتجين جدد للطاقة أن مصادر الإمداد باتت أكثر تنوعًا.
ومع ذلك، فإن رد إيران على العدوان الإسرائيلي الأميركي الذي شنّه دونالد ترمب، والذي أدّى فعليًا إلى إغلاق مضيق هرمز الحيوي، قد أبرز مدى هشاشة العالم أمام تقلبات أسعار النفط.
حجم الاحتياطات النفطية الطارئة
وكشرطٍ لعضوية وكالة الطاقة الدولية، تلتزم الدول بضمان امتلاكها احتياطيات نفطية طارئة، تعادل صافي وارداتها لمدة 90 يومًا.
ويبلغ إجمالي هذه الاحتياطيات نحو 1.2 مليار برميل، ثلثها تقريبًا في الاحتياطي البترولي الإستراتيجي الأميركي (الذي لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ به، رغم تجاوزها شرط وكالة الطاقة الدولية منذ أن جعلت طفرة الغاز الصخري الولايات المتحدة مُصدِّرًا صافيًا).
وفي أوقات الاضطرابات الكبيرة في إمدادات أسواق الطاقة، يمكن حينها الإفراج عن هذه المخزونات – أي عرضها للبيع – لتسهيل تدفق النفط إلى حيث تشتد الحاجة إليه.
ووفق صحيفة “الغارديان”، لم تشهد وكالة الطاقة الدولية سوى أربع عمليات إفراج منسقة أخرى عن الإمدادات الإستراتيجية منذ تأسيسها عام 1974، مما يؤكد خطورة الأزمة الحالية.
وكانت أولى هذه العمليات عام 1991، بعد عملية عاصفة الصحراء، الحملة العسكرية التي شنّها الرئيس جورج بوش الأب على العراق.
حصل ذلك أيضًا عام 2005، عندما أدى إعصار كاترينا إلى خفض إنتاج الولايات المتحدة في خليج المكسيك إلى النصف؛ وكذلك عام 2011، عندما تدخل حلف الناتو في ليبيا. وعام 2022، بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا.
وتُعدّ المملكة المتحدة من بين الدول التي تُطلق احتياطياتها في السوق، حيث ساهمت بـ 13.5 مليون برميل.
وفي حالة المملكة المتحدة، يعني ذلك إصدار أوامر بالإفراج عن المخزونات التي تحتفظ بها الشركات الخاصة نيابةً عن الحكومة، وتوزيعها في جميع أنحاء المملكة المتحدة.
العمل الجماعي ممكن
ووفق “الغارديان”، تؤكد هذه الخطط أنه على الرغم من تراجع التعددية في العديد من المحافل الدولية، إلا أنه عند وقوع حالة طوارئ، لا يزال العمل الجماعي بين الدول ذات التوجهات المتشابهة ممكنًا، حتى وإن كانت اقتصادات كبرى، بما فيها الصين، خارج نطاق وكالة الطاقة الدولية.
وقد شاركت وزيرة الخزانة البريطانية، راشيل ريفز، في مناقشات مع وزراء مالية دول مجموعة السبع بشأن خطة وكالة الطاقة الدولية، ويبدو أن الولايات المتحدة مستعدة للمساهمة، ربما على أمل الحد من تأثير ذلك على أسعار الوقود.
ويتجاوز حجم الإفراج الجديد لوكالة الطاقة الدولية 182 مليون برميل تمّ ضخها في السوق على دفعتين منفصلتين خلال الحرب الأوكرانية.
وقد أدت الإصدارات السابقة إلى انخفاض سعر النفط بمقدار 10 إلى 20 دولارًا للبرميل، على الرغم من أن الأسعار كانت متقلبة للغاية في الأيام الأخيرة لدرجة أنه قد يكون من الصعب فصل تأثير الإمدادات الإضافية عن تأثير أحدث تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أو عن الأحداث الجارية على الأرض في الشرق الأوسط.
إجراء قد لا يكفي لكبح أسعار النفط
لكن الخبراء يقولون إن هناك عدة أسباب تدعو للقلق من أن ضخ كميات إضافية من النفط الخام في السوق قد لا يحل المشكلة إذا ما استمرت الحرب في الشرق الأوسط لفترة طويلة، وفق صحيفة “الغارديان”.
وتنقل الصحيفة عن نيل شيرينغ، كبير الاقتصاديين العالميين في “كابيتال إيكونوميكس”، أن “إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى قطع 10 ملايين برميل من الإمدادات يوميًا؛ إلا أن أكبر كمية أطلقتها وكالة الطاقة الدولية من المخزونات في السابق بلغت 2.5 مليون برميل يوميًا”.
وأوضح شيرينغ أن الأهم هو إمكانية نقل النفط الخام الإضافي إلى حيث تشتد الحاجة إليه: “لا يمكن إطلاق سوى الكمية التي تسمح بها طاقة خطوط الأنابيب”. وقد يؤدي استمرار الصراع لفترة أطول إلى استنزاف كميات من الإمدادات تفوق قدرة مخزونات وكالة الطاقة الدولية على تعويضها.
كما حذّر نيك بتلر، المستشار الاقتصادي والمسؤول التنفيذي في شركة “بريتيش بتروليوم”، من التسرّع في سحب مخزونات النفط، في ظلّ احتمال استمرار الأزمة لفترة طويلة. وقال: “لا يمكن استخدام هذه الاحتياطيات إلا مرة واحدة، لذا يجب توخي الحذر الشديد بشأن الكمية المسحوبة. فهي موجودة جزئيًا كرمز، وكإجراء لتعزيز الثقة”.
أزمة إمدادات الغاز
وأضاف بتلر أن إمدادات الغاز، وليس النفط، هي الأكثر عرضةً للضغوط، وأنه لا يوجد ما يُعادل وكالة الطاقة الدولية فيما يخصّ الغاز.
وأشار بتلر إلى أنه في المملكة المتحدة، إلى جانب التفكير في كيفية حماية المستهلكين من ارتفاع فواتير الخدمات، قد تضطر الحكومة إلى وضع خطط لترشيد استهلاك الطاقة. وقال: “سأندهش كثيرًا إن لم يكن هناك قدرٌ من الترشيد، بحيث يحصل المستهلكون ذوو الأولوية على الإمدادات”.
ويُظهر التحرّك المنسق من قِبل أكبر مستوردي النفط في العالم عزمهم على الحدّ من تأثير هذه الصدمة النفطية الأخيرة. لكن مع تهديد إيران برفع سعر النفط الخام إلى 200 دولار للبرميل، فإن ذلك يؤكد أيضًا على استمرار “ضعف دول الشمال العالمي” أمام أسعار الوقود الأحفوري.
