آخر جمعة من رمضان… الرحمتات بين الماضي والحاضر

آخر جمعة من رمضان… الرحمتات بين الماضي والحاضر

Loading

منوعات ـ النورس نيوز  ـ  في القرى السودانية، كانت الأزقة تضج بأصوات الأطفال وهم يجوبون البيوت في آخر جمعة من رمضان، يطرقون الأبواب مرددين أهازيج طريفة ويترقبون طبق “الحارة” الساخن. الفتة واللحم والتمر المبلول لم تكن مجرد طعام، بل طقس اجتماعي وروحاني يمزج بين الصدقة على الأموات وفرحة الأحياء، ويعرف باسم الرحمتات.
معنى الرحمتات وأصلها
كلمة “الرحمتات” تعني أن الرحمة آتية أو مقدمة، وهو ما يرمز إلى الصدقة التي يقدمها أهل البيت على روح المتوفين من الأقارب، خصوصاً لأول ذكرى لهم في رمضان. هذه العادة تتزامن مع آخر جمعة في الشهر الفضيل، ويسميها أهل السودان “الجمعة اليتيمة”، حيث يفرح الأطفال ويستعيد الكبار ذكريات البركة والكرم الجماعي.
عشاء الميتين وكرم القرى
تُعرف الرحمتات أيضاً باسم “عشاء الميتين”، إذ تقوم الأسر بإعداد وجبة دسمة، غالباً من اللحم، الأرز (فتة الأرز) والخبز، أحياناً مع التمر المبلول أو الحلومر البارد. في الماضي، كان يُذبح خروف أو عنبلوق ويقسم على عدد من الأسر، أما اليوم فاقتصر الأمر غالباً على شراء اللحوم من السوق.
تُقدَّم الوجبة للأطفال، الذين يجلسون في حلقات صغيرة ويأكلونها بحماس شديد، بينما تنتشر رائحة اللحم والخبز الطازج في الأزقة، ويعلو ضحكهم وأهازيجهم، ما يجعل من آخر جمعة مناسبة احتفالية نابضة بالحياة.
الأهازيج… صوت الفرح
الأطفال يرددون كلمات أغانٍ جماعية تستعجل ست الدوكة، المرأة المسؤولة عن تحضير الطعام، لتخرج لهم الفتة الساخنة:
الحارة ما مرقت
ست الدوكة ما وقعت
قشاية قشاية
ست الدوكة نساية
كبريتة كبريتة
ست الدوكة عفريتة
ليمونة ليمونة
ست الدوكة مجنونة
هذه الأهازيج تختلف قليلاً من منطقة لأخرى، لكنها تحمل روح المرح والضغط اللطيف على صاحبة المنزل، وتذكرنا بأن العادة تشبه القرقيعان في الخليج العربي ولكن بلمسة سودانية فريدة.
الرحمتات بين الماضي والحاضر
مع تغير نمط الحياة في المدن والهجرة نحو الحداثة، بدأت هذه العادة تتراجع، حتى أن بعض الأطفال اليوم لم يسمعوا عنها شيئاً. ومع ذلك، لا تزال بعض القرى تحتفظ بالرحمتات، محافظة على قيم الكرم والتكافل الاجتماعي، وعلى فرحة الأطفال وذكريات الأحياء بالميت.
فالرحمتات ليست مجرد طبق من الفتة، بل نبض القرية وروح رمضان التي تصارع الزمن لتظل حية في ذاكرة الناس. فهل ستنجو هذه العادة الجميلة من الاندثار، أم ستبقى مجرد حكاية يرويها الكبار عن رمضان أكثر دفئاً وبساطة؟