![]()

واشنطن: محمد علي صالح
تبدأ وثائق وكالة الاستخبارات الامريكية (سى اى ايه) من سنة 1981.
في الحلقة السابقة، تنبأت بسقوط الرئيس المشير جعفر نميرى قبل اربع سنوات من سقوطه في سنة 1985.
وتحدثت عن وضع نميرى من ناحيتين:
اولا، العلاقات الخارجية: يحس نميرى بامكانية قتله، او عزله، بسبب تهديدات الرئيس الليبى معمر القذافى، وتهديدات الرئيس الأثيوبي منقستو.
ثانيا، العلاقات الداخلية: يحس نميرى، بعد أكثر من عشر سنوات في الحكم، ان الاحزاب السياسية تظل قوية. وفصلت الوثيقة علاقاته مع الشيوعيين، والانصار، والاتحاديين، و الاسلاميين. ثم خاصة مع القوات المسلحة، التى، رغم تأييدها القوي لنميرى، يظل نميرى غير مطمئن. ويظل يغير نوابه ومساعديه من كبار العسكريين كلما احس بتأمرهم، او امكانية تأمرهم، ضده.
(بعد أربع سنوات من تاريخ هذه الوثيقة، تامر ضد نميرى اقرب العسكريين اليه، وعزلوه، بقيادة وزير دفاع، سوار الدهب).
في هذه الحلقة من نفس الوثيقة، ومن وثيقة اخرى من سنة 1982، علاقات نميرى مع الجنوبيين.
وصفتها الوثيقة بأنها مضطربة. واذا كان شماليون لا يثقون فى نميري، فان الجنوبيين، ربما كلهم بصفة عامة، لا يثقون فيه، خاصة بعد ان غير رأيه حول اتفاقية اديس ابابا التي كانت منحت الجنوبيين الحكم الذاتي.
ومن المفارقات ان هذه الوثيقة يبدو وكأنها تنبأت بانفصال جنوب السودان قبل 30 عاما من حدوثه.
بالاضافة إلى الشكوك التاريخية بين الشماليين والجنوبيين. وبالاضافة الى الحرب في الجنوب، كانت بدأت ملامح اكتشاف البترول في مناطق الحدود بين الشمال والجنوب. ومعها زادت شكوك الجنوبيين في الشماليين.
وظهرت ثلاث مشاكل:
اولا: هل سيبنى نميري مصفاة للبترول في كوستى؟ او في بانتيو؟
ثانيا: هل سيمد انابيب البترول إلى يوغندا وكينيا؟ أو إلى بورتسودان؟
ثالثا: كيف سيقسم عائدات البترول.
كل هذا قبل 15 سنة من بداية ضخ البترول (الذي لم يتحقق خلال حكم نميري، ولم يتحقق خلال حكم الأحزاب بعد ثورة سنة 1985. بل تحقق خلال حكم الإسلاميين العسكرى في التسعينات).
————–
أخطر انقسام:
“أخطر انقسام في المجتمع السوداني ظل بسبب علاقات الشماليين والجنوبين. كانت العلاقات بين الجانبين هادئة نسبيا،
بين سنة 1972 (اتفاقية أديس أبابا التي أنهت الحرب التي دامت قرابة عشرين عاما)، وسنة 1980 (اعادة سيطرة نميري على الجنوب).
زاد قرار نميرى هذا انعدام الثقة التقليدي بين الشماليين والجنوبيين. وزاد عقيدة الجنوبيون أنهم لم يحصلوا على نصيبهم العادل من التنمية في السودان منذ الاستقلال.
إضافةً إلى ذلك، يشعر الجنوبيون، وهم الاقلية السوداء غير المسلمة، بالقلق منذ ما قبل استقلال السودان بان المسلمين الشماليين لا يريدون فقط السيطرة عليهم في ظل سودان واحد، بل ايضا، اسلمتهم، بل ايضا، فرض الشريعة الإسلامية عليهم.
مع إرهاصات اكتشاف البترول على الحدود بين الشمال والجنوب، تعقدت هذه الخلافات، وصار واضحا ان البترول سيكون عامل انقسام، لا عامل توحيد، بين الجانبين.
منذ البداية، عارض الجنوبيون قرار نميرى ببناء مصفاة بترول في كوستى (في الشمال)، بدلا من بانتيو (في الجنوب)، والتى هى أقرب الى الاكتشافات البترولية.
وفعلا، هدد بعض الجنوبيين باستخدام القوة لمنع نقل البترول إلى كوستي. وقالوا انهم يرفضون حجة نميري بان كوستي أفضل بسبب الخطوط الحديدية، والخطوط البحرية.
ثم وافق الجنوبيون على حل وسط، وهو زيادة الاستثمارات البترولية في الجنوب، وتدريب الجنوبيين على صناعة البترول، وترتيبات توزيع البترول في الجنوب.
لكننا، رغم ذلك، نتوق استمرار الاحتجاجات، والتهديدات باستعمال القوة لمنع نقل البترول إلى مصفاة كوستى.
هذا بالاضافة إلى غضب الجنوبيين على قرار نميرى، في سنة 1981، بإلغاء اتفاقية اديس ابابا التى كانت منحت الجنوبيين الحكم الذاتى. واستبدال المجلس التنفيذى الجنوبي المدني بإدارة عسكرية يرأسها جنرالات.
حسب قرار نميرى، يتقسم الجنوب إلى ثلاث مناطق. وتجرى إجراء انتخابات جديدة، ويطرح استفتاء.
حسب مصادرنا وسط السياسيين الشماليين في الخرطوم، يؤيد كثير من هؤلاء قرارات نميرى، لانه سيضعف الجنوبيين.
ولكن المفارقة ان بعض السياسيين الجنوبيين الذين نتصل بهم، ايضا، يؤيدون قرارات نميري. واضح ان اكثر هؤلاء من قبائل غير قبيلة الدينكا، ويرون ان الدينكا، في ظل الحكم الذاتي “يستعمرون” القبائل الأخرى. غير اننا نتوقع ان قرارات نميري، صرفا للنظر إذا كانت مع او ضد الدينكا، ستكون سببا في صراعات وسط القبائل فى الجنوب…”
—————
عبد الماجد خليل:
“في سنة 1982، عندما عزل نميرى الجنرال عبد الماجد حامد خليل، نائبه الأول، تأزمت العلاقات أكثر بين نميري والجنوبيين. وذلك لان خليل كان من أكثر الشخصيات الشمالية مقربا من الجنوبيين.
هذا غير ان عزل خليل جاء كمثال اخر لما تحدثنا عنه سابقا بان نميري خائف من عزله، أو قتله، ولا يكاد يثق باى واحد من المقربيين إليه، خاصة العسكريين…
من المفارقات:
اولا، عزل نميرى خليل بعد ان كان رفعه إلى اعلى المراتب: النائب الأول لرئيس الجمهورية، ووزير الدفاع، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، والأمين العام للاتحاد الاشتراكى السودانى.
ثانيا، فى تقاريرنا، وتقارير غيرنا من الدبلوماسيين في الخرطوم، كان خليل أكثر العسكريين انضباطا. رشحناه رئيسا اذا عزل نميري او قتل.
هكذا، فجأة، فصل نميرى خليل، واعتقله في منزله، وفصل معه 22 من كبار الضباط.
ثم هناك الجنوبيون. كان خليل محترما وسطهم لأكثر من سبب:
اولا، اشرف على تجنيد مقاتلي “انيانيا” في القوات المسلحة، حسب اتفاقية أديس أبابا.
ثانيا، عارض ميل نميرى نحو الاسلاميين، وشكك في اسلامية نميري نفسه.
فى تقارير سابقة، قبل عزل خليل، قدمنا سيناريوهات اذا صار خليل رئيس للسودان بدلا عن نميرى. وقلنا ان خليل عسكرى أكثر منه سياسي. ولهذا، ليست عنده مهارة نميري في التعامل مع المعارضة. وربما سيعامل المعارضة معاملة عسكرية قاسية، وربما سيكون ذلك سببا في مزيد من المشاكل.
لكن، على اى حال، ذهب خليل الان…”
——————–
شركة “شيفرون” الأمريكية:
“في سنة 1978، اكتشفت شركة “شيفرون” الامريكية البترول في السودان. كان نميرى هو الذى تعاقد معها كجزء من صلاته معنا بعد ان كان يساريا، يحيط به شيوعيون، ويعتمد على الروس.
لكن، سارع نميرى واحتكر البترول الجديد. وأعلن بناء مصفاة في كوستي. وزاد هذا شكوك الجنوبيين فيه. خاصة أنهم كانوا منطقيين عندما اقترحوا ان تكون المصفاة في بانتيو، قريبا من أبار البترول …
ثم لجأ نميرى الى حيلة اخرى، وهى اعادة رسم الحدود بين الشمال والجنوب. وأعلن تأسيس ولاية “الوحدة” في مناطق البترول. وكانت هذه مفارقة اخرى بان يسمى الولاية “الوحدة” في وقت هدد هو نفسه وحده السودان.
في هذه السنة (1982) قالت شركة “شيفرون” انها حفرت أكثر من خمسين بئرا. وان جملة مخزون البترول يزيد عن نصف ترليون برميل. وانها تركز على بناء المؤسسات الأساسية قبل الضخ الكامل للبترول…”
(ملاحظة: بعد سنتين من هذا التقرير، في سنة 1984، انسحبت “شيفرون”، وذلك بسبب هجمات مقاتلي “انيانيا 2”.
كانت لتلك الهجمات ثلاثة اسباب:
اولا، قرار نميرى بتأسيس ولاية الوحدة البترولية. اعتبرتها “انيانيا” خيانة للجنوبيين من جانب نميرى.
ثانيا: قبل ذلك، قرار نميرى بإلغاء اتفاقية أديس أبابا، التى أوقفت الحرب مع “انيانيا الأولى”.
ثالثا: قوانين سبتمبر سنة 1983، التي فرض فيها نميري الشريعة الإسلامية في كل السودان بما فى ذلك الجنوب.
—————
عمر محمد الطيب:
“في سنة 1978، عين نميرى اللواء عمر محمد الطيب وزيرا للأمن. وفي سنة1981، عينه نائبا ثالثا لرئيس الجمهورية.
حسب معلوماتنا، الطيب من أكثر المقربين من نميرى. وهو مسئول عن الاستخبارات الداخلية والخارجية، وعمل كثيرا مبعوثا لنميري إلى دول اخرى.
لكن، مثل عدد كبير من كبار العسكريين في عهد نميرى، كان يطمع في ان يحل محل نميرى. نعتقد ان هؤلاء يعتقدون انهم لا يقلون خبرة عسكرية عن نميري. ويتهمون نميري بأنه يتحول من عسكرى الى سياسي.
في هذه السنة (1981)، بعد ان عزل نميري عبد الماجد خليل، كان متوقعا ان يحل الطيب محل خليل. لكن، نميرى لم يفعل ذلك. نعتقد انه، ايضا، يخاف من طموحات الطيب نحو حكم السودان. غير ان مصادر اخرى تابعة النميري قالت ان نميري يعتقد ان الطيب لا يتمتع بشعبية داخل القوات المسلحة…
نعتقد ان الطيب سيظل اكثر العسكريين قدرة على خلافة نميرى، بعد ان ذهب عبد الماجد خليل. وسيظل هكذا حتى سنة 1983، موعد انتخابات الرئاسة الجديدة …
اذا كان خليل هو “عسكر العسكريين” كمهني من الدرجة الأولى، يظل الطيب “حامى العسكريين”، كمسئول عن الامن الداخلى والخارجى.
وإذا كان خليل قائد القوات السودانية في جنوب السودان لسنوات طويلة، لا يعتبر الطيب متخصصا في موضوع جنوب السودان. ولم يزره كثيرا.
وإذا كان خليل محترما وسط الجنوبيين، يظل الطيب في نظر الجنوبيين “جاسوس” نميرى. والمسئول عن كثير من الاعتقالات وسط القادة الجنوبيين …”
————-
ابيل الير:
“يبقى النائب الثانى لرئيس الجمهورية، والذى ظل محتفظا بهذا المنصب رغم تقلبات النائب الأول والنائب الثالث. ذلكم هو ابيل الير. ظل النائب الثاني لعشر سنوات، منذ سنة 1971. وظل اعلى مسؤول جنوبي في الحكومة السودانية.
ولانه نائب الرئيس “الجنوبي”، ظل يدافع عن الجنوبيين كل هذه السنوات. وظل يحمل ميزانا يوازن بين تمثيله الجنوبيين وبين تأييده لوحدة السودان …
يستمد الير جزءًا كبيرًا من نفوذه من علاقته القوية مع نميرى. وربما لهذا لم يعارض نميرى علنا عندما أعلن نميرى الغاء اتفاقية اديس ابابا، ووضع الجنوب تحت إدارة عسكرية
حصل الير على شهادة فى القانون من جامعة ييل.
ومنذ اتفاقية اديس ابابا، شغل منصب رئيس المجلس التنفيذي الاعلى الذى كان يدير جنوب السودان. وبعد ان حل نميرى هذه المؤسسات، صار الير النائب الثاني لنميرى، ممثلا للجنوبيين …
ورغم فقدانه لقاعدة نفوذه كرئيس للمجلس، نحن نرى انه (وهو من قبيلة الدينكا، من بور) قد احتفظ بدعم قوي في الجنوب. ونتوقع أن يظل عاملًا محوريًا في السياسة السودانية الجنوبية…”
(ملاحظة: انتقد بعض الجنوبيين ابيل الير بسبب ما قالوا انه ولاءه أكثر مما يجب لنميري. وأنه فعل ذلك ليظل في منصبه خلال تلك السنوات العشر. ووصفوه بأن “كيشا” (تعبير جنوبي -. الجنوبى الذى ياتمر بامر الشماليين.
في سنة 1983، بعد سنتين من هذه الوقيقة، حل نميرى مجلس جنوب السودان التنفيذي. واختير الير عضوا في محكمة التوسط الدولية في لاهاي. ثم رئيسا للجنة الانتخابات التى مهدت لانفصال السودان سنة 2011.
هكذا، يمكن القول ان الير، ربما مثل فرانسيس دينق، كان سيفه مع الشماليين، وقلبه مع اشقائه الجنوبيين).
MohammadAliSalih@gmail.com
(يتبع)