![]()
ترد إيران على العدوان الإسرائيلي الأميركي باستهداف إسرائيل ودول الخليج بالصواريخ البعيدة المدى والطائرات المسيّرة من طراز “شاهد”.
وتقول إيران إنها تستهدف القواعد العسكرية في دول الخليج، لكن الأخيرة تفيد بأن الهجمات طالت أيضًا مصالح مدنية وحيوية.
ومن جهتها، تتصدى دفاعات دول الخليج لهذه الهجمات الصاروخية والمسيّرة، لكن ذلك يتطلب موارد ضخمة من دوريات الدفاع الجوي شبه المستمرة، واستخدامًا مكثفًا لأنظمة الدفاع الأرضية.
من هنا تحديدًا، بدأ البحث عن بدائل أو وسائل مساندة أقل كلفة وأكثر مرونة في مواجهة المسيّرات الهجومية.
وتنقل وكالة “أسوشيتد برس” عن مسؤولين أميركيين قولهم إن الجيش الأميركي يُسرّع إرسال أنظمة مضادة للطائرات المسيّرة، خضعت لاختبارات ميدانية في أوكرانيا، إلى الشرق الأوسط، في محاولة لإحباط هجمات طهران في المنطقة.
واشنطن تنقل خبرة أوكرانيا إلى الشرق الأوسط
بحسب المسؤولين الأميركيين، يُرسل عدد محدود من هذه الأنظمة الدفاعية، المعروفة باسم “ميروبس“، من مخزونات الجيش الأميركي في أوروبا، على أن يرافقها أفراد أميركيون لتشغيلها وتدريب القوات الأخرى عليها. كما ستقدّم الشركة المصنّعة أنظمة إضافية لدعم الانتشار المحتمل في المنطقة.
وبحسب “وول ستريت جورنال“، نشرت الولايات المتحدة وحلفاؤها بعض أنظمة “ميروبس” في بولندا ورومانيا العام الماضي، بعد توغلات طائرات روسية مسيّرة، وقد لاقى هذا النظام قبولًا لدى القوات الأوكرانية.
و”ميروبس” هي طائرة مسيّرة صغيرة يمكن إطلاقها من شاحنة خفيفة، وتستطيع البحث بشكل مستقل عن طائرة مسيّرة معادية باستخدام الموجات الراديوية أو الرادار أو البصمة الحرارية. وعندما تقترب من هدفها، تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد موقعه وتفجير نفسها بالقرب منه. ويمكن لها أن تسير بسرعة تتجاوز 180 ميلًا في الساعة، وأن تصل إلى ارتفاع يقارب 16 ألف قدم.
وقال مسؤول عسكري أميركي لـ”وول ستريت جورنال” إن تكلفة إنتاج مسيّرة “ميروبس” تقل عن 10 آلاف دولار، وقد تنخفض إلى نحو 7000 دولار مع التوسع في الإنتاج.
وهذه الكلفة المنخفضة نسبيًا هي ما يمنح هذا النوع من الأنظمة أهمية خاصة في الحروب التي تقوم على الاستنزاف الجوي المتواصل.
كييف تعرض الخبرة لا الطائرات فقط
يبدو أنّ أوكرانيا لا تكتفي بوضع مسيّراتها في خدمة واشنطن، ففي الخامس من مارس/ آذار الجاري، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن أوكرانيا ستعمل مع البنتاغون وحلفاء الخليج لتبادل ما تعلمته خلال أربع سنوات من حرب الطائرات المسيّرة. وقال زيلينسكي:
“تلقينا طلبًا من الولايات المتحدة للحصول على دعم محدد في مجال الحماية من طائرات شاهد الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط. وقد أصدرت تعليمات بتوفير الوسائل اللازمة وضمان وجود متخصصين أوكرانيين قادرين على ضمان الأمن المطلوب”.
وأشار أيضًا إلى أن طائرات الهجوم الإيرانية المسيّرة التي تُستخدم في الشرق الأوسط هي نفسها “شاهد” التي واجهتها أوكرانيا في حربها مع روسيا. كما كشف أنه تواصل مع عدد من قادة الخليج، بينهم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وعرض تقديم المساعدة في التعامل مع هذه الطائرات.
إنتاج كبير.. لكن بلا حلّ جاهز
قدّر إيهور فيديركو، الرئيس التنفيذي للمجلس الأوكراني للصناعات الدفاعية، أن مصنّعي الطائرات المسيّرة الاعتراضية وأنظمة مكافحة المسيّرات ينتجون ضعف ما يحتاجه الجيش الأوكراني للتعامل مع الهجمات المتكررة من روسيا، وفق ما أفادت وكالة “رويترز“.
كما قال متحدث باسم شركة “وايلد هورنتس” الأوكرانية، لشبكة “سي بي إس نيوز”، إن الشركة “مستعدة لمساعدة شركاء أوكرانيا الاستراتيجيين إذا طُلب منها ذلك”.
غير أن هذا الفائض الإنتاجي لا يعني تلقائيًا أن هذه الأنظمة قادرة على إحداث أثر سريع في الشرق الأوسط. فبحسب روبرت تولاست، خبير الطائرات المسيّرة في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، لا يوجد “حل جاهز” يمكن شراؤه ونقله مباشرة إلى أي ساحة قتال.
ويشير تولاست إلى أن بناء دفاع جوي فعّال ضد المسيّرات يتطلب وقتًا وموارد، كما يتطلب دمج هذه الوسائل الجديدة ضمن بنية أمنية قائمة.
اعتراض أرخص من الهجوم
تكتسب المسيّرات الأوكرانية أهميتها من معادلة الكلفة قبل أي شيء آخر. فالدول التي تتعرض لهجمات متكررة لا تستطيع الاعتماد طويلًا على صواريخ اعتراض باهظة لإسقاط طائرات مسيّرة رخيصة نسبيًا.
بهذا المعنى، تقدّم المسيّرات الأوكرانية بديلًا منخفض الكلفة مقارنة بصواريخ الاعتراض باهظة الثمن المستخدمة لإسقاط الطائرات الإيرانية المسيّرة، إذ تبلغ تكلفة إنتاج صواريخ باتريوت باك-3، التي تستخدمها العديد من دول الخليج، نحو 12 مليون دولار، بينما تُقدَّر تكلفة طائرة “شاهد” الإيرانية المسيّرة بنحو 50 ألف دولار فقط.
وأشار زيلينسكي في مؤتمر صحفي إلى أن صواريخ باتريوت التي تستخدمها دول الخليج لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، والبالغ عددها 800 صاروخ، تتجاوز إجمالي عدد صواريخ باتريوت التي زُوّدت بها أوكرانيا خلال أربع سنوات من الحرب مع روسيا.
وفي المقابل، استثمرت كييف في نظام دفاع متعدد الطبقات يضم صواريخ اعتراضية، وطائرات مسيّرة، ومدافع رشاشة ثقيلة، ووسائط متنوعة لإسقاط المسيّرات الروسية. ومن بين هذه الوسائط طائرات “ستينغ” المسيّرة التي تنتجها شركة “وايلد هورنتس”.
“ستينغ”.. نموذج لمواجهة منخفضة الكلفة
يمكن نشر مسيّرة “ستينغ” خلال 15 دقيقة، وتنطلق من أي سطح مستوٍ تقريبًا، من دون الحاجة إلى تجهيزات معقدة. وإذا دُمّرت مسيّرة “شاهد” بواسطة طائرة أخرى من دون طيار، تعود “ستينغ” إلى قاعدتها. ويصل مداها إلى 25 كيلومترًا، فيما تبلغ سرعتها القصوى 315 كيلومترًا في الساعة.
ووفقًا للشركة المصنّعة، لا يستغرق تجميع الطائرة الاعتراضية الواحدة سوى دقيقتين، وتبلغ كلفتها نحو 2500 دولار فقط. كما يمكن تشغيلها بواسطة طيار يستخدم نظارات الواقع الافتراضي، ويستطيع المشغّل تعلّم قيادتها خلال أيام قليلة.
وذكرت “وايلد هورنتس” أن طائرات “ستينغ” ساعدت في منع وقوع 1520 إصابة محتملة بين المدنيين في أوكرانيا منذ مايو/ أيار 2025، كما أسقطت أكثر من 1500 هدف، من بينها نسبة لافتة من طائرات “شاهد” المسيّرة.
ويعود جزء من فعالية هذه الطائرات إلى تطوير برمجيات الاستهداف الذاتي، وإلى أنظمة تصوير حراري متقدمة تمكّن المشغّلين من رصد الأهداف في وقت مبكر والعمل بكفاءة في ظروف مناخية صعبة، مثل الرطوبة العالية والأمطار.
أين تكمن المعضلة؟
مع ذلك، يحذّر الخبراء من الاعتقاد بأن نقل هذه المسيّرات إلى الشرق الأوسط سيعني تلقائيًا بناء مظلة دفاعية فعالة. فالمشكلة لا تتعلق بالطائرة وحدها، بل بالقدرة على تشغيلها ضمن منظومة متكاملة.
ويقول ممثلو القطاع الدفاعي في أوكرانيا إن إحدى أكبر العقبات أمام استخدام هذه الطائرات في الخليج هي الطيارون، لا الطائرات نفسها. فأوكرانيا هي الدولة الوحيدة التي تملك حتى الآن خبرة ميدانية واسعة في تشغيل هذا النوع من الوسائط ضمن معارك فعلية ومتواصلة.
وقالت ديبورا فيرلامب، مؤسسة شركة أوكرانية للاستثمار في التكنولوجيا الدفاعية، لشبكة “سي بي إس نيوز”:
“لا يوجد حل سحري واحد، أو طائرة اعتراضية واحدة، قادرة على إسقاط هذه الطائرات المسيّرة”.
بكلام آخر، لم يقم الدفاع الناجح في أوكرانيا على قطعة واحدة من السلاح، بل على نظام دفاعي متعدد الطبقات يبدأ من الرصد المبكر، ويمر بالتنسيق بين الوحدات المختلفة، وينتهي بوسائل اعتراض متنوعة.
وفي السياق نفسه، أوضح أليكس روسلين، المتحدث باسم “وايلد هورنتس”، أن تدريب طيار على تشغيل الطائرة خلال أيام لا يعني أن بإمكانه بعد ذلك مباشرة إسقاط طائرات “شاهد” بكفاءة. فالأمر، بحسب تعبيره، يتعلق ببناء فرق، وإنشاء شبكة دفاع جوي متكاملة، والتنسيق مع الرادارات والوحدات التكتيكية والفرق الأخرى.
وقال روبرت تولاست، خبير الطائرات المسيّرة في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن مبدأ هجمات الطائرات المسيّرة يقوم على إجبار الخصم على الدفاع في كل مكان وفي كل وقت، ما يعني أن المواجهة الفعالة تتطلب دفاعات خفيفة ومتنقلة، ورادارات، ووسائط متنوعة قابلة للمناورة ضد الطائرات الرخيصة.
واشنطن تزيد إنتاج الذخائر
في موازاة ذلك، يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تعزيز الترسانة العسكرية الأميركية، إذ أعلن أن كبرى شركات تصنيع الأسلحة وافقت على زيادة إنتاج الذخائر العسكرية بعد اجتماع عُقد في البيت الأبيض في 6 مارس/ آذار الجاري.
وأشار إلى أن مسؤولين تنفيذيين من عدد من الشركات الدفاعية الكبرى حضروا الاجتماع، مؤكدًا أن الإنتاج سيزداد في فئات الذخائر المتقدمة والمتوسطة. كما كتب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن هذه الشركات وافقت على مضاعفة إنتاج الذخائر المتقدّمة أربع مرات.
وبحسب مجلة “ذا أتلانتك“، أُنتج نحو 500 صاروخ باتريوت في الولايات المتحدة عام 2024. لكن حتى مع زيادة الإنتاج، يبقى التحدي قائمًا: هل يمكن الاستمرار في استخدام وسائط دفاعية باهظة لاعتراض تهديدات أقل كلفة بكثير؟
جزء من الحل.. لا البديل الكامل
في هذا المعنى، تبدو المسيّرات الأوكرانية أداة واعدة، لكنها لا تمثل بديلًا كاملًا عن الأنظمة التقليدية مثل “باتريوت” أو غيره من أنظمة الدفاع الجوي الثقيلة. فهي قد تخفف العبء عن هذه المنظومات، وتمنح الدول المستهدفة خيارات أقل كلفة وأكثر مرونة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى شبكة دفاع متكاملة تتوزع فيها الأدوار بين الرصد والاعتراض الصاروخي والمسيّرات والوسائط الميدانية الأخرى.
هنا تحديدًا تكتسب الخبرة الأوكرانية قيمتها، فهي لا تقدّم “سلاحًا سحريًا” بقدر ما تطرح منطقًا مختلفًا في الدفاع الجوي، يقوم على المزج بين الذكاء الاصطناعي، وسرعة المناورة، والتشغيل اللامركزي، وخفض الكلفة.
لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كانت المسيّرات الأوكرانية قادرة وحدها على حماية أجواء الخليج أو إسرائيل، بل ما إذا كان يمكن دمجها ضمن فلسفة دفاع جديدة تجعل كلفة الحماية أقل من كلفة الاستنزاف الذي تفرضه الهجمات المتكررة.
