كمال جنبلاط كما يرويه مقرّبوه.. “المعلم” الذي رفض مشروع حافظ الأسد

كمال جنبلاط كما يرويه مقرّبوه..

Loading

يُعدّ كمال جنبلاط، الزعيم اللبناني ومؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي، من أبرز القامات السياسية والفكرية في تاريخ لبنان المعاصر.

وقد شكّلت مواقفه الوطنية وفلسفته السياسية، القائمة على الإيمان بلبنان الدولة اللاطائفية، علامة فارقة في الحياة السياسية اللبنانية.

كما برز جنبلاط أيضًا بوصفه من أبرز المدافعين عن القضية الفلسطينية، ومن أقرب المقرّبين إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات

وخلال مسيرته السياسية، تبنّى الرجل الفكر القومي العربي، وكان مقرّبًا من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، كما قاد الحركة الوطنية اللبنانية التي ضمّت أحزابًا سياسية متعددة.

لكنّ صورته لم تُختزل في حضوره الحزبي والسياسي فقط، بل ارتبطت أيضًا بشخصية تركت أثرًا عميقًا لدى من عاصروه واقتربوا منه.

فماذا يقول مقرّبون من كمال جنبلاط عن “المعلّم”؟ وما الذي يكشفونه عن مواقفه وشخصيته؟

في مقابلات خاصة مع موقع التلفزيون العربي، يستعيد كلّ من السياسي اللبناني توفيق سلطان والسياسي اللبناني فايز القزي محطات من حياة كمال جنبلاط السياسية والشخصية، كاشفين جوانب من مواقفه وعلاقاته، ومضيئين على بعض ما بقي عالقًا في الذاكرة عن “المعلّم“، حتى اغتياله في مارس/ آذار 1977 في منطقة بعقلين بجبل لبنان.


نبذة عن كمال جنبلاط:

  • مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي.


  • مدافع بارز عن القضية الفلسطينية.


  • مؤيد للفكر القومي العربي وقريب من عبد الناصر وياسر عرفات.


  • اغتيل في مارس/ آذار 1977 في بعقلين.


كمال جنبلاط كما يرويه مقرّبوه


في حديثه إلى موقع التلفزيون العربي، يقول توفيق سلطان إن علاقته بكمال جنبلاط بدأت في أوائل خمسينيات القرن الماضي، حين شاهده للمرة الأولى في مدرسة سان جوزيف في عينطورة، حيث تلقّى جنبلاط علومه الأولى، وكان، بحسب وصفه، تلميذًا مميزًا.

ويستذكر سلطان أنّ جنبلاط ألقى آنذاك كلمة باللغة الفرنسية خلال مناسبة أُقيمت في المدرسة، وقد ترك ذلك أثرًا كبيرًا في نفسه، لا سيما أنّه كان شخصية بارزة تنتمي إلى عائلة عريقة.

ويضيف أنّ اللقاء الثاني بينه وبين جنبلاط كان خلال زيارة الأخير إلى طرابلس للمشاركة في مهرجان أُقيم في صالة الأوبرا، حيث كان في استقباله حشد كبير.

ويشير إلى أنه اصطحبه بسيارته إلى المهرجان، الذي تزامن مع إسقاط عهد الرئيس اللبناني بشارة الخوري في أوائل خمسينيات القرن الماضي عبر الجبهة الاشتراكية التي كان جنبلاط من أبرز أركانها.


ربطت كمال جنبلاط علاقة وثيقة بياسر عرفات – غيتي 

خطاب 1953.. موقف لاذع أمام الملك سعود


يروي توفيق سلطان أنّ كمال جنبلاط ألقى خطابًا بارزًا عام 1953 خلال زيارة العاهل السعودي آنذاك سعود بن عبد العزيز آل سعود إلى لبنان، حيث عقد لقاءات مع شخصيات لبنانية بارزة.

ويستذكر سلطان أنّ الرئيس اللبناني حينها كميل شمعون أقام مأدبة عشاء على شرف الملك السعودي حضرها جنبلاط، الذي ألقى خطابًا تضمّن عبارة شهيرة حملت انتقادًا لاذعًا لكل من بشارة الخوري وشمعون نفسه، إذ قال: “زلّ فزال“، في إشارة إلى الخوري، و”قلنا لهذا كن فكان“، في إشارة إلى شمعون.

ويلفت سلطان إلى أنّ هذه العبارة أثارت ضجة واسعة في لبنان، وراح الناس يرددونها على نطاق كبير، موضحًا أنّ جنبلاط كان معروفًا بمواقفه الواضحة، فيما كانت رسائله غير المباشرة تترك أثرًا سياسيًا وجماهيريًا واضحًا.

ويشرح سلطان أنّه في عام 1967 كان ينشط سياسيًا في طرابلس، وكان من مؤيدي التيار الناصري المرتبط بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. ومع وقوع نكسة يونيو/ حزيران 1967، دعا إلى عقد مؤتمر وطني في المدينة شاركت فيه أحزاب سياسية مختلفة لبحث التطورات آنذاك.

ويضيف أنّهم عقدوا في تلك الفترة اجتماعات حزبية عدة، والتقوا كمال جنبلاط لوضعه في صورة الحراك السياسي، مشيرًا إلى أنّه بعد انتهاء الحرب جرى التوافق معه على نقل التجربة السياسية من طرابلس إلى بيروت إذا أثبتت نجاحها.

ويروي سلطان أنّ علاقته بجنبلاط توثقت منذ ذلك الحين، قبل أن ينتسب إلى الحزب التقدمي الاشتراكي، حيث أقسم اليمين في منزله، وكُلّف بإدارة العمل الحزبي في فروع الحزب في شمال لبنان، قبل انتقاله لاحقًا إلى بيروت.


يُعدّ كمال جنبلاط من أبرز القامات السياسية في تاريخ لبنان المعاصر – غيتي 

من عبد الناصر إلى السادات.. علاقات عربية وتحولات مقلقة


يكشف توفيق سلطان أنّ كمال جنبلاط كانت تربطه علاقة وثيقة بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، مشيرًا إلى أنه شارك إلى جانبه في جنازته عام 1970.

ويروي سلطان أنّ جنبلاط دخل في موجة حزن شديدة بعد رحيل عبد الناصر، الذي كان يعدّه من أقرب حلفائه في السياسة والفكر والتوجهات القومية العربية، مضيفًا أنّه استشعر منذ ذلك الوقت أنّ رياح التغيير ستهب في العالم العربي، وهو ما تحقق لاحقًا.

ويلفت إلى أنّ لقاءً عُقد في مجلس قيادة الثورة في مصر بحضور جنبلاط، بالإضافة إلى أطراف لبنانية من الأحزاب الوطنية، مشيرًا إلى أنّه إثر ذلك زار جنبلاط مصر مرة أخرى في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.

ربطت كمال جنبلاط علاقة وثيقة بجمال عبد الناصر، كما زار مصر في عهد أنور السادات​​​​​​​ – غيتي

ويقول سلطان إنّ جنبلاط عقد خلال تلك الزيارة لقاءً مع شعراوي جمعة، الذي كان وزيرًا للداخلية في عهد عبد الناصر، بحضور سامي شرف، السكرتير الشخصي لعبد الناصر، في فندق شبرد في القاهرة، حيث انتقد جنبلاط عهد السادات بوضوح، فيما التزم الحاضرون الآخرون الصمت، في مشهد كان مفهومًا في ظل احتمال التنصت على الاجتماعات.

ويضيف سلطان أنّه خلال وجوده في مصر شرح لجنبلاط جو الصراع الداخلي، في حين قلل اللواء شوكت شقير، رئيس أركان الجيش السوري، من أهمية هذا الصراع، معتبرًا أنّه غير قائم. كما التقى جنبلاط وفدًا من السوريين المبعدين في مطعم النيل في الهواء الطلق لمناقشة الأوضاع بحرية أكبر، وقيل له إنّ “الوضع في مصر ليس على ما يُرام، وأن جماعة عبد الناصر في مكان وحكم السادات في مكان آخر“.

ويكشف سلطان أنّ جنبلاط بقي خمسة أيام في مصر من دون تحديد موعد مع السادات، مضيفًا أنّ محمد صبري مبدي، أحد أبرز الناصريين في مصر، أبلغه بضرورة مغادرة البلاد فورًا، وفي اليوم نفسه جرى اعتقال شخصيات من جماعة عبد الناصر، وذلك عام 1971.


في الكويت.. حضور جماهيري لافت


لم يكن دور كمال جنبلاط محصورًا في لبنان، بل امتد إلى بلدان عربية أخرى، حيث أقام علاقات مع مختلف الدول العربية، لا سيما الخليجية، وفق ما يقول توفيق سلطان في مقابلته مع موقع التلفزيون العربي.

ويستذكر سلطان أنّ جنبلاط تلقى عام 1975 دعوة رسمية من السعودية للعب دور محوري في تأسيس تقارب بين المملكة واليمن، مشيرًا إلى أنّه كان يسهم شخصيًا في هذا الدور، ويتنقل بين البلدين مرات عدة.

 

ويضيف أنّ تلك المساعي أسفرت عن تخفيف حدة التوتر، حيث جرى توقيع بروتوكولات تثبت التقارب، مستذكرًا أنّ لبنان كان يشهد في الوقت نفسه جنازة النائب اللبناني الراحل معروف سعد.

كما يستذكر سلطان زيارة كمال جنبلاط إلى الكويت، حيث أُقيم له استقبال رسمي ولقاءات مع المسؤولين، قبل أن يلتقي بزعيم المعارضة أحمد الخطيب.

ويشير إلى أنّ جنبلاط تلقى دعوة لإلقاء محاضرة في نادي الاستقلال، ويستذكر حادثةً خلال توجههم إلى المكان، حين أبلغهم أحد المرافقين عبر الجهاز بوجود حشود جماهيرية كبيرة بانتظاره أمام النادي.

ويضيف أنّ كثرة أعداد الناس دفعتهم إلى سلوك طريق فرعية للوصول إلى المبنى، قبل إحداث ثغرة في الجدار للدخول، موضحًا أنّ ذلك الحشد اعتُبر، آنذاك، أكبر تجمع سياسي شهدته الكويت في تلك الفترة.


بين جنبلاط وحافظ الأسد.. رفض مبكر للمشروع السوري


يُعرف كمال جنبلاط بأنه من أبرز المتمسكين بالقضية الفلسطينية، ومن أكثر السياسيين اللبنانيين دفاعًا عنها حتى اغتياله عام 1977. ويشير توفيق سلطان إلى أنّ جنبلاط سعى بكل الوسائل إلى التصدي لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية، التي كان رئيس النظام السوري السابق حافظ الأسد، بحسب روايته، يرغب في دفعها نحو مسارات تخدم مشروعه الإقليمي.

ويكشف سلطان أنّ الأسد كان يسعى إلى إقامة كونفدرالية تشمل الأردن وسوريا ولبنان، إلا أنّ جنبلاط رفض هذا المشروع رفضًا قاطعًا، مؤكدًا أنّه لا يمكن أن يعيش من دون حرية.


 ظلّ جنبلاط مصممًا على موقفه الرافض لتدخل سوريا في لبنان لآخر حياتهر – غيتي 

ويستذكر سلطان أنّ اجتماعًا حصل بين الرجلين، قال فيه جنبلاط للأسد بوضوح إنّه لا يؤيد هذا المشروع إطلاقًا، مضيفًا:

“أنت ليست لديك حريات، وأنا من دون حرية لا يمكن أن أعيش، ولن أدخل قفصك الذهبي الكبير”.

ويشير سلطان إلى أنّ أحزابًا يمينية لبنانية كانت متماهية مع الأسد في مشروع الكونفدرالية، كاشفًا عن وجود أوراق رسمية أعدّها السياسي كاظم الخليل، نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار سابقًا، تضمنت تصورًا للمشروع، وأُرسلت إلى سوريا.

ويضيف أنّ جنبلاط طلب من الأسد عدم التدخل في لبنان، مؤكدًا أنّ الخلافات بين الأطراف اللبنانية شأن داخلي يجب أن يُحل داخليًا، ومحذرًا من أنّ دخول سوريا إلى لبنان سيعطي إسرائيل مبررًا للتدخل، وهو ما حصل لاحقًا.

مواجهة جنبلاط لمشروع حافظ الأسد: 

  • رفض إقامة كونفدرالية تشمل الأردن وسوريا ولبنان.


  • أصر على عدم التدخل السوري في الشؤون اللبنانية.


  • مواقفه كانت سببًا في صعوبة تدخل إسرائيل وسوريا بشكل كامل في لبنان.

ويرى سلطان أنّ الأسد كان يهدف من تدخله إلى إحكام السيطرة على لبنان وتصفية القضية الفلسطينية. ويستذكر أنّ سوريا دخلت لبنان عام 1976 وبقيت سنوات طويلة، وطاردت الفلسطينيين في مناطق مثل بعلبك وطرابلس، كما لعبت دورًا كبيرًا في حرب المخيمات الفلسطينية، بينما حصلت انسحابات إسرائيلية تدريجية حتى عام 2000.

ويتوقف سلطان عند اللقاء الأخير بين جنبلاط والأسد في دمشق، مستذكرًا أنّ الجلسة استمرت نحو ثماني ساعات حتى وقت متأخر من الليل، وأنّه كان قلقًا على جنبلاط، فتواصل مع حكمت الشهابي، الذي قال إنّ الأجواء لم تكن جيدة.

ويضيف أنّ الصحف اللبنانية وصفت اللقاء في اليوم التالي بأنّه ودّي وإيجابي، لكن جنبلاط أوضح، بحسب روايته، أنّ ذلك غير صحيح، وأنّه لم يتفق مع الأسد في أي أمر، وظلّ متمسكًا بموقفه الرافض لتدخل سوريا في لبنان حتى تاريخ اغتياله.


“السياسة ليست مهنة”.. كمال جنبلاط بعيون فايز القزي

إلى جانب توفيق سلطان، يروي السياسي اللبناني فايز القزي أيضًا جوانب من تجربته مع كمال جنبلاط، كاشفًا تفاصيل سياسية وأخرى شخصية عن الرجل.

يصف القزي جنبلاط بأنه سياسي محنك ذو نظرة ثاقبة، كان يتعامل مع خصومه بشرف ومن دون التقليل من شأن الآخرين.

وفي حديثه لموقع التلفزيون العربي، يستذكر القزي حقبة الانتخابات النيابية عام 1972، التي خاضها عن المقعد الماروني في الشوف إلى جانب كمال جنبلاط، بصفته شخصية لها تاريخ متجذر في حزب البعث.

ويشير القزي إلى أنّه كان يواكب جنبلاط في جولاته الانتخابية، مضيفًا أنّ الأخير قال له في خضم زحمة الانتخابات إنّه يجب التعامل مع الأمور بهدوء، لأنّ السياسة ليست مهنة بل تسلية


 حلقة من “كنت هناك” تتناول قصّة اغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط – من الأرشيف

ويتوقف القزي عند خلاف حصل بينه وبين جنبلاط، لكنه يؤكد أنّ العلاقة استمرت من دون أن يؤثر ذلك على الاحترام المتبادل.

ويشير إلى أنّ ضغوطًا مورست على جنبلاط من أطراف عدة، بينها رئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية، وكانت تهدف إلى دعم الرئيس السابق كميل شمعون بعد خسارته، ما أدى إلى تأخير فرز الأصوات في بيت الدين.

ويضيف أنّ جنبلاط وافق على مضض حفاظًا على التوازنات، رغم أنّ النتائج، بحسب روايته، لم تكن في صالح هذا الخيار، وأنّ القزي كان الفائز فعليًا.

ويوضح القزي أنّه جرى الجلوس مع جنبلاط أكثر من مرة لاحتساب الأوراق، لكنه لم يقتنع بالنتيجة، لا سيما أنّه كان يعتبر نفسه الفائز الفعلي، قبل أن تنقلب الأمور لمصلحة كميل شمعون.

ويكشف القزي أنّه بعد الانتخابات تبلّغ من أحد الأمنيين العاملين في الأمن العام اللبناني في بيت الدين تفاصيل ما جرى في مركز فرز الأصوات، مشيرًا إلى أنّ المفكر العروبي الراحل مُنَح الصلح أبلغه أيضًا بأمر بالغ الأهمية في هذا السياق.

ويضيف:

“حينما كان الرئيس تقي الدين الصلح، ابن عم المفكر مُنَح الصلح، يسعى إلى تشكيل حكومة بعد الانتخابات النيابية عام 1972، تأخر هذا الأمر قليلًا بعدما أبدى الرئيس شمعون اعتراضه على تعيين بهيج تقي الدين في وزارة الداخلية”.


حرص كمال جنبلاط في كثير من مواقفه على مراعاة التوازنات في لبنان​​​​​​​- غيتي

ويروي القزي أنّ تقي الدين زار الرئيس الصلح وسأله عن سبب التأخير في تشكيل الحكومة، فأجابه بأنّ من يعرقل الأمر هو كميل شمعون الذي لم يقبل به وزيرًا للداخلية. ويكمل أنّ بهيج تقي الدين قال للصلح إنّه إذا لم يُعيَّن في الداخلية فسيعقد مؤتمرًا صحافيًا يعلن فيه كيف جرى إسقاط فايز القزي في انتخابات عام 1972.

ويقول القزي إنّه، خلال ذروة صدور نتائج الانتخابات، خرج من قصر جنبلاط في المختارة متجهًا إلى منطقة دير القمر في جبل لبنان، فوجد الطريق مقطوعة من قبل أنصار شمعون اعتراضًا على خسارته. ويضيف: “عندها، غيّرت الطريق وذهبت عبر بعقلين للوصول إلى بلدتي الجية في ساحل الشوف”.

ويشير القزي إلى أنّه وثّق هذه الأحداث بنفسه، مؤكدًا أنّ “السياسة اللبنانية لم ترق له، ولهذا السبب فضّل الابتعاد عنها”.

ويكشف القزي أيضًا أنّه عام 1977 اختُطف من قبل السوريين في لبنان، ونُقل إلى سجن سوري قرب الحدود اللبنانية. ويضيف:

“صدر قرار بإعدامي إثر اتهامي بتصفية عناصر من تنظيم الصاعقة في منطقتَي ساحل الشوف وعالية. في الواقع، كانت هذه التهمة باطلة، ومن أنقذ حياتي هو الإمام موسى الصدر، الذي ذهب مباشرة إلى سوريا والتقى حافظ الأسد، وطالبه بالإفراج عني فورًا، وكان معه آنذاك الشيخ محمد يعقوب.

كان لقاء الصدر مع الأسد من دون موعد مسبق، وقال له إنّه يريدني فورًا، وهذا ما حدث. كنت على علاقة جيدة جدًا مع الصدر، إذ كنت أعتني بقريب له في العراق لكوني أملك مكتب محاماة هناك. وفعليًا، أخرجني الصدر من السجن وعدت إلى لبنان بسيارته الخاصة”.

ويتابع أنّ إقامته في سوريا استمرت ثلاثة أيام، وعند عودته إلى منطقة الجية زاره كمال جنبلاط في منزله لتهنئته بالسلامة، مشيرًا إلى أنّ “اللقاء دام أكثر من ساعة قبل أن يغادر جنبلاط إلى المختارة، وكان هذا آخر لقاء معه قبل اغتياله بعد أيام في بعقلين”.

ويختم القزي:

“صحيح أنّ علامات استفهام كثيرة أحاطت بنتيجة الانتخابات النيابية عام 1972، لكن ما يمكن قوله هو أنّ إسقاطي جنّب منطقة الشوف معركة دامية، خصوصًا أنّ فكرة سقوط كميل شمعون في الانتخابات لم تكن واردة، ومرورها لم يكن محتملاً.

من الممكن أن يكون كمال جنبلاط قد استشرف الأمر، فقبل الضغوط التي مورست لرفع رصيد شمعون وإنجاحه، لكن علاقتي بالمعلم لم تنقطع رغم كل ذلك، وبقينا معًا في خندق واحد. فهو صاحب خلق رفيع، وكنت أفخر بمعرفته وقربي من رجل له تاريخه الكبير وإرثه الباقي حتى اليوم”.


كمال جنبلاط.. إرث سياسي يتجاوز الاغتيال


تُظهر الشهادات التي يرويها مقرّبون من كمال جنبلاط أنّ حضوره لم يكن محصورًا في الزعامة التقليدية أو الإطار الحزبي الضيق، بل تجاوز ذلك إلى مشروع سياسي وفكري واسع، طبع الحياة اللبنانية والعربية في مرحلة شديدة الحساسية.  
فمن علاقاته العربية، إلى دفاعه الواضح عن القضية الفلسطينية، إلى موقفه الرافض للتدخل السوري في لبنان، تبدو صورة جنبلاط، في روايات من عرفوه عن قرب، صورة رجل تمسك بخياراته حتى النهاية، وترك وراءه إرثًا سياسيًا وفكريًا ما يزال حاضرًا في الذاكرة اللبنانية حتى اليوم.

المراجع:


  • مقابلة خاصة لموقع “التلفزيون العربي” مع السياسي اللبناني توفيق سلطان، أحد أبرز المقربين من كمال جنبلاط
  • مقابلة خاصة لموقع “التلفزيون العربي” مع السياسي اللبناني فايز القزي، وهو شخصية واكبت جنبلاط عن قرب وبشكلٍ لصيق جدًا.