‏أحمد القرشي يكتب: ‏السودان لا تحكمه أوهام الخصوم.. ليس رهينةً للإخوان، ولا مستعمرةً لإيران

‏أحمد القرشي يكتب: ‏السودان لا تحكمه أوهام الخصوم.. ليس رهينةً للإخوان، ولا مستعمرةً لإيران

Loading

‏أحمد القرشي يكتب: ‏السودان لا تحكمه أوهام الخصوم.. ليس رهينةً للإخوان، ولا مستعمرةً لإيران

‏ثمة لحظات في تاريخ الأمم لا يكون الخطر فيها فقط في الذين يهاجمون الأسوار، بل في الذين يحاولون إقناع أهل الدار بأن بيتهم لم يعد بيتهم، وأن جيشهم لم يعد جيشهم، وأن دولتهم لم تعد سوى قناع هشّ لقوى خفية، وتنظيمات متربصة، ومحاور متسللة. وهذا، في جوهره، بعض ما يتعرض له السودان اليوم.

 

‏لقد صارت هناك صناعة كاملة للأكاذيب حول السودان. أكاذيب لا تُقال على استحياء، بل تُلقى في المجال العام بثقة من اعتادوا أن كثرة الترديد قد تُغني عن الدليل، وأن الضجيج قد يعوّض غياب البرهان، وأن الحرب نفسها يمكن أن تكون فرصة مثالية لتمرير أكثر السرديات تلفيقًا. ومن بين أكثر هذه السرديات ابتذالًا وخبثًا ذلك الزعم المتكرر بأن جماعة الإخوان المسلمين تسيطر على الجيش السوداني والدولة السودانية، والزعم الموازي بأن إيران متغلغلة في الحكم السوداني، وكأن السودان قد مُحي تاريخه دفعة واحدة، وسقطت مؤسساته فجأة، وأصبح مجرد لافتة معلّقة على جدار الآخرين.

 

‏هذه الرواية لا تستحق الاحترام؛ لأنها لا تنطلق من بحث صادق عن الحقيقة، بل من حاجة سياسية رخيصة إلى تشويه الدولة. وهي لا تريد أن تفهم السودان، بل أن تعيد تعريفه على مقاس خصومه. ذلك أن الميليشيا، بعد كل هذا الخراب، وبعد كل هذا الدم، وبعد كل هذا الانكشاف الأخلاقي، لم يعد في وسعها أن تقنع أحدًا بأنها مشروع وطني. وحين تعجز الميليشيا عن تبييض وجهها، لا يبقى أمامها إلا أن تلطخ وجه الدولة. وحين تفشل في اكتساب الشرعية، تحاول أن تنزع الشرعية عن الجيش. وحين يسقط مشروعها سياسيًا وأخلاقيًا، تسارع إلى خلط الأوراق حتى يبدو الجميع سواء. تلك حيلة قديمة: إذا تعذر تلميع الجريمة، فشوّهوا القاضي والضحية والحارس معًا.

 

‏الذين يرددون هذه المزاعم يفعلون شيئًا بالغ الخطورة: إنهم يلغون الفوارق عمدًا بين الدولة واللادولة، بين الجيش والملحقات، بين المؤسسة الوطنية وبين أي جماعة أو مجموعة أو تيار أو تشكيل يقاتل في محيطها أو على تخومها أو تحت ضغط لحظة الحرب. وهذا الخلط ليس خطأً بريئًا في التحليل، بل جريمة فكرية مكتملة الأركان. لأن الدول لا تُفهم بهذه الطريقة السوقية، والجيوش الوطنية لا تُقرأ بهذه الخفة، والأوطان لا تُختزل في الشائعات.

 

‏ثم إن السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مجاملة هو: أي إخوان هؤلاء الذين يريدون إقناعنا بأنهم يسيطرون اليوم على الجيش والدولة؟

‏ هل يتحدثون عن التنظيم الذي مزقته مفاصلة 1999 بين عمر البشير والدكتور حسن الترابي؟

‏ هل يتحدثون عن البنية التي تشظت، وتآكلت، وتنازعتها الخصومات، وفقدت ذلك التماسك الذي كان يُنسب إليها في سنوات سابقة؟

‏ هل يتحدثون عن كيان لم يستطع الحفاظ على وحدته حتى حين كانت الظروف السياسية أكثر مواتاة له مما هي عليه اليوم؟

‏ من يردد هذه التهمة كأنها حقيقة نهائية، لا يقرأ السودان، بل يقرأ كتيبًا دعائيًا قديمًا نسي العالم تحديثه.

‏أما الزعم الإيراني، فهو بدوره ليس أقل كسلًا ولا أقل سوء نية. نعم، في الحروب المعقدة تنشأ اتصالات، وتظهر تقاطعات، وقد تتلقى جهات محددة دعمًا أو تدريبًا، أو تتورط في علاقات مع أطراف خارجية. هذا مفهوم في سياقات الانهيار والحرب. لكن ما ليس مفهومًا ولا مقبولًا هو الانتقال من هذا الجزئي إلى حكم كلي يقول إن إيران متغلغلة في الحكم السوداني، أو إن الدولة السودانية قد صارت امتدادًا سياسيًا لها. هذا انتقال لا يقوم على تحليل، بل على رغبة في الاتهام؛ على هوى سياسي لا على وقائع متماسكة؛ على مزاج دعاية لا على ميزان دولة.

‏والخرطوم سعت بالفعل إلى الحصول على مسيّرات إيرانية، لكن ذلك لم يكن بابًا لتسليم القرار الوطني، ولا معبرًا لاحتواء الدولة. بل إن ما جرى، في جوهره، كان تعبيرًا عن ضغط معركة وحاجة حرب أكثر منه تحولًا استراتيجيًا في هوية الحكم أو وجهته. وإيران نفسها لم تبدُ في أي مرحلة وكأنها قادرة على ضم القيادة السودانية الحالية إلى محورها أو تسييرها وفق مشيئتها، لإدراكها أن القرار السوداني الراهن ليس قرارًا سهل الانقياد ولا قابلًا للإلحاق. وحتى نظام البشير نفسه، ومعه تيار المؤتمر الوطني المحلول، فضّ علاقته بإيران في سياق معلوم. ولذلك فإن تحويل كل تماس أو محاولة شراء أو صلة فنية إلى سردية كبرى عن “اختراق إيراني للدولة” ليس فهمًا رشيدًا، بل مبالغة مقصودة.

‏ومن الواجب أيضًا، إنصافًا ووضوحًا، أن تُقال حقيقة أخرى لا تقل أهمية: ليس كل من وقف مع الجيش من الإسلاميين أو من غير الإسلاميين يُقرأ تلقائيًا بوصفه جزءًا من مشروع استيلاء سياسي على الدولة. فهناك، من الناحية الفنية والعملية والوطنية، فرق بيّن بين من انحاز في لحظة الخطر إلى بقاء الدولة ومساندة الجيش، وبين من يُراد تصويرهم وكأنهم قيادة بديلة أو مشروع تنظيمي أعلى من المؤسسة. وقد كرر كثير ممن انتسبوا إلى التيار الإسلامي، أو قيل إنهم قريبون منه، أن قيادة الجيش هي بوصلتهم في هذه المعركة، لا أي مشروع سياسي خاص، ولا أي تنظيم موازٍ. وهذه المسألة، مهما اختلف الناس حولها، يجب أن تُقرأ بميزان الدولة لا بميزان الشبهة الجاهزة.

‏ذلك لأن إدارة المستقبل السوداني بكرامة وعدالة وتقدير تقتضي عدم التسييس الأعمى لكل من وقف في صف الدولة، كما تقتضي، في الوقت نفسه، ألّا يُعفى أحد من المساءلة إذا ارتكب جرمًا أو إثمًا أو تجاوزًا. فالدولة الجادة لا تظلم بالجملة، ولا تبرئ بالجملة، ولا تحاكم بالهوية، ولا تمنح صكوك العصمة لأحد. ومن هنا فإن الوقوف مع الجيش في معركة وجود لا يعني منح حصانة سياسية أو أخلاقية مفتوحة لأي فرد أو جماعة، كما أن الخلفية الفكرية أو التنظيمية لأي طرف لا تكفي وحدها لإدانته ما لم يقترن ذلك بفعل مجرّم أو مشروع تخريبي واضح. هذه هي أخلاق الدولة، وهذا هو الفرق بين منطق المؤسسة ومنطق الثأر.

 

‏والأدهى أن هذه السردية كلها تؤدي وظيفة واحدة: إضعاف الوعي الوطني السوداني من الداخل. فهي تريد من السوداني أن يشك في مؤسسته الأخيرة، في جيشه، في الدولة التي تقاتل كي لا تبتلعها الفوضى. تريد منه أن يصدق أن لا فرق بين من يحرس الكيان ومن يعمل على تمزيقه. تريد منه أن يرى في كل معركة للدولة شبهة، وفي كل صمود للمؤسسة مؤامرة، وفي كل دفاع عن السودان القديم والعميق تهمة جاهزة. وهذا أخطر ما في الأمر: ليس فقط الكذب، بل محاولة تحويل الكذب إلى عدسة ينظر بها الناس إلى وطنهم.

 

‏إن السودان اليوم ليس في معركة علاقات عامة، بل في معركة وجود. ومن لا يفهم ذلك، أو يتعمد إنكاره، فإنه يشارك، ولو بالكلمة، في توسيع هوة الخراب. فالمسألة ليست صراعًا بين “إخوان” وخصومهم، ولا ساحة فرعية لتصفية حسابات إقليمية بين “إيران” وأعدائها. المسألة، في جوهرها الصارخ الذي يحاول البعض الهروب منه، هي معركة بين الدولة وبين مشروع الميليشيا؛ بين جيش وطني، بما له وما عليه، وبين قوة لا تعيش إلا على تقويض الدولة وتفكيك المجتمع وتغذية الحرب والنهب والرعب.

 

‏ومن هنا فإن واجب الكلمة لا يقل عن واجب البندقية. يجب أن يقال لهؤلاء بصرامة: السودان ليس مسرحًا مفتوحًا لأوهامكم، ولا جيشه شاشةً تعلقون عليها عجزكم عن فهمه، ولا دولته جثة سياسية تتشاطرون عليها التهم. السودان أكبر من رواياتكم، وأقدم من دعاياتكم، وأثقل من أن تحركه شائعة أو تقرير مبتور أو أمنية خسيسة عند من لا يستطيعون مواجهة الحقيقة كما هي.

 

‏الحقيقة هي أن الميليشيا تريد البقاء، فإن عجزت عن البقاء بالقوة، حاولت البقاء بالتشويه. والحقيقة هي أن خصوم الدولة يريدون إرباك الناس حتى لا يروا الفارق بين من يقاتل لبقاء السودان، وبين من لا يزدهر إلا إذا تحلل السودان. والحقيقة الأخيرة، وهي الأشد إيلامًا لهم، أن السودان لم يسقط رغم كل هذا، وأن الدولة ما زالت تقاوم، وأن الجيش ما زال يقف، وأن الكذبة، مهما صرخت، تبقى كذبة.

 

‏كما أن معركة الجيش، التي اعتمدت وتعتمد على وقوف شعبه معه، لم تنته بعد. وهذه حقيقة سياسية وأخلاقية في آن. فالدولة في مثل هذه المنعطفات لا تنتصر بالمؤسسة العسكرية وحدها، بل بحاضنتها الوطنية، بوعي الناس، بثقتهم، بقدرتهم على التمييز بين من يدافع عن بقائهم ومن يراهن على إنهاكهم وتفتيتهم. ومن هنا فإن العبث بالعقول، والتشكيك الكلي، ونشر السرديات التي تساوي بين الدولة والميليشيا، ليست مجرد آراء طائشة، بل مساهمة مباشرة في إطالة أمد المحنة.

 

‏ولذلك فإن الرد لا ينبغي أن يكون مرتبكًا أو خجولًا أو دفاعيًا. بل ينبغي أن يكون واضحًا، صلبًا، عاليًا:

 

‏*السودان لا تحكمه أوهام الخصوم، ولا يدار بإملاءات المروجين للفوضى.

‏ *جيشه ليس تابعًا لتنظيم، ودولته ليست مزرعة لمحور.

‏ *ومن يخلط بين من يقاتل لبقاء الوطن ومن يقاتل لتفكيكه، لا يخطئ في التحليل فحسب، بل يطعن الوعي الوطني في صميمه.

‏ *والمعركة لم تنته بعد، ما دام السودان يقف، وما دام شعبه يعرف أين تكون الدولة وأين يكون الخراب.

‏⁧