![]()

الخرطوم – السوداني
أصدر رئيس مجلس السيادة أول ركن عبد الفتاح البرهان قراراً بتعيين الدكتور أمجد فريد الطيب مستشاراً للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية لرئيس مجلس السيادة في السودان.
وتضع هذه الخطوة واحدة من أبرز الشخصيات المدنية المؤيدة للديمقراطية، والتي ساهمت بفعالية في الحراك الثوري الذي أسقط نظام حكم المؤتمر الوطني، ضمن أرفع الدوائر الاستشارية المؤثرة في صناعة سياسات الدولة.
وعلمت (السوداني) أن هذا التعيين يأتي في إطار مساعٍ لتعزيز الانخراط الدولي للحكومة، في وقت لا يزال فيه السودان غارقاً في أتون حرب تطاول أمدُها وصراعات جيوسياسية محتدمة. وبالقدر نفسه من الأهمية، يبعث القرار برسالة سياسية واضحة تتمثل في تصعيد صوت مدني قوي ومستقل وذي مصداقية إلى موقع استراتيجي يسهم في صياغة العلاقات الخارجية للدولة وخطابها السياسي.
وُلد الدكتور أمجد فريد الطيب في مدينة أم درمان، وتلقى تدريبه كطبيب بشري مع تخصص متقدم في البحث العلمي والإحصاء الحيوي، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي.
وعلى مدار العقدين الماضيين، انخرط فريد بعمق في المشهد السياسي والحراك المدني السوداني؛ وبعد استقالته من الحزب الشيوعي السوداني في عام 2016، واصل نشاطه كفاعل سياسي مستقل.
وقد برز تأثيره المبكر من خلال تنظيم الحراك القاعدي، حيث ساهم في عام 2009 في تأسيس حركة “قرفنا” الشبابية، التي حشدت السودانيين ضد الحكم الاستبدادي والتلاعب بالانتخابات. وكما شارك في تأسيس حركة التغيير التي دعت إلى إسقاط نظام البشير والإصلاح الديمقراطي وتعزيز المشاركة السياسية، وشغل منصب المتحدث الرسمي باسمها. لعبت هذه الحركات دوراً محورياً في تشكيل ملامح الحراك والمقاومة التي تتوجت بالتعبئة الثورية ضد نظام الرئيس السابق عمر البشير.
كما شغل الدكتور أمجد أيضاً دوراً رئيسياً في بروز العمل التطوعي المدني الحديث في السودان. ففي عام 2013، وعقب الفيضانات المدمرة التي اجتاحت الخرطوم وولايات أخرى، أطلق فريد مبادرة “نفير”، وهي حملة تطوعية وطنية نسقت جهود آلاف المواطنين ودعم المغتربين في عمليات إغاثة المتضررين.
ورغم صبغتها الإنسانية في المقام الأول، إلا أن مبادرة “نفير” اكتسبت سريعاً أهمية سياسية أوسع؛ إذ أثبتت قدرة الشبكات المدنية اللامركزية على حشد أعداد كبيرة من السودانيين خارج هياكل الدولة أو الأحزاب. وقد وصف العديد من المحللين المبادرة لاحقاً بأنها كانت مقدمة نفسية وتنظيمية لحركات الاحتجاج التي اندلعت لاحقاً في 2013، والتي بلغت ذروتها في ثورة 2018-2019.
قيادة حراك الاحتجاج
انخرط الدكتور أمجد بشكل مباشر في تنظيم الاحتجاجات التي هزت السودان في سبتمبر 2013 عقب رفع الحكومة الدعم عن الوقود، وكان عضواً مؤسساً ومتحدثاً باسم هياكل تنسيق الاحتجاجات آنذاك. وقد أدى نشاطه إلى تعرضه للاعتقال المتكرر من قبل النظام السابق، بما في ذلك فترات احتجاز مطولة بعد احتجاجات 2013 ومرة أخرى في عامي 2015 ويناير 2018.
وضعت هذه التجارب الدكتور أمجد فريد ضمن جيل من المعارضين الذين زاوجوا بين التنظير الفكري والمشاركة المباشرة في الحراك المناهض للاستبداد.
خبرة في أروقة الحكم
عقب سقوط نظام البشير وتشكيل الحكومة الانتقالية (المدنية-العسكرية)، دخل أمجد فريد دوائر العمل الحكومي؛ حيث عمل بين ديسمبر 2019 وفبراير 2021 مساعداً لكبير موظفي مكتب رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك. وخلال تلك الفترة، قاد وساهم في مبادرات إصلاحية رئيسية، من بينها مشروع إصلاح الخدمة المدنية، وهو جهد طموح استهدف إعادة هيكلة البيروقراطية السودانية وتفكيك عقود من المحسوبية السياسية المتجذرة في مؤسسات الدولة.
كما شارك في جهود التنسيق الوطنية للاستجابة لجائحة كوفيد-19، وعمل كحلقة وصل رئيسية مع البعثات الدبلوماسية والمنظمات متعددة الأطراف، منسقاً التواصل بين الحكومة السودانية والشركاء الدوليين ووكالات التنمية والمؤسسات الدولية.
وبعد إجراءات أكتوبر 2021 العسكرية، ظل فريد منخرطاً في العمل السياسي، حيث عمل مستشاراً سياسياً لبعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، مع استمراره في انتقاد تآكل الهياكل السياسية المدنية وانتهازيتها. وقبل تعيينه الأخير، شغل منصب المدير التنفيذي لمركز فكرة للدراسات والتنمية، وهي مركز أبحاث سوداني غير حزبي يركز على إصلاح الحوكمة وفض النزاعات، كما أنه زميل زائر سابق في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR).
تتجاوز أهمية تعيين أمجد فريد مؤهلاته الشخصية؛ ففي وقت تواجه فيه القيادة السودانية، في ظل الحرب، روايات متضاربة حول التوجه الأيديولوجي الإسلامي للدولة، فإن استيعاب شخصية مدنية ديمقراطية معروفة في الهيكل الاستشاري لمجلس السيادة يرسل إشارات سياسية بتعزيز قدرة الحكومة على صياغة خطاب متماسك للسياسة الخارجية، في وقت يواجه فيه السودان حملات ضغط وتضليل خارجي مكثفة مرتبطة بالحرب.
كما يعكس التعيين تمكيناً لصوت مدني تقدمي بارز في أعلى مستويات الاستشارة الحكومية، مما يفند الادعاءات المستمرة بأن مؤسسات الدولة السودانية في زمن الحرب تهيمن عليها حصرياً جهات أيديولوجية أو عسكرية.
وعلى الصعيد العملي، قد يساعد ذلك في إعادة ضبط علاقات السودان مع الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع المدني العالمي.
الجدير ذكره أن أمجد سبق أن اقترح إطاراً مفصلاً لحل الأزمة السودانية الحالية، يرتكز على ثلاث ركائز: عملية سياسية شاملة تعيد القوى المدنية إلى الحكم الوطني؛ وإصلاح مؤسسي شامل، لاسيما في الخدمة المدنية والقطاع الأمني؛ وإنهاء الوجود المؤسسي لميليشيا الدعم السريع كشرط مسبق لأي إصلاح إيجابي في البلاد.
اختبار للتوجه السياسي
في نهاية المطاف، ستعتمد أهمية هذا التعيين على مدى التأثير الحقيقي الذي ستتمتع به هذه المنزلة الاستشارية داخل هيكل صنع القرار في مجلس السيادة.
لكن من الناحية الرمزية والسياسية، تبدو الرسالة واضحة بالفعل، وهي أن شخصية مدنية بارزة من جيل المقاومة الديمقراطية تشغل الآن موقعاً استراتيجياً في تشكيل واجهة السودان السياسية الخارجية. وفي حرب لا تُخاض بالمعارك العسكرية فحسب، بل وبصراع الروايات حول مستقبل الدولة، قد تكون هذه الإشارة بحد ذاتها لا تقل أهمية عن قرار التعيين نفسه.