الجيش السوداني والحركة الإسلامية بين القطيعة والمناورة

الجيش السوداني والحركة الإسلامية بين القطيعة والمناورة

Loading

تشهد الساحة السياسية والعسكرية في السودان مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الصراعات السياسية، في ظل تصاعد التوتر بين قيادة الجيش السوداني والحركة الإسلامية. هذا التوتر الذي ظل لسنوات طويلة مستتراً خلف تحالفات الضرورة وتقاطعات المصالح، بدأ في الآونة الأخيرة يخرج إلى العلن تدريجياً، خاصة بعد تصنيف الحركة الإسلامية كمنظمة إرهابية، وهي خطوة أعادت ترتيب خطوط التماس بين الطرفين وأطلقت ديناميات صراع جديدة داخل معسكري الجيش والإسلاميين على حد سواء.
لم يكن التحالف بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية أمراً طارئاً في تاريخ السودان الحديث. فمنذ انقلاب الانقاذ الذي أوصل نظام الإسلاميين إلى السلطة، تشكلت شبكة معقدة من العلاقات بين القيادات العسكرية والتنظيم الإسلامي، حيث لعبت الحركة الإسلامية دوراً مؤثراً في تشكيل مراكز القرار داخل الدولة والجيش. غير أن التحولات السياسية التي شهدها السودان بعد سقوط نظام البشير، ثم اندلاع الحرب الحالية، دفعت هذه العلاقة إلى مرحلة إعادة تعريف قاسية.
في هذا السياق، تحاول قيادات بارزة في الحركة الإسلامية التأكيد على عمق علاقتها بالمؤسسة العسكرية، بل والذهاب أبعد من ذلك بالإشارة إلى نفوذها داخل هياكل القيادة العسكرية. وقد ظهر عدد من القيادات الإسلامية في تصريحات علنية تؤكد هذا المعنى، في محاولة واضحة لنفي الاتهامات التي تسعى إلى تصوير الحركة كقوة معزولة أو مطاردة سياسياً. غير أن هذه الرسائل لا تبدو موجهة إلى الرأي العام وإنما إلى قواعد الحركة نفسها التي بدأت تشهد حالة من الارتباك والانقسام حول طبيعة العلاقة مع الجيش.
في المقابل، تسعى قيادة الجيش إلى نفي هذه العلاقة أو التقليل من شأنها في الخطابات الجماهيرية، في محاولة لتأكيد استقلالية الجيش ونفي الاتهامات المتزايدة التي تربط الجيش بالمشروع السياسي للإسلاميين، ويعكس هذا الخطاب إدراكاً متزايداً داخل الجيش بأن استمرار هذا الارتباط يمثل عبئاً سياسياً داخلياً وخارجياً، خصوصاً في ظل الضغوط الإقليمية والدولية التي تطالب بإبعاد الجيش عن أي الحركة الاسلامية.
لكن هذا التباعد المعلن يخفي وراءه صراعاً معقداً داخل كل طرف. فالحركة الإسلامية باتت ساحة لتباينات حادة حول كيفية التعامل مع الجيش في المرحلة الراهنة. فبينما ترى مجموعة من القيادات ضرورة التمسك بالعلاقة مع الجيش باعتبارها الضمانة الأساسية لبقاء الحركة داخل معادلة السلطة، يدفع تيار آخر نحو مواجهة أكثر صراحة مع القيادة العسكرية، معتبراً أن الجيش “خان مشروع الحركة” وأن الإسلاميين هم من يتحملون العبء الأكبر في المعارك الدائرة على الأرض.
هذا الانقسام يتجلى بوضوح داخل أوساط الشباب والكوادر الميدانية، حيث تتصاعد الدعوات إلى مواجهة قائد الجيش ومحاسبته وإعادة تشكيل مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية عبر دعم قيادات محسوبة على التيار الإسلامي. بينما يدعو تيار آخر إلى ما يمكن وصفه بسياسة “الانحناء للعاصفة”، عبر الحفاظ على قنوات اتصال غير معلنة مع الجيش، ودعم عملياته العسكرية مؤقتاً إلى حين تغير موازين القوى.
وقد انعكست هذه التباينات في ظهور مجموعات بدأت تنفي صلتها التنظيمية بالحركة الإسلامية، في خطوة يمكن تفسيرها كمحاولة لإعادة التموضع أو لتجنب الضغوط السياسية والأمنية. كما تشير معلومات إلى أن بعض الكتائب المرتبطة بالإسلاميين بدأت الانسحاب من العمليات الجارية، مفضلة الاحتفاظ بقوتها استعداداً لمعركة محتملة، وهو ما يعكس مستوى عالياً من الشكوك المتبادلة بين الطرفين.
على الجانب الآخر، لا يبدو الجيش بمنأى عن هذه التوترات، فداخل المؤسسة العسكرية نفسها تتشكل رؤيتان متباينتان حول العلاقة مع الإسلاميين. هناك تيار يرى أن كتائب الإسلاميين والقوات المرتبطة بهم تمثل قوة قتالية مهمة في الحرب الحالية، وأن التفريط بها في هذا التوقيت قد يضعف القدرات العسكرية للجيش، ويدفع تيار آخر باتجاه فك الارتباط الكامل مع الحركة الإسلامية، معتبراً أن استمرار هذه العلاقة يهدد شرعية الجيش ويعزز عزلتها الإقليمية والدولية.
وقد تجلى هذا التوتر الداخلي في سلسلة من الإجراءات الأخيرة، من بينها اعتقال بعض القيادات المرتبطة بالإسلاميين في المقاومة الشعبية، إلى جانب إعفاء عدد من المسؤولين في حكومة كامل إدريس، وهي خطوات فسرتها بعض الأوساط بأنها محاولة لإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الدولة كخطوة اولى.
الأكثر دلالة في هذا المشهد هو أن تياراً داخل الجيش بدأ بالفعل فتح قنوات تواصل مع شخصيات سياسية من قوى مدنية، في محاولة لبناء تحالف بديل يساعد القيادة العسكرية على التخلص من النفوذ الإسلامي داخل مؤسسات الدولة، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً داخل الجيش بأن معركته المقبلة قد تكون سياسية بقدر ما هي عسكرية.
يشكّل تصنيف الحركة الإسلامية السودانية كمنظمة إرهابية نقطة تحوّل مفصلية في طبيعة العلاقة التاريخية بينها وبين المؤسسة العسكرية، إذ لم يعد ممكناً استمرار الصيغة القديمة للتحالف دون كلفة سياسية داخلية وخارجية على الجيش. في هذا السياق، تبدو قيادة الجيش أكثر ميلاً إلى إدارة العلاقة مع الإسلاميين بمنطق البراغماتية السياسية؛ فهي من جهة تدرك الوزن الذي لا تزال الحركة تمتلكه داخل الجيش وشبكات المقاومة الشعبية وبعض التكوينات القتالية، ومن جهة أخرى تسعى إلى فك الارتباط التدريجي معها لتخفيف الضغوط الدولية وإعادة تقديم الجيش كفاعل وطني عابر للأيديولوجيات. هذه البراغماتية تدفع الجيش إلى انتهاج سياسة التأرجح، مستفيداً من الإسلاميين حين تفرض ضرورات الحرب، وفتح قنوات مع قوى مدنية وسياسية أخرى لضمان أوسع هامش ممكن للمناورة السياسية. وبهذا المعنى، لا يسعى الجيش إلى إدارة صراع مع الحركة الإسلامية، بل إلى إعادة صياغة توازنات السلطة بطريقة تتيح له البقاء في موقع القيادة مهما تغيّرت التحالفات والاصطفافات.
ومن نافلة القول؛ أن مجموعة من حلفاء الجيش، خاصة الحركات المسلحة والقوى السياسية الطامحة للسلطة تتحرك ضمن منطق لا يقل براغماتية، إذ ترى في التحولات الجارية فرصة لملء الفراغ الذي قد ينشأ عن تراجع نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة، فهذه القوى تسعى إلى إعادة التموضع بالقرب من مركز القرار العسكري، ليس دعماً للجيش في معركته الراهنة، وإنما أملاً في الحصول على نصيب أكبر من السلطة المدنية في مرحلة الحرب وما بعدها، ومن ثم تتخذ مواقفها وفق حسابات انتهازية في كثير من الأحيان، حيث يتقدم هاجس اقتسام السلطة على أي مشروع وطني جامع، وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن الصراع الدائر لا يقتصر على فك الارتباط بين الجيش والحركة الإسلامية، ولكنه يتسع ليشمل سباقاً بين قوى متعددة تسعى إلى استثمار اللحظة لإعادة تشكيل هرم السلطة المدنية بما يخدم مصالحها المباشرة.
ففي ظل هذه المعادلة الهشة، تبدو الأيام القادمة مرشحة لمزيد من التوتر داخل معسكر الجيش وحلفائه، وكذلك داخل الحركة الإسلامية نفسها، حيث ستحدد نتائج هذا الصراع الخفي شكل التحالفات السياسية والعسكرية خلال المرحلة المقبلة.
في خضم هذا التشابك بين الحسابات العسكرية والمناورات السياسية، يبرز السؤال الجوهري حول الموقف الصحيح من هذا الصراع، وهو موقف لا ينحاز لأي من أطرافه بقدر ما ينحاز إلى مبدأ إعادة تأسيس العملية السياسية على أسس جديدة. فالتجربة السودانية خلال العقود الماضية أثبتت أن التحالفات التكتيكية بين العسكريين والقوى السياسية أو الأيديولوجية لا تنتج استقراراً دائماً، بل تعيد إنتاج الأزمات في دورات متعاقبة.
لذلك فإن المدخل الحقيقي للخروج من هذه الحلقة المفرغة يتمثل في إطلاق عملية سياسية جادة تستند إلى مبادئ واضحة، في مقدمتها استبعاد حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما من أي ترتيبات سياسية انتقالية، باعتبار دورهما المركزي في تقويض الدولة المدنية طوال العقود الماضية. وكذلك ينبغي إبعاد المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع عن المجال السياسي والاقتصادي بصورة كاملة، مع الشروع في عملية إصلاح أمني وعسكري تقود إلى بناء جيش مهني قومي واحد يخضع للسلطة المدنية ويعكس تنوع الدولة السودانية. ويتطلب هذا المسار أيضاً فك الارتباط العضوي الذي نشأ بين بعض القوى المدنية من جهة، والجيش أو الدعم السريع من جهة أخرى، بحيث تستعيد السياسة استقلالها عن السلاح، وعلى هذا الأساس يمكن الدعوة إلى عقد مؤتمر مائدة مستديرة يضم القوى المدنية بهدف صياغة مشروع وطني يؤسس لانتقال مدني ديمقراطي، ويضع نهاية لدورات الصراع على السلطة التي ظلت تحكم المشهد السوداني لعقود طويلة.