ترمب يختلف عن الرؤساء السابقين.. لماذا لم يشنوا حربًا على إيران؟

ترمب يختلف عن الرؤساء السابقين.. لماذا لم يشنوا حربًا على إيران؟

Loading

على مدى نصف قرن تقريبًا، نظر القادة الأميركيون إلى إيران باعتبارها “العدو الأكبر”. فقد ميّزت أيديولوجية طهران المعادية للولايات المتحدة، إلى جانب قيادتها، إيران في المخيلة الأميركية عن غيرها من الأعداء الصعبين.

فقبل أسبوعين فقط من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب الحالية على إيران، عبّر وزير الخارجية ماركو روبيو عن رأيٍ راسخ لدى قادة النظام، قائلًا: “هؤلاء يتخذون قراراتهم السياسية بناءً على أسس دينية بحتة. هكذا يتخذون قراراتهم. لذا، من الصعب التوصل إلى اتفاق مع إيران”، حسب قوله.

وبحسب صحيفة “واشنطن بوست“، كان هذا الخطاب جزءًا لا يتجزأ من نقاشات واشنطن حول إيران، لدرجة أن أحدًا لم يلحظه تقريبًا. لكن هذا الشعور المتجذر بشدة ضد إيران في واشنطن ساهم في تمهيد الطريق أمام ترمب لجر الولايات المتحدة إلى الحرب.

أحداث غذّت العداء مع إيران

وتشير الصحيفة إلى مجموعة من الأحداث التي غذّت هذا الخطاب ومنها احتجاز دبلوماسيين أميركيين كرهائن في طهران خلال ثورة 1979، مرورًا بعقود من دعم جماعات مسلحة في عدد من الدول، وصولًا إلى المواجهة النووية التي بدأت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

مع ذلك، لا يمكن النظر إلى الحرب الحالية على أنها مجرد تطور طبيعي للعداء الأميركي الإيراني. فعلى الرغم من وجود عداء عميق، لم يصل الرؤساء الأميركيون السابقون إلى هذا الحد.

سياسة الاحتواء

وقد اعتمدت السياسة الأميركية في الغالب على سياسة الاحتواء، مستندةً إلى سياسات لا تصل إلى حد الحرب، مثل العقوبات الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية والردع العسكري. بل إن الإدارات المتعاقبة، الديمقراطية والجمهورية، حاولت اللجوء إلى الدبلوماسية لحل الخلافات الأميركية الإيرانية، إلّا أن السياسة الداخلية، في كل من واشنطن وطهران، عرقلت مرارًا وتكرارًا أي فرصة لتحقيق اختراقات مستدامة. 

وقد ناقش المسؤولون الأميركيون الخيارات العسكرية في الإدارات السابقة، لكنهم استبعدوها في نهاية المطاف، معتبرين المخاطر جسيمة والنتائج غير مؤكدة حتى الآن.

وبحسب “واشنطن بوست”، فإن قرار ترمب باختيار الحرب على حساب الدبلوماسية يواصل نهجًا مألوفًا من المواقف والسياسات التصادمية. كما يمثل تحولًا جذريًا، إذ يقود الولايات المتحدة إلى مسار من غير المرجح أن “يحل” أزمة إيران. 

ويزعم ترمب أنه فعل ما لم يجرؤ أي رئيس سابق على فعله. لكن قراره قد يجلب مع عواقب إقليمية وعالمية وخيمة ستتجاوز فترة رئاسته.

محاولات غير جادة للاتفاق مع إيران

ويبدو من غير المرجح أن يكون مبعوث ترمب، ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، قد انخرطا، في الأشهر التي سبقت الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، في محاولات جادة للتوصل إلى اتفاق دبلوماسي لتجنب الحرب. 

ففي خضم الدبلوماسية، شنّت الولايات المتحدة في يونيو/ حزيران الماضي عدوانًا استمر 12 يومًا. زعمت الولايات المتحدة أنها دمّرت قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم. ثم راوغت في جولات المفاوضات بشأن الملف النووي. 

كما أن حشد ترمب للقوات العسكرية في أعقاب الاحتجاجات الواسعة النطاق في إيران في يناير/ كانون الثاني، ووعوده بأن “المساعدة قادمة”، أرسلت رسائل متضاربة طوال المحادثات، موحيةً بأن هدفه كان تغيير النظام، وليس التوصل إلى اتفاق نووي أو حتى اتفاق أوسع.

وتشير “واشنطن بوست” إلى أن التزام ترمب الفاتر بالدبلوماسية مع إيران لم يكن سابقةً، بل جاء في سياق تاريخ طويل من التردد الأميركي حيال التعامل مع الإيرانيين، وعقلية مفادها أنه لا يمكن التعامل مع الجمهورية الإسلامية كدولة “طبيعية”. 

ولم ينظر جميع المسؤولين في الحكومة الأميركية إلى إيران كدولة غير عقلانية تحركها الأيديولوجية وحدها؛ فقد قدمت العديد من التقييمات الاستخباراتية على مر السنين تحليلات موضوعية لتفسير السلوك الإيراني باعتباره سلوك دولة عقلانية، وإن كانت” خطيرة ومتطرفة”. لكن النقاش العام، الذي غالبًا ما ينعكس في المناقشات السياسية، يدور حول اللاعقلانية والتعصب الإيرانيين، وفق ” واشنطن بوست”. 

قيود كبحت الدبلوماسية

وقد راودت رؤساء أميركيين إغراءات كثيرة لإمكانية فتح آفاق دبلوماسية مع إيران. لكن تلك اللحظة لم تأتِ، ليس فقط بسبب موقف إيران العدائي تجاه الولايات المتحدة وسياساتها، بل أيضًا لأن القيود الداخلية في واشنطن حدّت من مساحة اختبار هذه الآفاق. وبدأ التوتر الداخلي المرتبط بإيران مع أزمة الرهائن ومحاولة الإنقاذ الفاشلة لإدارة كارتر، لكنه تفاقم بعد انكشاف فضيحة إيران-كونترا في ولاية ريغان الثانية. وقد ألقت التداعيات السياسية لهذه الفضيحة بظلالها على التعاملات المستقبلية مع إيران.

كما شكّل الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، الذي أُبرم في عهد الرئيس باراك أوباما، خطوةً هامةً نحو تغيير جذري في العلاقات الأميركية الإيرانية. إلا أن هذا الاتفاق، الذي أثار جدلًا واسعًا داخل النظام السياسي الأميركي لدرجة أن البعض وصفه بـ”أوباما كير” السياسة الخارجية الأميركية، لم ينجح في إرساء أسس جديدة للعلاقات. حتى الديمقراطيون الذين أيدوا الاتفاق شعروا بضرورة الحفاظ على موقف “متشدد تجاه إيران”، ودعموا استمرار الضغط عليها، الأمر الذي حدّ في نهاية المطاف من فوائد تخفيف العقوبات التي كان الإيرانيون يتوقعونها.

لم يختلف نهج ترمب تجاه إيران في ولايته الأولى اختلافًا جوهريًا عن المواقف الأميركية الراسخة. انسحب من الاتفاق النووي الإيراني (الخطة الشاملة المشتركة) للوفاء بوعده الانتخابي بالانسحاب مما وصفه بـ”أسوأ اتفاق على الإطلاق” – رغم معارضة بعض مستشاريه وهو قرار بشّر ببداية نهاية الحل الدبلوماسي لبرنامج إيران النووي. 

وقد تجاوزت سياسات ترمب القائمة على “الضغط الأقصى” سياسات أسلافه في الحد من قدرة إيران على تصدير النفط، وذلك من خلال تطبيق عقوبات ثانوية صارمة.

ومع ذلك، كان ترمب، كغيره من الرؤساء، مُغرمًا بفكرة إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران. ربما كانت دوافعه شخصية وسياسية أكثر من دوافع الرؤساء الأميركيين السابقين، إذ كان يُلمّح باستمرار إلى قدرته على إبرام اتفاق “أفضل” من اتفاق باراك أوباما. لكن في النهاية، لم يُسفر اهتمامه بالاتفاق إلا عن مجرد حديث عن المفاوضات، في ظل واقع تقدم البرنامج النووي الإيراني.

لقد تجاوز ترمب الخط الأحمر الأول في المواجهة الأميركية مع إيران باغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، عام 2020، مع ملاحظة أن الضربة نُفذت بينما كان سليماني في العراق، وليس على الأراضي الإيرانية.

وبهذا المعنى، تشابهت سياسات ترمب في ولايته الأولى إلى حد كبير مع تردد الإدارات السابقة في مهاجمة الأراضي الإيرانية مباشرة، مُواصلةً بذلك مزيجًا راسخًا من إجراءات الاحتواء والردع العسكري. بعبارة أخرى، لم تكن الأهداف الأكثر جذرية، كتغيير النظام أو التقارب، مطروحة.

وعلى نحو مماثل، واصل الرئيس جو بايدن سياسات الاحتواء الأميركية طويلة الأمد، لكن جولات المفاوضات لم تنجح في العودة إلى اتفاق. 

تغير كل ذلك مع ولاية ترمب الثانية. فبدلاً من العودة إلى الوضع السابق في السياسة الأميركية تجاه إيران، فسن عدوانًا على إيران في يونيو/ حزيران 2025، ثم في 28 فبراير/ شباط 2026. ومع اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وكبار قادة إيران في أولى خطوات الحرب، إلى جانب تصريحات ترمب المبكرة بشأنها، أصبح تغيير النظام، ولأول مرة، سياسةً أميركيةً صريحة.