“الأيام الخمسة”: مهلة للتفاوض أم نافذة لوصول التعزيزات؟

“الأيام الخمسة”: مهلة للتفاوض أم نافذة لوصول التعزيزات؟

Loading

“الأيام الخمسة”: مهلة للتفاوض أم نافذة لوصول التعزيزات؟

تحليل خاص – بقلم: محمد الحسن محمد نور

بينما انشغل الرأي العام بتصريحات الرئيس ترامب عن “تأجيل ضرب المنشآت الحيوية في إيران لمدة خمسة أيام”، بين من يراه تراجعاً بسبب الرد الإيراني العنيف، ومن يذهب إلى ضغوط إقليمية ودولية، وفي ظل نفي إيراني قاطع لوجود أي مفاوضات، غابت نقطة بالغة الخطورة دون أن يلتفت إليها الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي.

إن أسلوب الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي قد رسم لنا نمطاً متسقاً في معظم الحالات السابقة المشابهة. فالتاريخ العسكري الأمريكي – الإسرائيلي عرف نمطاً واضحاً: استخدام المفاوضات لصرف النظر أو كغطاء لاستكمال الخطط، ثم الانقضاض المفاجئ. إن ما يُقرأ في وسائل الإعلام على أنه “تراجع” قد يكون في الحقيقة مجرد احتساب دقيق لزمن وصول القطع البحرية إلى مواقع الإطلاق.

في تقديرنا أن الخمسة أيام لم تكن مهلة للدبلوماسية، بل هي النافذة الزمنية التي تلزم لوصول تعزيزات المارينز إلى المنطقة.

تفاصيل الانتشار: 2500 جندي وسفينة “تريبولي”

في 13 مارس 2026، أعلن مسؤولون أمريكيون أن نحو 2500 جندي من مشاة البحرية (الوحدة 31) قد أُمِروا بالتوجه إلى الشرق الأوسط على متن سفينة الهجوم البرمائية “يو إس إس تريبولي” (USS Tripoli). هذه القوات ليست مجرد تعزيزات دفاعية عادية؛ فهي مجهزة لتنفيذ عمليات إنزال برمائي، وتشمل طائرات F-35B وطائرات MV-22 أوسبري ومروحيات هجومية. ووفقاً لتقارير إعلامية، فإن هذه القوة القتالية المتكاملة “مصممة لتنفيذ عمليات إنزال على الجزر”.

الجدول الزمني للوصول: النافذة الحالية

بحسب بيانات التتبع البحري والتقارير المتطابقة، فإن “تريبولي” قد غادرت مياه أوكيناوا في 11 مارس متجهة غرباً. وبحلول 16 مارس، كانت السفينة موجودة في بحر الصين الجنوبي في طريقها إلى الشرق الأوسط. وفي 21 مارس، اقتربت من مضيق ملقا قرب سنغافورة.

المصادر العسكرية حددت الفترة من 23 إلى 25 مارس كموعد متوقع للوصول إلى المنطقة. صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن السفينة ما زالت في طريقها إلى الشرق الأوسط، فيما أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن المسافة المتبقية كانت تستغرق “أسبوعاً أو أكثر” اعتباراً من 13 مارس.

ماذا يعني هذا بالنسبة لمهلة “الخمسة أيام”؟

بما أن المهلة التي أعلن عنها الرئيس ترامب بدأت في 18 أو 19 مارس (حسب توقيت الإعلان)، فإن نافذة 23–25 مارس تقع داخل المهلة أو في نهايتها مباشرة. هذا يعني أن القوات البرمائية لم تكن موجودة خلال الأسبوع الماضي، مما كان يجعل أي هجوم بري “مهما كان محدوداً” يستحيل لوجستياً، بينما الآن القوات تصل (أو وصلت) خلال الأيام الخمسة. وبالتالي، فإن عنصر الانتظار لم يكن تأخيراً عشوائياً، بل تزامناً مع اكتمال وصول طلائع القوات.

وفقاً لخبراء عسكريين، فإن هذه القوات “يمكنها تنفيذ غارات سريعة على الجزر بدعم لوجستي وجوي”.

ما هي المهام المحتملة؟

التقارير تُشير إلى أن هذه القوات ليست مجرد تعزيزات دفاعية، بل هي قوة اقتحام برمائي جاهزة لتنفيذ مهام هجومية محددة:

· تأمين مضيق هرمز: الهدف المعلن في التسريبات هو فتح المضيق الذي أغلقه الإيرانيون فعلياً.
· جزيرة خرج: الهدف الاستراتيجي الأبرز هو جزيرة خرج، التي تصدر منها 90% من النفط الإيراني. السيطرة عليها تعطي واشنطن ورقة ضغط قوية دون حاجة لقصف شامل.
· إنشاء منطقة عازلة: خبراء عسكريون قالوا إن “النجاح في فتح المضيق يتطلب نشر قوات برية للسيطرة على الساحل الإيراني”.

الصورة ليست ما تبدو عليه

ما لم يُنقل إلى الجمهور بشكل كافٍ حتى الآن هو أن المهلة ضرورية بالفعل لتتزامن مع اكتمال وصول آخر قطعة من أحجية الانتشار العسكري. فما يبدو للرأي العام مهلة دبلوماسية قد يكون في الحسابات العسكرية مجرد وقت عبور لآخر قطعة بحرية.

في غياب أي مفاوضات حقيقية (باعتراف الطرفين)، فإنّ “الأيام الخمسة” التي أعلن عنها ترامب تبدو أقرب إلى مساحة زمنية لوجستية ضرورية لاستكمال الانتشار، وليس مهلة دبلوماسية بانتظار رد إيراني.

وهنا لا بد من التذكير بأن هذا النمط – استخدام المفاوضات كغطاء لاستكمال خطة الهجوم وإحكام عنصر المفاجأة – ليس جديداً في التكتيك العسكري الأمريكي والإسرائيلي. إن ما يُقرأ في وسائل الإعلام الآن على أنه “تراجع” قد لا يزيد في الحقيقة عن كونه مجرد تمويه.

الساعات والأيام المقبلة قد تكون أكثر خطورة مما نظن.

محمد الحسن محمد نور
كاتب ومحلل سياسي مستقل.
٢٣ مارس ٢٠٢٦