أحمد القرشي إدريس يكتب: السودان والخليج… وشاية الميليشيا وعجز الأكاذيب

أحمد القرشي إدريس يكتب: السودان والخليج… وشاية الميليشيا وعجز الأكاذيب

Loading

أحمد القرشي إدريس يكتب: السودان والخليج… وشاية الميليشيا وعجز الأكاذيب

ليس أوجع على وطنٍ ينزف من أن يُراد له، وهو في نزفه، أن يُتّهم بما ليس فيه، وأن يُدفع إلى موضع لا يشبهه، وأن تُفسد صلته بأشقائه بأكاذيب تصنعها الميليشيا ويرددها أصحاب الغرض. وهذا بعض ما يُراد للسودان اليوم.

 

ففي ذروة المحنة، وبينما البلاد تداوي جراحها المفتوحة، وتعدّ قتلاها، وتكابد خراب المدن وتشرد الملايين، تنشط حملة خبيثة لتصوير السودان كأنه غادر موقعه، وبدّل بوصلته، ومال إلى خندقٍ يناقض عمقه العربي والخليجي. وهي حملة لا تقوم على حقائق، بل على تلفيق مقصود، ومقاطع مبتورة، وسرديات يراد منها تشويه الدولة السودانية، والإساءة إلى علاقتها التاريخية بأشقائها في الخليج، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية.

 

والحق أن السودان لم يكن يوماً بلداً عابراً في ولائه، ولا دولة تتقلب مع الريح، ولا شعباً يفرط في وشائج المودة والوفاء. فما بين السودان والخليج ليس تفصيلاً دبلوماسياً، ولا تقاطع مصالح عابراً، بل علاقة راسخة نسجتها المواقف، وثبتتها المحن، وأعطاها التاريخ من الرسوخ ما يجعلها أكبر من أن تنال منها شائعة، وأرفع من أن تهزها دعاية سوداء.

 

وحين أعادت الخرطوم علاقتها مع طهران في عام 2024، جرى ذلك في سياق إقليمي معلوم، بعد التحول الذي قادته الرياض نفسها عبر اتفاق بكين. لم يكن الأمر خروجاً على الاعتدال، ولا انقلاباً على المحيط الخليجي، ولا اصطفافاً معادياً كما حاول المروّجون أن يزعموا. بل كان قراءة سياسية في ظرف إقليمي متحرك، تحت سقف معروف من التوازن، لا انتقالاً إلى ضفة أخرى.

 

ثم إن الوقائع نفسها تنقض هذا الادعاء من أساسه. فحين سعت الحكومة السودانية في عام 2024 إلى التواصل مع طهران لشراء مسيّرات، لم تجد دفء الحلفاء كما يصور الكذبة، بل وجدت مطالبات قاسية بسداد ديون قديمة تعود إلى عهد سابق يبلغ نحو ٨٠٠ مليون دولار أميركي، قبل أن يقطع السودان علاقاته مع إيران في يناير 2016. وهذه وحدها كافية لهدم الخرافة التي يراد بناؤها عن صلة عضوية مزعومة بين الخرطوم وطهران.

 

لكن أصحاب الأغراض لا تعنيهم الحقيقة بقدر ما يعنيهم أثر الكذب. ولذلك راحت غرف التحريض تقتات على كل عبارة مجتزأة، وعلى كل سياق مبتور، لتصنع رواية كاملة عن سودان يقف ضد الخليج، أو يفتح أبوابه لمن يسيء إلى الخليج، أو يتحرك ضمن مشروع إقليمي يناقض موقعه الطبيعي. وهي مزاعم لا يثبتها دليل، لكنها تكشف، بما لا يدع مجالاً للشك، عن نية سياسية فاسدة تريد تعميق عزلة السودان والإضرار به في لحظة ضعفه.

 

وما يجعل هذا المسلك أكثر خطورة أن غايته لا تقف عند حدود التشويه. فهذه الحملات، في جوهرها، تمهد لتحريض أكبر، يراد به فتح الباب لأذى خارجي جديد على السودان، بعد أن عجزت الميليشيا عن حسم ما أرادته بالسلاح وحده. كأن الخراب الذي أصاب البلاد لم يكفِ، وكأن نزيف السودانيين لا يزال، في نظر بعضهم، قابلاً للمزيد.

 

غير أن الحقيقة أبسط من كل هذا الضجيج.

السودان لم يغادر خيمة الاعتدال.

ولم يتحول إلى ظل لطهران.

ولم يكن في يوم من الأيام خصماً لأشقائه في الخليج.

 

لقد كان موقفه واضحاً في رفض الاعتداء على دول الخليج، كما كان واضحاً في تأكيد التضامن معها، لأن السودان يعرف موقعه، ويعرف أن أمن الخليج ليس شأناً بعيداً عنه، بل جزء من استقرار عربي أوسع، ومن وشائج لا تصنعها البيانات وحدها، بل تصنعها أيضاً الأخلاق السياسية وذاكرة المواقف.

 

أما المملكة العربية السعودية، فهي في الوعي السوداني أكبر من أن تُزاح من موضعها بشائعة، أو تُحجب مكانتها بحملة مأجورة. إنها الدولة الراسخة التي يعرف السودانيون قدرها، ويعرفون ما تمثله من ثقل واعتدال ورصانة، وما بينها وبين السودان من صلة لا تعبث بها قوة عابرة، ولا تفسدها دعاية رخيصة.

 

وهكذا تنكشف الحكاية على صورتها الحقيقية:

ليست المسألة كشفاً لعلاقة خفية، بل اختلاقٌ لعلاقة غير موجودة.

وليست قراءةً للمشهد، بل محاولة لتسميمه.

وليست دفاعاً عن الحقيقة، بل اعتداءً عليها.

 

وفي المحصلة، تبقى الأكاذيب عاجزة، مهما ارتفع صوتها، لأن ما بين السودان والخليج أعمق من الوشاية، وأبقى من التحريض، وأكرم من أن يُدنّسه خطاب الميليشيا. فالسودان، في ألمه كله، لم يفقد بصيرته، ولم يبدل وفاءه، ولم يخرج من صف الاعتدال.

 

قد يعلو الضجيج.

قد تتكاثر التلفيقات.

قد تُنفق الأموال على الكذب.

 

لكن الحقيقة، في آخر المطاف، لا تُهزم.

والسودان لا يُرسم بأكاذيب خصومه.

ولا يُقتلع من محيطه بوشاية ميليشيا.

ولا يخون أهله، ولو خانه بعض أبنائه.