صمت مريب على حدود النار

صمت مريب على حدود النار

Loading

صمت مريب على حدود النار
بقلم: رشان أوشي

النورس نيوز _ ليس أخطر من سقوط المدن، إلا الصمت الذي يعقبه. فبينما تتسارع الأنباء عن تطورات ميدانية خطيرة في إقليم النيل الأزرق، يخيّم صمت رسمي كثيف، يفتح الباب واسعاً أمام القلق والتأويل، ويترك المواطن في مواجهة سيل من الروايات غير المؤكدة.

الحديث هنا ليس عن حدث عابر، بل عن أنباء متداولة تشير إلى سقوط مدينتي الكرمك ومقجة، وسيطرة مليشيات مسلحة يُقال إنها مدعومة بعناصر أجنبية وطيران مسيّر، في مشهد يعيد إلى الأذهان تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابكاته. وبينما تتناقل وسائل الإعلام صور نزوح جماعي، تتجه فيه آلاف الأسر صوب الدمازين بحثاً عن ملاذ آمن، تبدو الصورة الإنسانية أكثر إلحاحاً من أي تحليل سياسي.

لكن، أين الرواية الرسمية؟
هذا السؤال هو الأكثر حضوراً، والأكثر إلحاحاً. فحتى اللحظة، لا توجد توضيحات كافية تعكس حقيقة ما يجري على الأرض، ولا بيانات تفصيلية تطمئن المواطنين أو حتى تضعهم أمام واقع واضح يمكن البناء عليه.

قد يكون ما حدث مفاجئاً بالفعل، وربما وجدت الجهات المعنية نفسها أمام تطور ميداني متسارع فرض عليها التركيز على احتواء الموقف قبل الحديث عنه. هذا احتمال منطقي في سياق العمليات العسكرية، حيث تتقدم الأولويات الميدانية على التصريحات الإعلامية.

لكن هناك احتمالاً آخر، أكثر تعقيداً، يتعلق بانشغال مراكز القرار بصراعات داخلية، سياسية كانت أو إدارية، في ظل واقع سوداني مأزوم تتداخل فيه الملفات وتتشابك الأولويات. وفي مثل هذه البيئات، قد تصبح بعض الجبهات “مؤجلة إعلامياً”، حتى وإن كانت مشتعلة ميدانياً.

أما التفسير الثالث، وهو الأكثر إيلاماً، فيتمثل في احتمال أن الإقليم، رغم أهميته الجغرافية والأمنية، لا يحظى بذات الوزن في حسابات المرحلة السياسية القادمة، وهو ما قد يفسر ضعف الحضور الرسمي في لحظة مفصلية كهذه.

وبين هذه الاحتمالات جميعاً، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً هي تفاقم الوضع الإنساني. آلاف النازحين، ظروف معيشية قاسية، واحتياجات عاجلة تتزايد كل ساعة. هؤلاء لا تعنيهم تفسيرات الصمت، بقدر ما تعنيهم الاستجابة الفعلية، والحماية، والغذاء، والمأوى.

الصمت، في مثل هذه اللحظات، ليس مجرد غياب للمعلومة، بل غياب للطمأنينة. والمطلوب اليوم ليس فقط توضيح ما حدث، بل تقديم رؤية واضحة لما سيحدث، وكيف ستتم حماية ما تبقى، ومن سيتحمل مسؤولية ما جرى.

في أزمنة الأزمات، لا يكون البيان ترفاً، بل ضرورة. ولا يكون الصمت خياراً، بل فراغاً يملؤه الخوف.

وما بين نار الميدان وصمت المؤسسات، يبقى المواطن وحده في مواجهة الحقيقة… أو ما يُشبهها.