![]()

من خلال معايشتي الميدانية لما جرى في السودان منذ لحظة وصولي إلى البلاد إبان الحرب، في تلك الأيام العصيبة التي كانت فيها المُسيّرات تتساقط فوق الرؤوس في عدد من المدن، مخلفة قتلى وحرائق ودماراً واسعاً، مروراً بالمراحل التي أعقبت ذلك، وصولاً إلى فك حصار القيادة العامة، والدخول إليها برفقة مجموعة من منتسبي وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة كأول فريق وزاري مدني، فضلاً عن الجهود العظيمة والتضحيات الجسيمة التي أثمرت تحرير عدد من المدن والمناطق والولايات، بفضل تضحيات الشهداء والجرحى والمفقودين، وما تبذله القوات المسلحة السودانية وسائر القوات المساندة والمستنفرين، ومعهم المواطنون على اختلاف أعمارهم؛ وقبل ذلك كله، مشاهدتي للسودانيات وأطفالهن يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في الأزقة والممرات وأطراف الشوارع في عدد من المدن الأفريقية، وفي حدائق الساحات بالعواصم العربية؛ وبعد هذه المشاهد القاسية التي أصابت العين والقلب بالألم، يتأكد لي أن ما مرت به البلاد ليس حدثاً عابراً، بل لحظة تاريخية فارقة، موجعة وقاسية، تفرض ضرورة إحداث تغيير -جذري- في بنية حياة الإنسان السوداني، وتعزيز الممارسة السياسية بروح وطنية صادقة، وتطوير الحياة الاجتماعية بما يخدم الوطن والمواطن، ويحصن السيادة، ويرسخ قدسية الانتماء الوطني فوق سائر الانتماءات.
ولا يزال السودان يواجه تحديات كبيرة، فالحرب مستمرة في أجزاء عزيزة من البلاد، والجهود ماضية لتنظيف تلك المناطق من الميليشيات، بما يضمن استعادة الأمن والاستقرار الكاملين. وهذا الواقع يضيف بعداً عميقاً للإحساس القومي والمسؤولية الوطنية، ويبرز أهمية التلاحم الشعبي والمشاركة الفاعلة للجميع في حماية الوطن وبناء مستقبله.
لقد تلقت القوات المسلحة السودانية، ومعها النخب السياسية وكافة أبناء الشعب السوداني، دروساً عميقة أكدت، بما لا يدع مجالاً للشك، ضرورة صون الوطن، والعمل العام بروح وطنية مسؤولة، وإنسانية رفيعة، وأخلاق جامعة تحصن البلاد وتحمي حاضرها ومستقبل أجيالها.
لقد كشفت هذه المعركة للعالم وللسودانيين على وجه الخصوص من يسعى إلى بقاء الوطن وانتصاره، ومن يسعى إلى الفرقة والانقسام. كما أكدت أن شعار “السودان يسع الجميع” يحتاج إلى تطبيق وتنزيل عملي على أرض الواقع لحفظ البلاد وحماية حقوق شعبها بالتساوي.
واستنهاض الدولة السودانية اليوم يتطلب وضع أسس صارمة لمستقبل أكثر إشراقاً، حيث تُحارب كل أشكال الفساد المالي والإداري والقيمي، وأخطرها الكتابات المأجورة والدعاية المغرضة التي تحاول تحويل الحقيقة إلى زيف والأبيض إلى أسود، وتستهدف بعض المسؤولين بعد أن يفشل أصحابها في الحصول على مصالحهم الشخصية الضيقة.
وعلى المسؤولين في مواقع المسؤولية الوطنية أداء مهامهم والوفاء بعهودهم مع الشعب السوداني، دون الانزلاق إلى المهاترات مع أي نائحة – مستأجرة – تهاجم المسؤولين هنا أو هناك، لأنهم كُلِّفوا بأداء مهام لم يطلبوها. وعليهم أداء الأمانة الملقاة على عاتقهم بأخلاق وشرف، وعدم الاستجابة للابتزاز والكلام الرخيص، والمضي بثبات في أداء مهامهم الوطنية، دون الانزلاق إلى السجالات غير المنتجة.
إن حجم التحديات التي يمر بها السودان، إلى جانب الأحداث المؤلمة التي شهدها الوطن في الفترة الماضية، يفرض على الجميع تعزيز الوعي الجمعي وتطوير نظرة الإنسان السوداني إلى ذاته ومستقبله. ولا بد أن تتحول هذه التجارب إلى رصيد من الدروس المستفادة يمكن البناء عليه مستقبلاً لتحقيق التنمية والاستقرار، بدلاً من أن تبقى مجرد ذكرى عابرة تُروى في كتب التاريخ للدارسين.
لقد أثبتت تجارب الشعوب التي مرت بظروف مماثلة أن المحن الكبرى تعزز إدراك قيمة الدولة، وتقوي التماسك الاجتماعي، وتزيد الحرص على تجاوز الانقسامات. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على البناء على هذه الدروس، وترسيخها، وضمان أن تشكل أساساً للتقدم المستدام.
إن السودان، رغم جسامة التحديات، يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة التفكير في جملة من القضايا الجوهرية، من أبرزها:
إعادة صياغة الممارسة السياسية على أسس أكثر شمولاً ومسؤولية.
تعزيز دور المجتمع في حماية نفسه من أي انزلاقات مستقبلية محتملة.
ترسيخ قيم المواطنة الجامعة، وتجاوز الانقسامات القبلية والطائفية والمناطقية الضيقة والتجزئة بكل أشكالها.
وعليه، فإن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الحكومة، في تبني نهج وطني وأخلاقي قادر على تحويل هذا الوعي الشعبي المتشكل إلى سياسات عامة، ومؤسسات راسخة، وقوانين عادلة، وسلوك يومي مستدام، يضمن استمرار الأمن والاستقرار، ويؤسس لمستقبل أكثر ازدهاراً وعدلاً للجميع.
ولا يمكن لأي دولة أن تنهض أو تحقق استقراراً دائماً دون محاربة الفساد المالي والإداري بكل قوة وحزم، بما يضمن شفافية الأداء العام، ويعزز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ويحوّل الموارد الوطنية إلى خدمة فعلية للشعب، بعيداً عن المحاباة أو الاستغلال الشخصي.
كما لا يمكن تحقيق الاستقرار والتنمية دون التأكيد على سيادة حكم القانون، وتطبيقه بشكل كامل وبلا مجاملات على الجميع، دون استثناء. ويشمل ذلك معالجة قضايا الأشخاص المخالفين لقوانين الهجرة ومقاضاة المهربين، بما يحفظ الأمن العام ويضمن العدالة ويحمي الحقوق الوطنية. إن تطبيق القانون بصرامة وعدالة يعد حجر الأساس لتأمين المستقبل وبناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها وتحقيق الاستقرار الدائم.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تأمين حدودنا الوطنية بكل حزم، باعتبار ذلك الركيزة الأساسية لأي خطة حقيقية للنهوض بالدولة، فبدون استقرار الحدود ومحاربة التهريب، لا يمكن لأي مشروع تنموي أن يحقق أهدافه، ولا يمكن ضمان حماية استثماراتنا ومواطنينا. كما أن إعادة الخدمة الوطنية الإلزامية وتنفيذها بجدية، بعيداً عن المماطلة أو الاستثناءات القائمة على المصالح الشخصية أو العلاقات الخاصة، تُعد ضرورة استراتيجية لتطوير قدرات شبابنا، وغرس الانضباط الوطني، وتجهيز القوى البشرية لمهام وطنية كبرى تتطلب مساهمة الجميع، فالنجاح فيها يضمن استقرار مستقبل أمتنا.
وعلى صعيد الاقتصاد، ثبت أن سيطرة بنك السودان على الموارد الوطنية وتوجيه الصادرات تُعد خطوة محورية لضمان استغلال مواردنا بكفاءة، والحد من المضاربة بالعملات والتهريب غير المشروع للمعادن، مما يعزز قيمة العملة الوطنية ويعيد الثقة في اقتصاد البلاد، ويمهد الأرضية للنمو المستدام. إن الجمع بين هذه العناصر – الأمن، والخدمة الوطنية، وإدارة الموارد الاقتصادية – يشكل البداية الحقيقية للانطلاق الاستراتيجي للسودان، مع ضرورة أن يتكامل مستقبلًا مع قضايا حيوية أخرى، ليصبح الوطن قادرًا على مواجهة تحديات الحاضر وبناء مستقبل يليق بطموحات شعبه.
كما أن هناك قضايا أخرى عديدة ذات أهمية، ويجب تبنيها لارتباطها بهذا التغيير المنشود، وتشمل التعليم والصحة والتكنولوجيا، ومواكبة التطور التقني، وتوفير الخدمات العامة بمختلف أشكالها، والعمل على استقطاب الكوادر السودانية المهاجرة لتكون جزءاً من عملية البناء والتحول نحو مستقبل أكثر إشراقاً وأمناً وازدهاراً.
وهكذا، يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي، تتجلى أمامه فرصة ثمينة لتحويل الألم والخسارة إلى دروس وعزيمة، والانطلاق نحو بناء وطن متماسك، تسود فيه قيم المواطنة والعدالة والمشاركة، وطن يحمي أبنائه ويضمن لهم مستقبلاً آمناً زاهراً ومستقراً، وتصبح فيه كل تجربة صعبة قاعدة صلبة للنهوض والتقدم للأجيال القادمة، بإذن الله تعالى.