![]()
كان العالم ينتظر “عراقًا أخرى” يتورط فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حرب مفتوحة مع إيران، على غرار غزو العراق عام 2003 الذي تحوّل إلى واحدة من أسوأ حروب واشنطن منذ فيتنام.
لكنّ ترمب، الذي توعّد بإبادة حضارة إيران بأكملها وإعادتها إلى “العصر الحجري“، فاجأ الجميع فجر الأربعاء بإعلانه التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز كاملًا وعلى الفور.
وجاء إعلان ترمب بعد أقل من ساعتين على انتهاء آخر مهلة منحها لإيران لإعادة فتح المضيق.
وبعد إعلان ترمب، قال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي قادت بلاده جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، إن بلاده ستستضيف وفدين من الولايات المتحدة وإيران يوم الجمعة للتفاوض “على اتفاق نهائي لحلّ الخلافات كلها“. وكتب في منشور على “إكس“:
“أتقدّم بجزيل الشكر إلى قيادة كلّ من البلدين، وأدعو وفديهما إلى إسلام آباد الجمعة في 10 أبريل/ نيسان 2026 للتفاوض بعناية أكبر على اتفاق نهائي لحلّ الخلافات كلها.
نأمل أن تنجح محادثات إسلام آباد في تحقيق سلام مستدام، ونتمنى أن نتشارك مزيدًا من الأخبار السارة في الأيام المقبلة”.
وسيترأس نائب الرئيس الأميركي جيه.دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف وفدي بلديهما في المفاوضات. وأعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن وفد بلادها سيضم أيضًا ستيف ويتكوف، المبعوث الأميركي الخاص، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب.
فانس: ترمب متعجّل لإحراز تقدّم
“إنه متعجّل. طلب منا التفاوض بنية حسنة، وأعتقد أنهم إذا تفاوضوا بنية حسنة، فسنتمكن من التوصل إلى اتفاق.
لكن ذلك يظل احتمالًا كبيرًا، لأن الأمر متروك في النهاية للإيرانيين في كيفية تفاوضهم. آمل أن يتخذوا القرار الصائب”.
“سيكتشفون أن رئيس الولايات المتحدة لا يمكن العبث معه”.
على ماذا اتفق الأميركيون والإيرانيون؟
لا تُعرف التفاصيل الدقيقة لاتفاق اللحظة الأخيرة بين واشنطن وطهران، كما لا تُعرف على وجه الدقة صحة وتفاصيل المقترح الإيراني المكوّن من عشر نقاط، الذي قال ترمب إن بلاده تسلمته في الساعات الأخيرة، واعتبره “أساسًا عمليًا” للتفاوض، ولا سيما أن البيت الأبيض أكد الأربعاء أن خطة السلام التي نشرها الإيرانيون ليست الخطة التي تسلمتها الإدارة الأميركية.
وهذا ما يفسر الجدل الذي رافق الهجمات الإسرائيلية غير المسبوقة على لبنان، وما إذا كانت تخالف بنود وقف إطلاق النار، مع تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولاحقًا ترمب، أن لبنان غير مشمول به.
وأرسلت إيران، ليلة الثلاثاء الماضي، إلى المفاوضين الأميركيين مقترحها المكوّن من 10 نقاط لإنهاء الحرب، وقالت في بيان صدر إلى جانب قائمة النقاط إن الخطة تتطلب “استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وقبول التخصيب (اليورانيوم)، ورفع كل العقوبات”.
كما تشمل المطالب الإيرانية، التي قُدّمت إلى واشنطن من خلال الوسطاء الباكستانيين، الانسحاب العسكري الأميركي من الشرق الأوسط، وإنهاء الهجمات على إيران وحلفائها، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، واستصدار قرار من مجلس الأمن يجعل أي اتفاق ملزمًا.
ويشمل المقترح وفقًا لطهران، توسيع سيطرة إيران على مضيق هرمز.
المقترح الإيراني في عشر نقاط
وفقًا لوكالتي “تسنيم” و”مهر” الإيرانيتين، فإن النقاط العشر هي التالية:
واشنطن تنفي تبنّي الصيغة الإيرانية
لم تؤكد الولايات المتحدة أيًا من هذه البنود أو تفاصيل الاتفاق، باستثناء وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، المشروط بإعادة فتح مضيق هرمز بصورة فورية وآمنة.
ونفى مسؤول أميركي رفيع المستوى أن تكون الخطة التي نشرتها إيران هي نفسها مجموعة الشروط التي وافق عليها البيت الأبيض، وقال إن “الوثيقة التي تتداولها وسائل الإعلام ليست إطار العمل الفعلي“.
كما ندّد الرئيس ترمب، على منصته “تروث سوشال“، بنشر ما قال إنها تقارير غير صحيحة عن الاتفاقيات أو الرسائل، مؤكدًا أنها ليست جزءًا من الاتفاق الفعلي، وقال:
“إنهم محتالون.. بل أسوأ من ذلك”.
“لا توجد إلا مجموعة واحدة من النقاط ذات الأهمية والمقبولة بالنسبة للولايات المتحدة، وسنبحثها خلف أبواب مغلقة في هذه المفاوضات. هذه النقاط هي الأساس الذي وافقنا على وقف إطلاق النار بناء عليه”.
ويبدو أن هناك خلافًا في القراءات المتباينة لاتفاق وقف إطلاق النار على جانبي الصراع. فبينما تعاملت طهران مع الخطة التي أرسلتها باعتبارها حزمة واحدة، وأن مجرد طرحها يعني قبولها كاملة، تعامل معها الجانب الأميركي بوصفها مجرد “أساس للتفاوض” لم يبدأ بعد.
كما يبدو أن صيغة المقترح، بنقاطه العشر، خضعت خلال النشر لإعادة تحرير ذات طابع دعائي، بما يتصل بالصورة التي ترغب طهران في الظهور بها أمام جمهورها في الداخل على الأقل.
ما بين النسختين الفارسية والإنكليزية
بحسب النص الفارسي الذي نشرته وسائل الإعلام الإيرانية، فإن المقترح ينص على قبول واشنطن تخصيب اليورانيوم، وهو ما غاب تمامًا عن النسخة الإنجليزية المقدمة إلى الأمم المتحدة.
في المقابل، تقول واشنطن إن منع إيران من تطوير سلاح نووي كان أحد الأسباب الرئيسية لشن الحرب عليها.
وعلى خلاف الرواية الإيرانية، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن طهران أبدت استعدادها لتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصّب، معتبرة هذه المسألة من أهم أولويات ترمب. وأكدت أن الإيرانيين أبدوا استعدادهم لتسليم اليورانيوم المخصّب.
“هذه المسألة لن يتراجع عنها الرئيس، فهي خط أحمر، وهو ملتزم بضمان تنفيذها”.
وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران كانت تمتلك 440.9 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% عندما شنت إسرائيل هجومها على إيران في يونيو/ حزيران الماضي.
وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، إن ما يقرب من نصف اليورانيوم الإيراني المخصّب بنسبة تصل إلى 60% كان مخزنًا في مجمع أنفاق في أصفهان، ومن المرجح أنه لا يزال هناك.
وأكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث معلومة غروسي، مشدّدًا على أن بلاده تحتفظ بالحق في شن مزيد من الضربات العسكرية التي تستهدف اليورانيوم المخصّب إذا لزم الأمر.
هل يشمل وقف إطلاق النار لبنان؟
برز الخلاف، أو سوء الفهم، أيضًا بشأن الفقرة الخاصة بشمول لبنان بوقف إطلاق النار، كما وردت في النسخة التي نشرتها طهران.
وشنّت إسرائيل، الأربعاء، سلسلة غارات متزامنة وغير مسبوقة على بيروت ومناطق أخرى في لبنان.
وقال الجيش الإسرائيلي إنه ضرب نحو “100 مقر وبنية تحتية عسكرية تابعة” لحزب الله في “بيروت والبقاع وجنوب لبنان”، وأوقعت الغارات عشرات القتلى ومئات الجرحى، في حصيلة أولية أعلنتها وزارة الصحة.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن وقف إطلاق النار في لبنان أحد الشروط الأساسية لخطة النقاط العشر.
كما أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن قصف لبنان واحد من ثلاثة بنود رئيسية من المقترح الإيراني جرى انتهاكها قبل بدء مفاوضات إسلام آباد، وأضاف في منشور له على موقع “إكس” أن هذه الانتهاكات شملت:
-
خرق وقف إطلاق النار في لبنان.
-
دخول طائرة مسيّرة إلى المجال الجوي الإيراني.
-
إنكار حق إيران في تخصيب اليورانيوم.
لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أكدت أن لبنان غير مشمول باتفاق وقف إطلاق النار “في هذه المرحلة“، وهو ما أكده لاحقًا نائب الرئيس الأميركي بقوله إن الإيرانيين ظنوا أن الاتفاق يشمل لبنان، بينما لم يكن كذلك.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد قال، في وقت سابق من يوم الأربعاء، إن الاتفاق بين واشنطن وطهران “لا يشمل لبنان”.
رواية واشنطن تصطدم بتأكيدات إسلام آباد
“يسعدني أن أعلن أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية والجهات المتحالفة معهما اتفقت على وقف فوري لإطلاق النار في كل مكان، بما في ذلك لبنان وأماكن أخرى، بأثر فوري”.
فانس.. من معارضة الحرب إلى قيادة التفاوض
بدأ جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، يضطلع بدور أكبر في الملف الإيراني في الآونة الأخيرة، خلافًا لموقفه المتحفّظ في الأيام الأولى من الحرب على إيران، إذ لم يبد آنذاك دعمًا صريحًا وعلنيًا لها.
لكنه عبّر، بعد نحو أسبوعين من بدء الحرب، عن تأييده لطريقة ترمب، وقال إنه يثق في قدرته على ضمان عدم تكرار “أخطاء الماضي”.
وعندما سُئل فانس، وهو يقف إلى جانب ترمب في البيت الأبيض في منتصف الشهر الماضي، عمّا إذا كان “مؤيدًا للحرب” وما إذا كان لديه أي “تردد”، ردّ قائلًا إن الرئيس يقول منذ فترة طويلة إن إيران يجب ألا تحصل على سلاح نووي، وإنه يتفق معه في ذلك.
يُذكَر أن فانس نشر مقالًا في صحيفة “وول ستريت جورنال” في أوائل عام 2023، عندما كان عضوًا في مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو، بعنوان: “أفضل سياسة خارجية لترمب هي عدم إشعال أي حرب“، قال فيه إن أفضل سياسة خارجية للرئيس كانت عدم شن أي حروب خلال السنوات الأربع الأولى من ولايته بين عامي 2017 و2021.
وخلال ترشحه لمنصب نائب الرئيس عام 2024، قال:
“أعتقد بصدق أن مصلحتنا تقتضي ألا ندخل في حرب مع إيران”.
وكتب فانس، الذي ينتقد أيضًا علنًا إرسال واشنطن أسلحة بمليارات الدولارات لمساعدة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها ضد الغزو الروسي:
بين فانس وروبيو.. تباين داخل معسكر ترمب
أقرّ ترمب بوجود خلاف مع فانس بشأن الحرب على إيران، قائلًا: “يمكنني القول إنه مختلف عني قليلًا“، وأضاف:
“أعتقد أنه كان أقل حماسًا تجاه الفكرة، لكنه كان مع ذلك متحمسًا“.
من جانبها، أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بأن فانس شدّد على تنفيذ ضربات على إيران بسرعة بمجرد اتخاذ ترمب قرارًا بذلك.
وفي الليلة التي بدأت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا مشتركًا على إيران، كان فانس في “غرفة متابعة الأوضاع” في البيت الأبيض، بحسب صورة نشرها فريقه، فيما اجتمع ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو وأعضاء رئيسيون آخرون في الحكومة في مقر إقامة الرئيس في مارا لاغو بولاية فلوريدا.
ومما أثار شكوكًا بشأن مدى مساندة نائب الرئيس لقرار الحرب، عدم إدلائه بأي تعليق بشأن إعادة جثامين العسكريين الأميركيين الذين قُتلوا في إيران.
ولم تبدأ مواقف فانس بالتغيّر إلا بعد نحو أسبوعين من اندلاع الحرب، وبحماس أقل مما حرص وزير الخارجية روبيو على إظهاره منذ اليوم الأول.
