![]()
من أعلي المنصة
ياسر الفادني
عندما يتحدث إبليس ويَخْسَر اللوري! … المسرح في الجزيرة يعلن أنه حيٌّ لا يموت!
في الحزيرة المسرح السوداني لم تنطفي مصابيحه، وأن الخشبات التي كانت تضج بالحياة هنا ليست مجرد مجرد ذكريات، من مدني لتصفع هذا الوهم بعملين مسرحيين يقولان بصوتٍ عالٍ إن المسرح في الجزيرة لا يزال يتنفس فناً ورسالةً ودهشة
هناك، على الخشبة، لم يكن الأمر مجرد ممثلين يتحركون أو نصوص تُلقى، بل كانت الحياة نفسها تُعرض أمام الناس في قالب ساخر يضحكك بقدر ما يوجعك.
مسرحية (تحديث إبليس) للمؤلف الأستاذ أنور النور محمد ، التي تقدمها فرقة ود حبوبة، حملت عنواناً وحده يكفي ليفتح أبواب التأويل على مصاريعها،
أي تحديث هذا الذي يحتاجه إبليس؟
وهل صار الشر نفسه يطور أدواته بينما ما زلنا نحن نراوح مكاننا؟
العمل الذي تصدى لبطولته الجبور وآخرين وأخرجه الفنان المبدع أسامة ضياء الدين، جاء ساخراً، ذكياً، مشبعاً بالإسقاطات الاجتماعية التي تشبهنا حد الوجع. كان النص كمن يضع المجتمع أمام مرآة كبيرة ثم يطلب منه أن يضحك على قبحه بمرارة
أما العمل الثاني (مين خَسَّر اللوري) للقامة المسرحية عز الدين كوجاك، بإخراج المبدعة دوما الشفة عبد القادر، فقد حمل وجع الشارع السوداني في أبسط صوره وأكثرها عمقاً
فاللوري هنا ليس مجرد مركبة تُسرق، بل رمز لوطن تتسرب منه الأشياء الجميلة قطعةً قطعة؛ القيم، الأحلام، الأمان، وحتى الضحكة نفسها
العملان يلتقيان في نقطة واحدة: المسرح ليس عرضا،
المسرح مقاومة،
المسرح منصة لمحاكمة الواقع،
المسرح جهاز إنذار مبكر يصرخ قبل انهيار الجدران.
ما يدهش حقاً أن هذه الأعمال خرجت رغم الظروف القاسية، ورغم شح الإمكانيات، ورغم أن الفنان السوداني غالباً ما يصنع المجد بيدٍ ويقاوم الإهمال باليد الأخرى
لكن، وبرغم كل ذلك، لا تزال الزهور تتفتح في مدني، ولا يزال المبدعون يقطفون ثمار التعب بإيمان نادر بأن الفن يمكن أن ينقذ ما أفسدته الحياة
النصان كانا معالجة عميقة لظواهر اجتماعية معقدة، لكنهما لم يقدماها بوعظ مباشر أو خطاب جاف، بل وضعاها داخل قالب درامي فكاهي جميل ومشوق، يجعل الجمهور يضحك، ثم يكتشف متأخراً أن الضحكة كانت على نفسه
وهنا يبرز السؤال الكبير الذي لا بد أن يُقال بصوت واضح:
إذا كانت الولاية ترعى الطرق والكباري والمشاريع التنموية، فمن يرعى مشاريع الوعي؟
من يرعى المسرح؟
من يحمي هذا الجمال من الذبول؟
المشاريع الإبداعية لا تقل أهمية عن الأسمنت والحديد، لأن الإنسان بلا وعي وبلا فن يتحول إلى مجرد كتلة تمشي على الأرض
يا والي الجزيرة…
لا تجعل (لوري كوجاك يَخْسر)! في وضح النهار، بينما الجميع يتفرج.
ولا تترك (إبليس يجد مساحة ليحدّث نفسه فوق خشبة المسرح لأننا تأخرنا في دعم أهل الفن والإبداع
اني من منصتي اجلس وامامي الخشبة … حيث أري أن ما يحدث في مسرح الجزيرة الآن ليس مجرد عروض مسرحية…
إنه إعلان واضح بأن مدني، رغم التعب، ما زالت تُنجب الجمال، وأن المسرح السوداني لا يزال قادراً على الضحك والبكاء والاحتجاج في وقتٍ واحد.
وحين يفعل المسرح ذلك… فهو لا يمثل فقط، بل ينقذ روح المجتمع من التصحر.
The post من أعلي المنصة ياسر الفادني عندما يتحدث إبليس ويَخْسَر اللوري! … المسرح في الجزيرة يعلن أنه حيٌّ لا يموت! first appeared on مسار ميديا.