إشراقات الجمعة  انتصار جعفر النسيبة وزوجة الابن.. دفء الأسرة المفقود.. قراءة في صراعات مابعد الحرب.. 

إشراقات الجمعة      انتصار جعفر  النسيبة وزوجة الابن.. دفء الأسرة المفقود.. قراءة في صراعات مابعد الحرب.. 

Loading

إشراقات الجمعة

 

انتصار جعفر

النسيبة وزوجة الابن.. دفء الأسرة المفقود.. قراءة في صراعات مابعد الحرب..

 

 

في كثير من الأسر تتسم العلاقة بين زوجة الابن ووالدة الزوج ــ أو ما يُعرف بـ(النسيبة) ــ بشيء من التوتر وعدم الرضا أحياناً من الطرفين وأحياناً من طرف واحد فقط. فقد لا ترضى الأم عن زوجة ابنها أو تشعر الزوجة بأنها غير مقبولة داخل الأسرة فتبدأ المسافات النفسية تتسع شيئاً فشيئاً حتى يصبح الابن نفسه حائراً بين واجب البر بأمه وواجب الاحتواء لزوجته فيعيش تحت ضغط نفسي دائم وكأنه بين مطرقة الزوجة وسندان الأم.

ومع تصاعد الخلافات يفقد البيت هدوءه وتتحول الحياة إلى حالة من الترقب والاحتقان وكأن المنزل قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة. والغريب أن كثيراً من هذه الزيجات تكون بين أقارب وأسر متقاربة وتمت برضا ومحبة من الجميع.

نرى أهل العريس يتنافسون في تجهيز “الشيلة” بأبهى صورة ويجتهد أهل العروس في استقبال أهل العريس بأفضل ما عندهم. وتكون الفرحة غامرة والقلوب متآلفة لكن ما إن تبدأ الحياة الزوجية حتى تتغير بعض النفوس وتتسلل الغيرة وحب التملك وسوء الفهم فيتحول الرضا إلى تحفظ والمحبة إلى حساسية مفرطة ويصبح عدم الرضا سيد الموقف.

وفي صورة أخرى من صور الواقع الأسري نجد أن بعض الأسر لا تكون راضية أصلاً عن اختيار الابن لزوجته خاصة إذا كانت هناك فتاة أخرى داخل العائلة يرغبون في تزويجه بها. ومن هنا تبدأ المناوشات مبكراً وربما تتحول إلى حرب باردة طويلة داخل البيت إلا إذا كانت الزوجة الجديدة على قدر عالٍ من الوعي والحكمة والذكاء الاجتماعي فتستطيع باحترامها وصبرها واحتوائها أن تكسب القلوب وتثبت العكس.

الحقيقة التي ينبغي أن تدركها كل أم أن الحياة دوارة وأنها كانت يوماً ما زوجة ابن أيضاً وربما مرت بذات التجارب والمواقف. لذلك فإن دورها داخل الأسرة يظل محورياً وعظيماً فهي القادرة على أن تكون مصدر دفء واحتواء أو سبباً في اتساع الفجوة والخلاف.

ومن الحكمة أن تعامل زوجات أبنائها كما تحب أن تُعامل بناتها وأن تتسع دائرة التسامح والحوار والتغاضي عن الهفوات الصغيرة حفاظاً على استقرار الأسرة وراحة الابن نفسه.

وفي المقابل فإن على الزوجات أيضاً أن يدركن مكانة الأم وقدرها وأن يُقابلن بعض التصرفات العابرة بالصبر والتقدير وحسن الظن فالكلمة الطيبة والاحترام والتفاهم قادرة على إطفاء كثير من الحرائق الصامتة داخل البيوت.

وللأسف فإن الصراع بين الأم وزوجة الابن يظل من أقدم الصراعات الاجتماعية وأكثرها تجدداً يختلف شكله من بيئة إلى أخرى لكنه غالباً ما يرتبط بالغيرة وحب التملك والرغبة في السيطرة إلا من رحم الله ممن وسعتهم الحكمة ونبل الأخلاق.

وقد زادت الحرب الأخيرة التي استعرت في كل مكان من حدة هذه التوترات والانشقاقات داخل الأسرة السودانية بفعل النزوح واللجوء وضيق الأحوال المعيشية والنفسية. فالبيت الذي كان يُنظر إليه باعتباره الملاذ الآمن أصبح أحياناً مساحة مزدحمة بالضغوط والاختلافات.

وجود أعداد كبيرة من أفراد الأسرة داخل منزل واحد مع الاحتكاك اليومي المستمر وغياب الخصوصية وتراكم الأعباء الاقتصادية والنفسية كل ذلك أشعل شرارة الخلافات وأظهر التباينات في الطباع والآراء حتى أصبحت بعض البيوت تُدار بعقلية الأوامر والفيتو والسيطرة لا بروح المشاركة والمودة.

لقد أفرزت الحرب مآسي كثيرة ولم تقتصر آثارها على الدمار المادي فقط بل خلّفت شروخاً عميقة داخل النفوس والعلاقات الأسرية. ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً في أن يداوي الزمن بعض الجراح وأن يُعيد التسامح والغفران ترميم ما أفسدته الحرب…

 

إشراقة أخيرة..

 

المرأة الواعية… صمام أمان الأسرة..

 

معلوم أن المرأة هي عماد الأسرة الحقيقي سواء كانت أماً، أو زوجة أو نسيبة أو أختاً. فهي القادرة على قيادة سفينة الأسرة نحو بر الأمان كما أنها ــ إن غابت الحكمة ــ قد تُغرقها في وحل الخلافات والمشاكل.

لذلك يبقى الرهان دائماً على المرأة الواعية الذكية صاحبة التربية الأصيلة والقلب الكبير تلك التي تُحسن الاحتواء وتغلب المصلحة العامة على الانتصارات الصغيرة.

لقد تربينا على أيدي جيل من الجدات والأمهات كنّ بحق مدارس في الحكمة والصبر ولمّ الشمل وكانت المرأة السودانية دائماً رمزاً للستر والاحتواء والتضحية. وما أحوجنا اليوم إلى استعادة تلك القيم الجميلة حتى تستعيد الأسرة السودانية عافيتها وتماسكها.

نصرٌ من الله وفتحٌ قريب.

The post إشراقات الجمعة  انتصار جعفر النسيبة وزوجة الابن.. دفء الأسرة المفقود.. قراءة في صراعات مابعد الحرب..  first appeared on مسار ميديا.