![]()
السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (11)
الانقلابات الهجينة المدنية -العسكرية على الشرعية الدستورية (3)
————————————
في ضوء ما تقدم من مقالات سابقة، تتناول هذه المقالة توظيف التشريع والقانون وأجهزة العدالة الجنائية – بما في ذلك الشرطة والنيابة العامة والقضاء – في سياق أزمة تآكل الشرعية ومحاولات بناء مشروع وطني لمستقبل الدولة السودانية، وذلك من خلال قراءة المسار التاريخي والسياسي والقانوني للتجربة السودانية منذ بدايات تغلغل التيارات الإسلامية في بنية التشريع والسلطة خلال حقبة سلطة نظام 25 مايو 1969م، ولا سيما منذ عام 1977م، حين برز اتجاه متصاعد نحو تعريب وأسلمة التشريعات. وقد شكّل هذا الاتجاه منعطفًا بنيويًا مهمًا في تطور النظام القانوني، إذ لم يكن مجرد تعديل لغوي أو فني في صياغة القوانين، وإنما مثّل مدخلًا لإعادة توجيه البنية القانونية ذاتها نحو إعادة تشكيل مصادرها المرجعية، بما أفضى إلى الانتقال التدريجي من نظام تعددي في مصادر القانون – كان يستوعب الإرث الأنجلوسكسوني في القانون العام والإجراءات، والتقاليد القانونية الإدارية ذات المنشأ الاستعماري، والأعراف المحلية المتراكمة – متحولاً إلى نظام قانوني يتجه نحو مرجعية واحدة مهيمنة (إسلامية/ أيديولوجية سياسية)، تُقدَّم بوصفها الإطار الحاكم للتشريع والتفسير وإنتاج القاعدة القانونية تشريعا لها.
وقد ترتب على هذا التحول البنيوي – أي التحول الذي يمسّ الهيكل العميق للنظام القانوني والمؤسسي للدولة – إعادة صياغة العلاقة بين مصادر القانون ومنطق إنتاج القاعدة القانونية تشريعاً لها، عبر الانتقال من التعدد المرجعي إلى أحادية المرجعية، بما يعني إقصاء التعددية في مصادر التشريع والتفسير لصالح مرجع وحيد مهيمن يُعاد من خلاله تنظيم المجال القانوني وإعادة تعريف وظيفة القانون ذاته. وبهذا المعنى، لم يعد القانون مجرد منظومة تقنية محايدة تنظم العلاقات الاجتماعية وتضبطها، بل أصبح أداة لإعادة بناء المجال القانوني وفق تصور أيديولوجي محدد يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع والسلطة.
وهذه التحولات البنيوية في هيكل النظام القانوني والمؤسسي للدولة، في امتدادها التاريخي، تواصلت إلى حقبة الديمقراطية الثالثة (1985–1989م)، بوصفها لحظة مفصلية في تبلور أزمة الدولة والشرعية، حيث تداخل الصراع حول هوية الدولة مع إعادة تشكيل بنيتها القانونية والمؤسسية، بما كشف هشاشة الشرعية الدستورية وحدود قدرة المؤسسات على استيعاب التنوع الاجتماعي والثقافي.
وفي هذا السياق، لم يعد القانون مجرد إطار معياري محايد لتنظيم العلاقات الاجتماعية، بل أخذ يتحول تدريجيًا إلى ساحة للصراع السياسي والأيديولوجي وإعادة إنتاج أنماط الهيمنة. وقد أبرز هذا التحول انتقالًا واضحًا من نموذج سيادة حكم القانون (Rule of Law)، الذي يقوم على خضوع السلطة للقانون وضمان الحقوق والحريات، إلى نموذج الحكم بالقانون (Rule by Law)، حيث يُعاد توظيف القانون كأداة للضبط وإدارة السلطة وتكريس موازين القوة، بدلًا من كونه قيدًا على السلطة وضمانة لحيادها الدستوري.
ومن ثم، مثّلت حقبة الديمقراطية الثالثة (1985م – 1989م) مرحلة كاشفة لحدود البنية الدستورية في مواجهة تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي، إذ لم يعد القانون يُمارس بوصفه آلية لضمان الشرعية الدستورية وتقييد السلطة، بل تحوّل تدريجيًا إلى وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة وإدارة التوازنات السياسية وفق منطق القوة. وهكذا، أضحت هذه المرحلة نقطة انعطاف تاريخي خطير في مسار العلاقة بين القانون والسلطة، ومقدمة لإعادة صياغة هذه العلاقة على نحو أسهم لاحقًا في تعميق أزمة الشرعية داخل الدولة السودانية.
وقد تجلّى هذا التحول بوضوح في الجدل البرلماني خلال الفترة (1985– 1989م)، حيث تصاعد الصراع حول مشروع أسلمة القوانين، بين اتجاه تقوده الجبهة القومية الإسلامية يسعى إلى تقنين الشريعة الإسلامية في التشريع الجنائي والمدني، واتجاهات مدنية تميل إلى الحفاظ على طابع تعددي للنظام القانوني، يستوعب التنوع الديني والثقافي والاجتماعي. واتخذ هذا الصراع طابعًا دستوريًا مباشرًا، اتفاق الميرغني – قرنق الذي أُبرم في أديس أبابا بتاريخ 16 نوفمبر 1988م مثّل خطوة مفصلية في سياق محاولات إنهاء الحرب الأهلية في اقليم جنوب السودان وقتها وإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس توافقية، إذ نصّ الاتفاق على تجميد قوانين 08 سبتمبر 1983م المثيرة للجدل، وتهيئة المناخ لعقد مؤتمر قومي دستوري شامل يعالج أزمة الدولة والشرعية ويعيد صياغة أسس النظام السياسي والدستوري على قاعدة التوافق الوطني.
إلا أن هذا المسار واجه منذ بدايته تيارًا معارضًا قويًا تمثل في الجبهة الإسلامية القومية التي رفضت مبدأ تجميد قوانين 08 سبتمبر 1983م وعدّت الاتفاق تهديدًا مباشرًا لمشروعها السياسي والأيديولوجي، وهو ما أسهم في تعطيل تنفيذ الاتفاق رغم ما حظي به من دعم سياسي وشعبي واسع في أوساط متعددة. وقد أدى هذا الرفض إلى تعميق الاستقطاب السياسي داخل الحكومة الائتلافية، وإضعاف إمكانية الوصول إلى تسوية وطنية شاملة. وبذلك، فإن فشل اتفاق الميرغني–قرنق، في ظل الاستقطاب الحاد، شكّل محطة فارقة في المسار السياسي السوداني، إذ ساهم في إغلاق نافذة الحل التوافقي للأزمة، ومهّد بصورة غير مباشرة لحدوث انقلاب 30 يونيو 1989، الذي أعاد إنتاج أزمة الدولة والشرعية في السودان على نحو أكثر تعقيدًا وحدّة، وقطع مسار الانتقال السلمي نحو تسوية دستورية شاملة.
ففي هذا السياق المتأزم، جاء انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م بوصفه نقطة تحول مركزية، انتقل معها مشروع الأسلمة من مستوى الجدل السياسي إلى مستوى السلطة الفعلية، بما أفضى إلى فرض رؤية أحادية ذات طابع نخبوـإسلاموي Elite Islamist-orientation أعادت تشكيل المنظومة القانونية وفق منطق أيديولوجي مغلق. وقد تجسّد ذلك في حزمة التشريعات الجنائية لعام 1991م بمراسيم دستورية مؤقته، إلى جانب مراسيم دستورية مؤقته لتشريعات مدنية موازية، مثل قانون بيع الأموال المرهونة لعام 1990م على سبيل المثال لا الحصر، بما يعكس نمطًا من الازدواج في إعادة بناء النظام القانوني، يقوم على تداخل مرجعيات متباينة؛ إحداها ذات طابع ديني–قيمي يستند إلى تصورات أخلاقية وتشريعية مستمدة من المرجعية الدينية الإسلامية، والأخرى ذات طابع مدني–تقنيني حديث يقوم على مفاهيم الدولة والقانون الوضعي. وبذلك، أفضى تداخل المرجعيات المتباينة، إلى تباين وعدم انسجام داخل البنية التشريعية ذاتها من حيث المرجعيات والمفاهيم المنظمة لها، بما ترتب عليه اختلال في درجة الاتساق الداخلي للبنية التشريعية، وتعدد في مرجعيات التشريع بما أوجد قدرًا من عدم الاتساق البنيوي داخل المنظومة القانونية ذاتها. وانعكس ذلك بدوره على تنظيم المجالين العام والاقتصادي، حيث جرى توجيههما وفق تصورات قيمية وسياسية آحادية محددة، تجاوزت الوظيفة التنظيمية المحايدة للقانون، لتجعله أداة لإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي وفق منطق معياري غير متجانس.
إلا أن الأثر الأعمق لهذا التحول – أي انتقال القانون من أداة تنظيم محايدة إلى أداة أيديولوجية مغلقة وظّفتها سلطة الثلاثين من يونيو 1989م لحماية مشروعها السياسي – لم يقتصر على النصوص التشريعية، بل امتد إلى البنية المؤسسية للعدالة الجنائية وفقاً للقوانين الجنائية لعام 1991م. فقد أُعيد توزيع الأدوار بين أجهزة إنفاذ القانون – الشرطة والنيابة العامة والقضاء – على نحو أخلّ بالتوازن الوظيفي بينها، حيث جرى تقليص الدور الفني والإجرائي للشرطة، وتعاظمت سلطات النيابة العامة لتحتكر سلطتي التحقيق والاتهام، بينما تراجع دور القضاء في الرقابة المبكرة على الدعوى الجنائية.
هذا التحول لم يكن مجرد إعادة ترتيب إداري، بل مثّل إعادة صياغة بنيوية لفلسفة العدالة الجنائية نفسها، إذ تحولت من منظومة محايدة لضمان الحقوق وحماية الشرعية الدستورية إلى أداة سياسية تخدم مشروع السلطة، بما أضعف استقلالية المؤسسات وأخلّ بمبدأ الحياد المؤسسي.
وبهذا التحول، انتقل مركز الثقل من كون الشرطة جهازًا مهنيًا استدلاليًا يقوم بوظيفة جمع الاستدلالات المظهرة والكاشفة للبينة المبدئية وفق معايير فنية محايدة، بأن إنتقل ثقل الشرطة إلى موقع أقرب إلى الأداة التنفيذية داخل منظومة السلطة السياسية، بما انعكس على طبيعة دور الشرطة في الدعوى الجنائية من جهة، وعلى توازن العلاقة بين أجهزة إنفاذ القانون من جهة أخرى، ولا سيما النيابة العامة والقضاء، وأدى التحول – إنتقال القانون إلى أداة أيديولوجية لحماية النظام – إلى إعادة تشكيل موقع الشرطة الوظيفي ضمن البنية الإجرائية للعدالة الجنائية، بما أخلّ بمعايير ومبادئ الوظيفة المهنية للشرطة داخل منظومة العدالة الجنائية.
ومؤدّى هذا التحول – أي انتقال القانون من أداة تنظيم محايدة إلى أداة ذات وظيفة أيديولوجية لحماية النظام – أن مُنحت النيابة العامة سلطات واسعة تجاوزت نطاق تحريك الدعوى الجنائية ومباشرة الاتهام والإدعاء العام، لتشمل الإشراف على التحري الذي تجريه وتقوم به الشرطة ومباشرة التحقيق، والتحكم في مسار الدعوى الجنائية خلال مرحلة ما قبل المحاكمة، وامتلاك سلطة وقفها أو شطبها، وصولًا إلى إحالتها إلى المحكمة الجنائية عبر صياغة لائحة الاتهام. وقد أدى هذا التوسع إلى تركّز سلطتي التحقيق والاتهام في يد جهة واحدة تتمثل في النيابة الجنائية، بما أخلّ بالتوازن المؤسسي داخل منظومة العدالة الجنائية، وأضعف مبدأ الفصل بين الوظائف الإجرائية، والضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة المنصفة.
وفي هذا السياق، لم يعد دور النيابة العامة محصورًا في نطاقها التقليدي بوصفها جهة اتهام تمثل الحق العام، بل تحوّل تدريجيًا إلى موقعٍ مركزي داخل البنية المؤسسية لإدارة الدعوى الجنائية، بما جعلها أحد الأدوات الفاعلة في حماية واستدامة سلطة الثلاثين من يونيو 1989م، عبر التحكم في مسار الدعوى الجنائية وتوجيهها بما يتوافق مع مقتضيات النظام السياسي، لا وفق معايير العدالة المحايدة وضماناتها الموضوعية والإجرائية. وبهذا التمكين المؤسسي، أُعيد توظيف النيابة العامة داخل منظومة العدالة الجنائية، بوصفها جزءًا من آلية إدارة السلطة السياسية المسيطرة على جهاز إدارة الدولة، بما انعكس سلبًا على استقلال الإجراءات الجنائية، وأعاد تشكيل العلاقة بين القانون والسلطة على نحوٍ عمّق اختلال معايير العدالة وضماناتها الدستورية.
وفي ذات الوقت، جرى تقليص الدور الرقابي الفاعل للقضاء وإبعاده عن مراحل جوهرية في الدعوى الجنائية لمرحلة ما قبل إجراءات المحاكمة، بما أضعف رقابته القضائية المبكرة على إجراءات التحري، وأثر سلبًا على مبدأ استقلال القضاء وحياديته وضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة، ولا سيما مبدأ تكافؤ وسائل الدفاع والاتهام (Equality of Arms)، وقد ترتب على هذا الاختلال المؤسسي إعادة تشكيل غير متوازن لبنية العدالة الجنائية، حيث تعاظم دور النيابة العامة بوصفها مركز الثقل الإجرائي، في مقابل تراجع الدورين المهني-الفني-الاداري للشرطة، وتراجع الدور الوظيفي-الرقابي-القضائي للقضاء في المراحل التمهيدية للدعوى الجنائية.
ويتجلى هذا الاختلال بصورة عملية في كون التشريعات الجنائية، لم تعد تعكس توازنًا بين الوظيفة الفنية–الإدارية -المهنية للشرطة في جمع الاستدلالات ومنع الجريمة، وبين سلطة النيابة العامة في التحقيق والاتهام والتصرف في الدعوى، وبين الرقابة القضائية على مسار الدعوى الجنائية في مراحلها المختلفة، بل أفضت إلى إعادة إنتاج منظومة يميل فيها مركز الثقل الإجرائي لصالح سلطة الادعاء والاتهام على حساب بقية مكونات العدالة الجنائية.
ويتوضيحاً، يُقصد بعبارة هذا الاختلال، أنه ليس مجرد خلل إجرائي محدود، بل هو اختلال في ميزان توزيع الوظائف والسلطات داخل الدعوى الجنائية، أي اختلال في التوازن المؤسسي (institutional balance) داخل منظومة العدالة الجنائية. ويتمثل هذا الاختلال في تمركز السلطة الإجرائية بصورة متزايدة في يد جهة الاتهام والادعاء، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل العلاقة بين أطراف الدعوى على نحو غير متوازن، وعلى حساب الحياد المهني والوظيفي للشرطة من جهة، والرقابة القضائية الفاعلة من جهة أخرى.
وبهذا المعنى، تتراجع الشرطة من موقعها بوصفها جهازًا فنيًا محايدًا لجمع الاستدلالات وحفظها والتحري الموضوعي للوقائع، كما يتقلص الدور الرقابي للقضاء في المراحل السابقة للمحاكمة، في حين تتسع مساحة تدخل النيابة العامة في توجيه مسار الإجراءات. وينتج عن ذلك ما يمكن وصفه بالارتداد والتوتر المؤسسي الوظيفي (Institutional Functional Regression and Strain/Tension)، أي انحراف النظام الإجرائي عن توازنه الطبيعي، وتحول العلاقة بين مؤسساته من علاقة تكامل وتوازن إلى علاقة تغلب وتمركز، بما ينعكس سلبًا على حياد العدالة وضماناتها الإجرائية.
وفي هذا الإطار، لم يكن التوسع في سلطات النيابة العامة مجرد تطور إجرائي، بل تعبيرًا عن إعادة تشكيل غير متوازن لبنية الدعوى الجنائية، تمثّل في تركّز سلطات التحقيق والاتهام والتصرف في الدعوى في يد جهة واحدة هي النيابة العامة. وقد أفضى ذلك إلى إضعاف الوظيفة الفنية المستقلة للشرطة في مجال جمع الاستدلالات وضبط الوقائع، وما ترتب عليه من تراجع الجاذبية المهنية للعمل الجنائي داخل جهاز الشرطة، بما أدى إلى عزوف الكوادر الشرطية المتخصصة عن مباشرة العمل الجنائي بالاحترافية المطلوبة، وضعف تراكم الخبرة الفنية في هذا المجال.
ومع تراكم هذه التحولات، تعرضت سلسلة العمل الجنائي داخل الشرطة لقدر من الاضطراب المؤسسي، تمثل في تراجع الترابط المهني بين مراحل التحري والاستدلال والمتابعة الإجرائية، بما يمكن وصفه ببدء تفككٍ تدريجي في سلسلة المنظومة الجنائية الشرطية من حيث الاتساق والكفاءة. وفي المقابل، انعكس ذلك على تقليص الدور الرقابي الفعّال للقضاء في المراحل السابقة للمحاكمة، بما أخلّ بتوازن البنية الإجرائية للدعوى الجنائية وأضعف آليات الضبط المؤسسي داخلها.
وبذلك، أتاح هذا التمركز المؤسسي إعادة توجيه مسار العدالة الجنائية بما ينسجم مع متطلبات استقرار السلطة القائمة خلال تلك المرحلة 1989م وحتى تاريخه، من خلال التحكم في مسارات الاتهام والتصرف في الدعوى، وتطويع البنية التشريعية والإجرائية لإضفاء شرعية قانونية على الخيارات السياسية للنظام الحاكم، بدل أن تظل العدالة الجنائية إطارًا محايدًا لضبط الخصومة الجنائية وحماية الحقوق.
وعليه، فإن هذا التحول، لا يمكن اختزاله في إعادة توزيع للاختصاصات الإجرائية، بل يمثل تحولًا بنيويًا في فلسفة العدالة الجنائية ذاتها، حيث لم تعد العدالة منظومة محايدة لضمان الحقوق وحماية الشرعية الدستورية، وإنما أصبحت جزءًا من مشروع الدولة لإدارة الصراع وإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية أحادية، بما أدى إلى إضعاف معايير وضمانات العدالة الجنائية، وتكريس أزمة الشرعية الدستورية في السودان بوصفها أزمة قانونية ومؤسسية في آنٍ واحد.
وفي هذا الإطار، لم يعد اختلال العدالة الجنائية مجرد نتيجة لسوء تطبيق القانون، بل أصبح تعبيرًا عن تحول بنيوي في فلسفة العدالة ذاتها، حيث جرى توظيف النيابة العامة ووزارة العدل والمجالس التشريعية الموالية – سواء عبر التعيين أو عبر آليات انتخاب محدودة الأثر – ضمن بنية سلطوية متكاملة تتداخل فيها وظائف إنتاج التشريع وتطبيقه وتبريره في دورة واحدة شبه مغلقة.
وبهذا التمكين المؤسسي، فقد القانون تدريجيًا طبيعته كأداة محايدة لتحقيق العدالة، ليتحول إلى وسيلة سياسية لإدارة السلطة وتنظيم المجال العام وفق مقتضياتها. وقد ترافق ذلك مع إضعاف منهجي لآليات الرقابة والتوازن (Checks and Balances)، بما أفضى إلى تقليص فعالية الضوابط المؤسسية بين السلطات، وإعادة إنتاج بنية قانونية أقرب إلى منطق إدارة السلطة منها إلى منطق سيادة القانون.
وبناء عليه، أسهم هذا التحول في تعميق أزمة الشرعية، ودفع الدولة نحو طور من الانغلاق المؤسسي، حيث تتراجع فيه مساحات الفصل بين الوظائف التشريعية والتنفيذية والقضائية لصالح تداخل وظيفي يعيد تشكيل العلاقة بين القانون والسلطة على نحو غير متوازن.
ونتيجة لذلك، تشكّلت بنية عدالة جنائية مختلّة، اختلطت فيها الوظائف بين جمع الاستدلالات والتحقيق والاتهام، وتراجعت فيها معايير الحياد والاستقلال لصالح اعتبارات الولاء السياسي والأيديولوجي، الأمر الذي أفرز واقعًا عدليًا مشوّهًا لا يعكس فقط أزمة في تطبيق القانون، بل يكشف عن خلل بنيوي في فلسفة العدالة ذاتها. ففي هذا السياق، لم تعد العدالة تُفهم بوصفها حقًا إنسانيًا طبيعيًا من حقوق الانسان، يتجلى في ضمانات المحاكمة العادلة (Fair Trial Guarantees)، بل أصبحت أداة ضمن مشروع السلطة لإدارة الصراع وإعادة تشكيل المجتمع، بما يعيد إنتاج الأزمة على مستوى الدولة والشرعية معًا.
وعليه، فإن مجمل هذه التحولات – أي التحولات التشريعية في طبيعة القانون، والمؤسسية في توزيع الأدوار بين أجهزة العدالة الجنائية، والفلسفية في وظيفة العدالة ذاتها – لا يمكن قراءتها بوصفها تعديلات قانونية معزولة، بل باعتبارها جزءًا من مشروع شامل لإعادة صياغة الدولة السودانية بعد 1989م، حيث تم توظيف القانون والتشريع كأداة لإعادة بناء الشرعية السياسية، وإعادة هندسة العلاقة بين السلطة والمجتمع، بما جعل العدالة الجنائية – بمؤسساتها: الشرطة والنيابة العامة والقضاء – جزءًا من بنية السلطة الحاكمة ذاتها، لا إطارًا محايدًا للفصل في الخصومات. ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
04/ 05/ 2026م
The post السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (11) الانقلابات الهجينة المدنية -العسكرية على الشرعية الدستورية (3) first appeared on مسار ميديا.