![]()
تتكرر الضربات بالطائرات المسيّرة في الخرطوم وأم درمان والجزيرة والنيل الابيض على نحو يثير أسئلة تتجاوز القدرة التقنية إلى بنية الاختراق ذاته: من يرفع الإحداثيات؟ ومن يوفّر المعلومات الدقيقة التي تسمح بتوجيه ضربات داخل عمق يفترض أنه تحت سيطرة الدولة أو في محيطها القريب؟ هذه الوقائع لا يمكن قراءتها كحوادث منفصلة، بل كأعراض لنمط متكامل من الاختراق الأمني متعدد المستويات.
تؤكد المعطيات أن امتلاك القدرة على تحديد الأهداف الحساسة بدقة يستلزم واحدًا من ثلاثة مسارات.. اختراق بشري داخل مؤسسات أو محيطات القرار، أو اختراق تقني لأنظمة الاتصالات والرصد، أو شبكة محلية تتولى التتبع الميداني وتغذية غرف العمليات بالمعلومات الحية. اجتماع هذه المسارات أو تقاطعها يرفع من مستوى الخطورة، ويحوّل الهجمات من مجرد عمليات إزعاج إلى أدوات استراتيجية لإرباك الدولة وإطالة أمد الصراع.
يتزامن هذا النمط مع موجة شائعات منظمة تستهدف ضرب الثقة بين المكونات العسكرية المتحالفة ميدانيًا. الحديث عن إعادة تمركز قوات مشتركة، وترويج اتهامات متبادلة، ومحاولات تصوير التباينات التكتيكية كصراع بنيوي، كلها مؤشرات على حرب نفسية تسعى لتفكيك الجبهة من الداخل. الهدف هنا ليس الانتصار العسكري المباشر، بل إنهاك الإرادة الجامعة وإشغال الأطراف بصراعات جانبية.
تظهر كذلك حوادث مقلقة في شرق الجزيرة، من بينها اتهام أطراف داخلية باستهداف أسرة كيكل، بما يفتح الباب أمام ثارات محلية وتوسيع دوائر الشك. مثل هذه الوقائع، سواء ثبتت أو جرى تضخيمها، تُستخدم كوقود لإشعال نزاعات مجتمعية موازية، تُضعف الحاضنة الاجتماعية لأي مشروع استقرار.
تتضاعف المخاطر مع تقارير عن عناصر مسلحة تعلن تبعيتها لقوى مختلفة، ترفض التسليم الكامل، وتحتفظ بسلاحها وزيّها وحرية حركتها، مع ادعاء أن لا جهة قادرة على ضبطها. هذا النمط يشير إلى تآكل مركزية السيطرة وظهور (جزر أمنية) منفصلة، وهي بيئة مثالية لتمدد الفوضى المنظمة، وتحوّل المدن إلى مسارح نفوذ متداخلة.
في المقابل، تبدو معركة الإحداثيات أخطر من معركة السلاح. من يمتلك المعلومة الدقيقة يمتلك زمام المبادرة. أي اختراق في هذا المجال يعني أن الخصم يرى ما لا ينبغي أن يُرى، ويسمع ما لا ينبغي أن يُسمع، ويصل إلى ما لا ينبغي أن يُطال. لذلك فإن إعادة بناء المنظومة الأمنية يجب أن تنطلق من تحصين مصادر المعلومات، وتدقيق دوائر الوصول، وتفعيل آليات التحقق المتقاطع، إلى جانب تحديث البنية التقنية وتشفير قنوات الاتصال.
تقتضي المرحلة أيضًا إدارة ذكية للإعلام والمعلومات. الصمت يترك فراغًا تملؤه الشائعات، والارتباك في الخطاب الرسمي يفتح الباب لتفسيرات متضاربة. المطلوب خطاب واضح، سريع، ومبني على الحقائق، يواجه حملات التضليل دون انفعال، ويعزز الثقة بين المكونات العسكرية والمجتمعية.
لا يمكن إغفال البعد الخارجي في هذا المشهد. السودان يقع في تقاطع مصالح إقليمية ودولية، وأي مسار نحو الاستقرار وإعادة الإعمار قد يتعارض مع حسابات أطراف ترى في الفوضى مكسبًا أو ورقة ضغط. هذا لا يلغي المسؤولية الداخلية، بل يضاعفها في بناء جبهة صلبة قادرة على امتصاص الضغوط ومنع توظيف التناقضات المحلية.
التحذير هنا ليس للتخويف، بل للتبصير: استمرار هذا النمط من الاختراق، مع تآكل الانضباط وتزايد الشائعات، ينذر بانفلات أمني أشد خطورة من المراحل السابقة. المعالجة تتطلب حزمًا في توحيد القيادة الميدانية، وضبط السلاح خارج الأطر الرسمية، وتصفير مساحات الالتباس بين الحلفاء، إلى جانب ضرب شبكات التجسس والتتبع بعمل استخباري دقيق ومستمر.
الاستقرار لا يُبنى بالنيات وحدها، بل بإغلاق الثغرات التي ينفذ منها الخصم. وأخطر الثغرات تلك التي تتخفى في الداخل، وتعمل بصمت، وتمنح العدو ما يحتاجه من عيون وآذان. هنا تبدأ المعركة الحقيقية، وهنا يتحدد إن كان السودان قادرًا على العبور إلى مرحلة التعافي، أم سيظل رهينة لاختراقات تُدار بذكاء وتستثمر في كل شقٍّ قابل للاتساع.
mhgoub33@gmail.com